أخبار العالم العربي

اقتصاد السلع الميتة.. أين تذهب البضائع التي لا تجد من يشتريها؟

بين التخفيضات الموسمية وتراكم المخزونات والإتلاف، تكشف السلع غير المباعة عن كلفة اقتصادية وبيئية لا تتوقف عند خسارة صفقة تجارية، بل تمتد إلى الأموال المجمدة والموارد المهدرة واختلال العلاقة بين الإنتاج والطلب.

في نهاية كل موسم، تتحول واجهات المتاجر إلى لوحات كبيرة للتخفيضات، وتتنافس العلامات التجارية على جذب المستهلكين بعروض قد تصل إلى 70% أو أكثر. لكن وراء هذه الأسعار المنخفضة قصة لا تظهر دائمًا للمشتري: منتجات صُنعت وشُحنت وخُزنت، ثم لم تجد من يشتريها بالسعر الذي كانت الشركات تتوقعه.

ولا يعني بقاء هذه البضائع في المستودعات أنها فقدت قيمتها بالكامل. فقد يُعاد بيعها بأسعار مخفضة، أو تُنقل إلى أسواق أخرى، أو تخضع للإصلاح وإعادة التأهيل. غير أن جزءًا منها قد ينتهي إلى الإتلاف عندما تتراجع فرص بيعه أو تصبح تكلفة الاحتفاظ به أعلى من العائد المتوقع.

وتكشف هذه الظاهرة عن مفارقة في الاقتصاد الحديث؛ فالشركات التي تسعى إلى زيادة الإنتاج وخفض تكاليف التصنيع تجد نفسها أحيانًا أمام كميات من السلع لا يستطيع السوق استيعابها، بما يترتب على ذلك من أعباء مالية وخسائر محتملة وآثار بيئية.

فكيف تتراكم السلع غير المباعة؟ وما مصيرها بعد خروجها من حسابات البيع المعتادة؟ وإلى أي مدى تستطيع الشركات استعادة قيمتها بدلًا من تحويلها إلى نفايات؟

فائض الإنتاج.. عندما لا تتطابق التوقعات مع الطلب

تبدأ مشكلة السلع غير المباعة غالبًا قبل وصولها إلى المتاجر، وتحديدًا عند تقدير الشركات لحجم الطلب الذي ستواجهه في المستقبل.

تعتمد المؤسسات على بيانات المبيعات السابقة، واتجاهات السوق، والتغيرات الموسمية لتحديد الكميات التي ينبغي إنتاجها أو استيرادها. لكن هذه التقديرات تظل عرضة للتغير، فقد تتراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، أو تتبدل أذواقهم، أو تظهر منتجات جديدة تقلل الإقبال على السلع الموجودة.

ويبرز قطاع الملابس مثالًا واضحًا على هذه الصعوبة، إذ يمكن أن تفقد مجموعة كاملة من المنتجات جاذبيتها التجارية مع تغير الموضة أو انتهاء الموسم. وفي قطاع الإلكترونيات، قد يؤدي ظهور إصدار أحدث إلى تراجع الطلب على أجهزة لا تزال صالحة للاستعمال.

كما تسهم الرغبة في الاستفادة من وفورات الحجم في زيادة المخاطر. فإنتاج كميات كبيرة قد يخفض تكلفة الوحدة الواحدة، لكنه لا يضمن بيع جميع الكميات. وعندما يقل الطلب عن التوقعات، تتحول الوفورات المحققة في التصنيع إلى تكاليف إضافية مرتبطة بالتخزين والتخفيضات وتراجع القيمة التجارية.

ولا يعود فائض المخزون دائمًا إلى سوء التخطيط؛ فقد تتسبب اضطرابات سلاسل الإمداد أو تأخر الشحن أو تغير الظروف الاقتصادية في وصول البضائع بعد انقضاء الفترة التي كان يُنتظر بيعها خلالها.

وبذلك، لا تتمثل المشكلة في حجم الإنتاج وحده، بل في صعوبة تحقيق التوازن بين الكميات المطروحة في السوق والطلب الفعلي عليها.

مخزون بالملايين.. وأموال لا تتحرك

تبدو السلع غير المباعة أصولًا تمتلكها الشركة، لكنها لا توفر بالضرورة السيولة التي تحتاج إليها لمواصلة نشاطها. فالأموال المستثمرة في شراء المنتجات أو تصنيعها تظل مرتبطة بالمخزون إلى حين بيعه، بينما تستمر النفقات التشغيلية في التراكم.

وتشمل هذه النفقات تكاليف التخزين والتأمين والمناولة، إلى جانب تكاليف التمويل المحتملة ومخاطر التلف أو التقادم. وكلما طال بقاء بعض المنتجات في المستودعات، ارتفعت احتمالات اضطرار الشركة إلى بيعها بسعر أقل من المتوقع.

ولفهم هذه المعادلة، يمكن تصور شركة صنعت عشرة آلاف قطعة بتكلفة 12 يورو للقطعة الواحدة، أي باستثمار إجمالي قدره 120 ألف يورو. وإذا باعت ستة آلاف قطعة بالسعر المخطط له، فإن أربعة آلاف قطعة ستظل في المخزون.

