بقلم: قسم الشؤون الرياضية والتحليل – شمس اليوم
أحياناً، تكشف مباراة واحدة أسئلة ظلت معلقة لأشهر. وهذا ما حدث مع ريال مدريد بعد فوزه على إشبيلية بنتيجة 4-1، مساء الأحد 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026. فقد قدم الفريق أداءً هجومياً مقنعاً، وتألق كيليان مبابي بتسجيل هدفين، فيما ترك أردا غولر ويان ديوماندي بصمتهما في ليلة لم يكن أبرز ما فيها عدد الأهداف فقط، بل الطريقة التي تحرك بها اللاعبون داخل الملعب.
كان هناك غائب لفت الانتباه أكثر من بعض الحاضرين: البرازيلي فينيسيوس جونيور، الذي تابع المباراة من خارج الملعب بسبب الإيقاف. ومع كل هجمة منظمة وكل مساحة وجدها مبابي أمامه، عاد السؤال الذي يرافق ريال مدريد منذ وصول النجم الفرنسي في صيف 2024: هل تكمن المشكلة في صعوبة الجمع بين نجمين كبيرين، أم في الطريقة التي وُزعت بها الأدوار بينهما؟
لا تقدم مباراة إشبيلية إجابة نهائية، لكنها تمنح المدرب جوزيه مورينيو فرصة جديدة للتفكير في شكل فريقه، خصوصاً بعدما ظهر ريال مدريد أكثر تنوعاً في تحركاته، وأفضل قدرة على استغلال المساحات.
مبابي أكثر حرية.. وديوماندي يمنح الهجوم شكلاً مختلفاً
أحد أبرز مشاهد المباراة كان تحرك مبابي بأريحية أكبر في المناطق الهجومية. فالفرنسي، الذي يفضل الانطلاق نحو المرمى من الجهة اليسرى، وجد أمامه مساحات أوسع عندما تولى ديوماندي مهمة اللعب على الطرف.
لم يكن دور اللاعب الإيفواري مقتصراً على تعويض غياب فينيسيوس، بل ساعد على تغيير شكل الهجوم. فقد منح الفريق عرضاً أكبر، وابتعد في كثير من تحركاته عن المساحات التي يحتاج إليها مبابي وبيلينغهام في العمق.
وبدا الفارق واضحاً في طريقة وصول ريال مدريد إلى منطقة الجزاء. فبدلاً من تجمع أكثر من لاعب في الجهة نفسها، أصبحت أمام الفريق خيارات متعددة، بين الانطلاق على الطرف، والتمرير في العمق، والتقدم بالكرة من وسط الملعب.
وسجل مبابي هدفه الأول بعد تحرك فردي مميز، قبل أن يعود في الشوط الثاني ويسجل من ركلة جزاء بطريقة «بانينكا». أما ديوماندي، فلم يكتف بالمساهمة في صناعة اللعب، بل اختتم الرباعية بهدف أكد به قيمة حضوره الهجومي.
لكن السؤال ليس ما إذا كان ديوماندي قد قدم مباراة جيدة؛ فهذا واضح. السؤال الحقيقي هو ما إذا كان يستطيع الحفاظ على المستوى نفسه أمام دفاعات أكثر تنظيماً، وفي مباريات تكون فيها المساحات أقل والضغوط أكبر.
مشكلة مبابي وفينيسيوس.. ليست في الموهبة
من الصعب التشكيك في قيمة فينيسيوس بالنسبة إلى ريال مدريد. فقد كان لسنوات أحد أبرز أسلحته الهجومية، وأسهم في حسم مباريات كبيرة، بينها نهائيا دوري أبطال أوروبا عامي 2022 و2024.
وفي المقابل، جاء مبابي إلى النادي بقدرات تهديفية استثنائية، وسرعة تجعله خطيراً كلما وجد مساحة خلف المدافعين. نظرياً، يفترض أن يشكل وجود اللاعبين معاً قوة إضافية للفريق، لكن كرة القدم لا تُحسم دائماً بجمع أفضل الأسماء في التشكيلة نفسها.
فكلاهما يحب التحرك من الجهة اليسرى نحو المرمى، وكلاهما يحتاج إلى مساحة للانطلاق والمراوغة. وعندما يقترب اللاعبان من المنطقة نفسها، قد يجد الفريق نفسه أمام ازدحام هجومي، خصوصاً إذا انضم بيلينغهام إلى التحركات ذاتها.
وهنا تبدأ مهمة المدرب: كيف يستفيد من قدرات كل لاعب من دون أن يتحول وجوده إلى تكرار لدور زميله؟
ما حدث أمام إشبيلية يشير إلى أن اتساع الملعب، وتحديد مسؤوليات الأجنحة، ومنح مبابي حرية أكبر في التحرك نحو العمق، قد تساعد على تحسين التوازن. لكنه لا يعني بالضرورة أن الحل هو استبعاد فينيسيوس، بل ربما يكمن في تغيير طريقة استخدامه.
غولر وفالفيردي.. تفاصيل صغيرة تصنع الفارق
لم يكن غياب فينيسيوس التغيير الوحيد في تشكيلة ريال مدريد. فقد لعب أردا غولر دوراً مهماً في بناء الهجمات من وسط الملعب، بينما شغل فيديريكو فالفيردي مركز الظهير الأيمن.
وهذان التعديلان يستحقان الاهتمام، لأن تحسن الفريق لا يمكن تفسيره من خلال غياب لاعب واحد فقط.
عندما يجد ريال مدريد صعوبة في الخروج بالكرة تحت الضغط، يصبح وصولها إلى مبابي وبقية المهاجمين مهمة شاقة. أما عندما يتحسن الربط بين الدفاع والوسط، فإن المهاجمين يتلقون الكرة في ظروف أفضل، ويصبح بإمكانهم التركيز على ما يجيدونه: التحرك نحو المرمى وصناعة الخطورة.
