
كتب: نبيل الشريف
ليس ما يُعرف إعلامياً بـ«ممر داوود» مجرد تصور جغرافي أو فرضية سياسية عابرة، بل هو سيناريو جيوسياسي يستحق القراءة الجدية في ضوء التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط، وما يمكن أن تفرضه من خرائط جديدة للنفوذ والتأثير.
ورغم أن وجود مشروع إسرائيلي متكامل بهذا الاسم لم يُثبت رسمياً، فإن احتمالات استغلال الجغرافيا السورية والعراقية لتحقيق أهداف استراتيجية إسرائيلية تفرض على البلدين التعامل مع هذه المخاطر بوعي ومسؤولية.
إن أخطر ما في هذه الفكرة ليس الممر بحد ذاته، بل طبيعة البيئة السياسية والأمنية التي يمكن أن تسمح بإنشائه أو توظيفه، سواء عبر التدخلات الخارجية أو استغلال الانقسامات الداخلية أو إقامة علاقات نفوذ مع قوى محلية على حساب سيادة الدول ووحدة أراضيها.
والمفارقة أن هذا السيناريو قد يصبح ممكناً بصورة أكبر إذا انتقل الشرق الأوسط إلى مرحلة من السلام والاستقرار والتعايش المشترك. ففي منطقة تتراجع فيها الحروب والعداوات، وتُفتح الحدود أمام التجارة والاستثمار والتعاون الإقليمي، يمكن أن تتحول الجغرافيا من عائق إلى ممرات للتواصل الاقتصادي والاستراتيجي.
وقد تجد إسرائيل في واقع إقليمي جديد فرصة لتوسيع علاقاتها وامتداد مصالحها نحو الشرق، مستفيدة من شبكات النقل والتجارة والطاقة، إذا توافرت التفاهمات السياسية والأمنية اللازمة.
لكن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة هذا السلام وشروطه: هل سيكون سلاماً متوازناً يحترم سيادة الدول وحقوق الشعوب، ويقوم على المصالح المتبادلة والتعاون بين الجميع؟ أم سيكون سلاماً مفروضاً في ظل اختلال موازين القوى، يسمح لطرف بتوسيع نفوذه على حساب الآخرين، وتحويل الاستقرار إلى أداة لإعادة رسم خرائط المنطقة وفق مصالحه الخاصة؟
هنا تحديداً تكمن خطورة ممر داوود على الأمن الوطني السوري والعراقي.
فإذا جرى توظيف أي ممر بري أو شبكة علاقات إقليمية لتكريس نفوذ إسرائيلي داخل الأراضي السورية، أو لفتح مسارات تأثير باتجاه العراق، أو لدعم كيانات منفصلة عن سلطتي الدولتين، فإن الأمر لن يعود مشروعاً اقتصادياً أو تجارياً، بل سيصبح قضية سيادة وأمن وطني، تمس وحدة سورية والعراق واستقلال قرارهما السياسي.
إن سورية، بحكم موقعها الجغرافي الذي يصل المشرق العربي بامتداداته الإقليمية، تمثل حلقة أساسية في أي تصور لإعادة ترتيب طرق التواصل والنفوذ في المنطقة. والعراق، بموقعه وثرواته وامتداده نحو الخليج وإيران وتركيا، يشكل بدوره عنصراً أساسياً في معادلات الأمن الإقليمي.
وأي محاولة لاستغلال ضعف مؤسسات الدولة أو الانقسامات المجتمعية في البلدين قد تفتح الباب أمام صراعات جديدة، حتى لو رُفعت فوقها شعارات السلام والتعاون والتنمية.
ولا يجوز في هذا السياق اختزال الخطر في البعد العسكري وحده؛ فالمخاطر قد تبدأ من الاقتصاد والتجارة، وتتطور إلى النفوذ الأمني والسياسي، ثم تتحول إلى ترتيبات جغرافية تفرض أمراً واقعاً يصعب تغييره لاحقاً. كما أن استثمار التباينات القومية أو الدينية أو المذهبية، أو توظيف مطالب بعض المكونات لتحقيق أهداف خارجية، يمكن أن يهدد التعايش الداخلي ويضعف الدولة الوطنية.
لكن مواجهة هذه الاحتمالات لا تكون بإشعال حروب جديدة، ولا بإدامة العداء بين شعوب المنطقة، ولا بتحويل الاختلافات الداخلية إلى صراعات مفتوحة. بل تكون ببناء دول قوية وعادلة، وتعزيز المواطنة المتساوية، وحماية حقوق جميع المكونات، وترسيخ سلطة القانون، ومنع أي قوة خارجية من استغلال حاجات الناس ومظالمهم لفرض مشاريعها.
ومن هنا، فإن المطلوب سورياً وعراقياً هو التنسيق السياسي والأمني المشروع، وتحصين الحدود، وتعزيز المؤسسات الوطنية، ورفض أي ترتيبات تمس وحدة الأراضي أو تنتقص من السيادة، مع الانفتاح على التعاون الاقتصادي الإقليمي الذي يحقق مصالح الشعوب من دون تحويل أراضيها إلى ساحات نفوذ أو ممرات استراتيجية تخدم أجندات خارجية.
كما أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على تجاهل الحقوق الفلسطينية، أو استمرار الاحتلال، أو منح إسرائيل حرية الحركة والتوسع بينما تُطلب من دول المنطقة تنازلات متواصلة. فالسلام الذي لا يضمن العدالة والسيادة المتكافئة قد يوقف حرباً، لكنه قد يؤسس لصراعات مؤجلة أكثر تعقيداً.
إن مستقبل الشرق الأوسط لا ينبغي أن يُبنى على الخوف المتبادل، ولا على تقسيم الدول إلى مناطق نفوذ، بل على الاعتراف المتبادل بالحقوق والمصالح، واحترام الحدود، والتعاون في الاقتصاد والطاقة والمياه والنقل، وتوفير الأمن لجميع شعوب المنطقة من دون استثناء.
الخلاصة أن ممر داوود قد يتحول، في شرق أوسط مستقر ومنفتح، إلى احتمال جيوسياسي قابل للنقاش والتنفيذ إذا توافرت له الظروف والمصالح، لكنه يصبح تهديداً مباشراً للأمن الوطني السوري والعراقي متى استُخدم لتوسيع النفوذ الإسرائيلي على حساب سيادة الدول ووحدة أراضيها.
فالمشكلة ليست في أن يتحول الشرق إلى منطقة سلام وتعايش مشترك؛ بل في أن يُستغل هذا التحول لفرض واقع استراتيجي غير متكافئ. والاختبار الحقيقي أمام سورية والعراق وسائر دول المنطقة هو القدرة على بناء سلام يحمي السيادة، ويصون وحدة الأوطان، ويجعل التعاون جسراً بين الشعوب، لا ممراً للهيمنة والنفوذ.
نبيل الشريف