لا يعني ذلك أن الشركة خسرت تكلفة القطع المتبقية بالكامل، إذ يمكن بيعها لاحقًا. لكن إذا اضطرت إلى تخفيض أسعارها أو تحمل نفقات إضافية لتخزينها، فقد تتراجع ربحيتها النهائية.

ومن هنا، ينبغي التمييز بين قيمة البضاعة في الحسابات، والسيولة التي تحققها المبيعات، والخسارة التي تتحقق فعلًا عند بيع المنتجات بأقل من تكلفتها أو شطبها من المخزون.

فالمشكلة ليست في امتلاك السلعة بحد ذاتها، بل في قدرة الشركة على تحويلها إلى إيرادات قبل أن تتراجع قيمتها أو تصبح تكلفة الاحتفاظ بها غير مجدية.

أرقام تكشف حجم الظاهرة.. ولكن ماذا تقيس فعلًا؟

لا توجد قيمة عالمية موحدة يمكن الاستناد إليها لتحديد إجمالي الخسائر الناتجة عن جميع السلع التي لا تجد مشترين. ويعود ذلك إلى اختلاف القطاعات وطرق المحاسبة، فضلًا عن أن السلع غير المباعة والمرتجعات والمنتجات المهدرة ليست فئات متطابقة.

في قطاع الأغذية، قدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة، في تقرير مؤشر هدر الأغذية لعام 2024، أن العالم أهدر نحو 1.05 مليار طن من الأغذية خلال عام 2022، بما يعادل نحو 19% من الأغذية المتاحة للمستهلكين على مستوى المنازل وخدمات الطعام وتجارة التجزئة.

لكن هذه الكمية لا تمثل جميعها أغذية لم تتمكن المتاجر من بيعها، إذ يشمل المؤشر أيضًا الطعام الذي اشتراه المستهلكون ثم لم يستهلكوه.

وفي قطاع النسيج الأوروبي، تشير تقديرات الوكالة الأوروبية للبيئة إلى أن ما بين 4% و9% من المنتجات النسيجية المطروحة في السوق تُتلف قبل استخدامها، وفق التقديرات التي تناولتها الوكالة. كما أظهرت الدراسات التي استعرضتها تفاوتًا في نسب المنتجات غير المباعة بحسب القطاع والبلد والفترة المدروسة.

أما في الولايات المتحدة، فقد قدّر الاتحاد الوطني للبيع بالتجزئة، بالتعاون مع شركة «هابي ريتيرنز»، قيمة السلع المرتجعة بنحو 890 مليار دولار عام 2024، قبل أن يقدّرها بنحو 849.9 مليار دولار عام 2025.

غير أن هذه الأرقام تمثل قيمة المنتجات التي أعادها المستهلكون، ولا تعني أن الشركات خسرت هذه المبالغ بالكامل. فقد يُعاد بيع بعض المنتجات، فيما تتحمل الشركات تكاليف الفحص والنقل والمعالجة، أو تضطر إلى تخفيض أسعار بعضها.

وتوضح هذه المؤشرات اتساع المشكلة في قطاعات مختلفة، لكنها لا تسمح بجمع الأرقام في حصيلة مالية واحدة للخسائر العالمية، لأن كل مؤشر يقيس جانبًا مختلفًا من الظاهرة.

من التخفيضات إلى الإتلاف.. رحلة البحث عن مشترٍ

عندما تتراكم السلع، تحاول الشركات عادة استعادة قيمتها قبل اللجوء إلى التخلص منها. وتأتي التخفيضات في مقدمة الحلول، إذ تساعد على تسريع المبيعات وتوفير مساحة في المستودعات، حتى لو اضطرت المؤسسة إلى القبول بهامش ربح أقل.

وإذا لم تنجح هذه الخطوة، يمكن نقل المنتجات إلى منافذ التصفية أو بيعها لتجار الجملة، أو توجيهها إلى أسواق أخرى يتوفر فيها طلب أكبر.

وفي بعض القطاعات، تسمح عمليات الإصلاح وإعادة التأهيل بطرح المنتجات مجددًا. فالأجهزة الإلكترونية المرتجعة، على سبيل المثال، يمكن فحصها وإصلاحها ثم بيعها بعد توضيح حالتها للمستهلك. أما الملابس، فقد تجد طريقها إلى أسواق المستعمل أو التبرع أو إعادة تدوير الألياف.

لكن جميع هذه الخيارات تتطلب مقارنة بين قيمة المنتج والتكاليف اللازمة لاستعادتها. فقد تكون إعادة البيع مجدية في حالة سلعة سليمة، بينما يصبح التدوير خيارًا أكثر ملاءمة عندما يتعذر استخدامها مجددًا.

وعندما تفشل هذه المحاولات أو تصبح تكلفتها أعلى من العائد المتوقع، قد تتجه الشركات إلى الإتلاف أو التخلص من المنتجات وفقًا لطبيعتها والقوانين المنظمة.