منح وجود غولر في وسط الملعب الفريق خياراً إضافياً للتمرير والتقدم، فيما أتاح تحرك بيلينغهام إلى مناطق أكثر تقدماً الاستفادة من قدراته قرب منطقة الجزاء.
ومع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في قراءة النتيجة. فإشبيلية لم يفرض بالضرورة الظروف نفسها التي قد يواجهها ريال مدريد أمام منافس يضغط باستمرار ويغلق المساحات. ولهذا، فإن نجاح هذه الصيغة يحتاج إلى اختبار جديد قبل اعتبارها حلاً مستقراً.
هل يستطيع ديوماندي منافسة فينيسيوس؟
من الطبيعي أن يلفت لاعب شاب الأنظار عندما يستغل فرصته بهذه الطريقة. لكن المقارنة بين ديوماندي وفينيسيوس لا ينبغي أن تتحول إلى حكم سريع بأن أحدهما أفضل من الآخر.
قدم ديوماندي ما يحتاج إليه ريال مدريد في تلك المباراة: السرعة، واللعب المباشر، والقدرة على شغل الطرف، والمساهمة في إنهاء الهجمات. كما أن التزام الجناح بموقعه يمكن أن يساعد الظهير الأيسر على أداء واجباته من دون ترك مساحات كبيرة خلفه.
أما فينيسيوس، فيمتلك خبرة لا يمكن تجاهلها، وقدرة على تجاوز المدافعين وخلق الفرص حتى في المباريات التي يعاني فيها الفريق. وقد تكون قيمته أكبر أمام المنافسين الذين يتراجعون إلى مناطقهم الدفاعية ويحتاج ريال مدريد أمامهم إلى لاعب قادر على كسر التنظيم بالمراوغة.
لكل منهما ما يقدمه، والتحدي أمام مورينيو هو تحديد متى يحتاج إلى السرعة والاختراق المباشر، ومتى يحتاج إلى المهارة الفردية والقدرة على جذب المدافعين.
وقد يتحول وجود ديوماندي إلى عامل إيجابي بالنسبة إلى فينيسيوس نفسه، إذا دفعه إلى تطوير أدائه والمنافسة على مكانه، بدلاً من التعامل مع عودته باعتبارها نهاية لفرص اللاعب الشاب.
الاختبار الحقيقي أمام مورينيو
تكمن صعوبة المهمة في أن ريال مدريد يحتاج إلى أكثر من هجوم قوي. فالفريق مطالب أيضاً بالحفاظ على توازنه الدفاعي، وتقليص المسافات بين خطوطه، والتعامل بسرعة مع فقدان الكرة.
وعندما يتقدم الجناحان معاً، قد يجد الظهيران نفسيهما أمام مساحات يصعب تغطيتها. لذلك، فإن الحل لا يقتصر على اختيار لاعب بدلاً من آخر، بل يتطلب منظومة واضحة تحدد من يتقدم، ومن يغطي المساحة، وكيف يستعيد الفريق الكرة عندما يخسرها.
كما يحتاج مبابي وفينيسيوس إلى تنسيق أكبر في تحركاتهما. فإذا اتجه أحدهما نحو العمق، يستطيع الآخر استغلال الطرف أو التحرك إلى مساحة مختلفة، بدلاً من التنافس على المنطقة نفسها.
ويمكن لغولر أن يؤدي دوراً مهماً في هذا التوازن، من خلال إيصال الكرة في الوقت المناسب وتغيير اتجاه اللعب، فيما يمنح بيلينغهام الفريق قدرة إضافية على التقدم من الوسط.
وبحسب جدول المباريات المعلن وقت إعداد هذا التحليل، كان من المقرر أن يواجه ريال مدريد لايبزيغ يوم الأربعاء 21 أكتوبر، قبل الكلاسيكو أمام برشلونة يوم الأحد 25 أكتوبر. وتمثل هذه المواجهات فرصة لتقييم خيارات مورينيو، مع ضرورة مراعاة اختلاف المنافسين وظروف كل مباراة.
فوز مهم.. لكن الحكم ما زال مبكراً
منح الفوز على إشبيلية ريال مدريد دفعة معنوية، وأظهر أن الفريق قادر على تقديم كرة هجومية أكثر تنوعاً عندما تتوزع المسؤوليات بوضوح. كما أكد أن ديوماندي يستطيع استغلال الفرصة، وأن غولر قادر على تقديم حلول مهمة في وسط الملعب.
لكن المباراة لم تثبت أن ريال مدريد أفضل من دون فينيسيوس، كما لم تحسم مشكلة الانسجام بين البرازيلي ومبابي. فغياب لاعب قد يفتح مساحات لزملائه، لكنه لا يلغي قيمة ما يقدمه عند عودته.
التحدي الحقيقي أمام مورينيو هو الحفاظ على المزايا التي ظهرت أمام إشبيلية، مع إيجاد مكان واضح لكل نجم داخل المنظومة. فإذا نجح في ذلك، فلن يكون مضطراً إلى الاختيار بين مبابي وفينيسيوس في كل مرة، بل سيتمكن من تحويل اختلاف أسلوبهما إلى مصدر قوة.
في النهاية، لا يحتاج ريال مدريد إلى مزيد من النجوم بقدر ما يحتاج إلى أن يعمل نجومه معاً. وقد تكون رباعية إشبيلية بداية الطريق نحو هذا التوازن، لكن المباريات المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كان مورينيو قد وجد الحل، أم أن الأسئلة القديمة ستعود بمجرد استئناف فينيسيوس مشاركته.