وهنا تتحول المشكلة من مخزون لم يُبع بعد إلى خسارة فعلية، مع احتمال إضافة تكاليف جديدة مرتبطة بالنقل والمعالجة والتخلص النهائي.

فاتورة بيئية تتجاوز حسابات الشركات

لا تتوقف آثار السلع غير المباعة عند الجانب المالي. فكل منتج يستهلك موارد في مراحل استخراج المواد الأولية والتصنيع والتعبئة والنقل والتوزيع.

وعندما يُتلف منتج جديد قبل استخدامه، فإن هذه الموارد لا تحقق المنفعة التي كان يُفترض أن تنتج عنها. وتتضاعف أهمية المسألة في قطاعات كثيفة الاستهلاك للمواد والطاقة، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية والأغذية.

لكن الأثر البيئي يختلف بحسب نوع السلعة وطريقة التخلص منها وإمكانات إعادة استخدامها. فإعادة بيع منتج صالح قد تطيل عمره وتقلل الحاجة إلى تصنيع بديل، بينما قد يؤدي التدوير إلى استعادة جزء من مواده دون استرجاع القيمة الكاملة التي كان يمكن تحقيقها عبر الاستخدام المباشر.

وتكشف هذه المفارقة أن معالجة النفايات لا تكفي وحدها. فكلما أمكن الحد من فائض الإنتاج قبل حدوثه، أمكن تجنب جزء من التكاليف المالية والبيئية المرتبطة به.

هل يمكن تحويل السلع غير المباعة إلى فرصة اقتصادية؟

بدأت إعادة البيع والتجديد والتدوير تكتسب أهمية متزايدة بوصفها وسائل لاستعادة القيمة بدلًا من التخلص من المنتجات.

ويقوم الاقتصاد الدائري على إبقاء السلع والمواد قيد الاستخدام لأطول فترة ممكنة، من خلال الإصلاح وإعادة الاستخدام وإعادة التصنيع والتدوير. ويمكن لهذه الممارسات أن تساعد الشركات على استرداد جزء من استثماراتها، وفتح قنوات إيرادات جديدة، وتقليل النفايات.

لكن نجاحها لا يتحقق تلقائيًا. فإعادة تأهيل المنتجات تتطلب فحصًا وإصلاحًا، وإعادة البيع تحتاج إلى أسواق مناسبة وشبكات توزيع، بينما قد تكون بعض عمليات التدوير مكلفة أو محدودة الفاعلية.

لذلك، لا يكفي أن تبحث الشركات عن طريقة للتخلص من الفائض، بل عليها تحديد أفضل استخدام ممكن لكل منتج بحسب حالته وتكلفة استعادته والقيمة التي يمكن تحقيقها منه.

والأهم أن إعادة الاستخدام لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لاستمرار الإنتاج المفرط؛ فاستعادة قيمة البضائع بعد تصنيعها أقل فاعلية، في كثير من الحالات، من تجنب إنتاج الفائض منذ البداية.

تشريعات أوروبية للحد من إتلاف المنتجات

اتجه الاتحاد الأوروبي إلى وضع قواعد تحد من إتلاف بعض المنتجات الاستهلاكية غير المباعة، وفي مقدمتها الملابس وإكسسواراتها والأحذية.

ودخل حظر إتلاف هذه المنتجات حيز التطبيق على الشركات الكبرى في 19 يوليو/تموز 2026، مع استثناءات محددة، على أن يمتد إلى الشركات المتوسطة عام 2030، وفق الجدول الزمني المعتمد. كما تتضمن القواعد متطلبات للإفصاح عن المنتجات الاستهلاكية غير المباعة التي تتخلص منها الشركات.

وتهدف هذه الإجراءات إلى تشجيع المؤسسات على تحسين إدارة المخزون والبحث عن بدائل، مثل إعادة البيع والتبرع وإعادة الاستخدام.

غير أن منع الإتلاف لا يعالج المشكلة من جذورها إذا استمرت الشركات في إنتاج كميات تفوق الطلب. لذلك، تتوقف فعالية هذه الإجراءات على قدرتها على دفع المؤسسات إلى مراجعة سياسات الإنتاج والتخطيط، وليس فقط تغيير طريقة التعامل مع البضائع بعد تراكمها.

الحل يبدأ قبل وصول البضائع إلى المخازن

تحتاج معالجة فائض السلع إلى الانتقال من إدارة المخزون بعد تراكمه إلى الوقاية من حدوثه.

ويبدأ ذلك بتحسين توقعات الطلب وربط قرارات الإنتاج بالمبيعات الفعلية، إلى جانب استخدام البيانات لرصد تغيرات السوق مبكرًا. ويمكن للإنتاج على دفعات أصغر أن يقلل المخاطر في بعض القطاعات، وإن كان قد يرفع تكلفة الوحدة في قطاعات أخرى.

كما تساعد الإدارة الفعالة للمرتجعات على إعادة المنتجات الصالحة إلى السوق قبل تراجع قيمتها، فيما تتيح الأسواق الثانوية ومنافذ التصفية الوصول إلى مشترين جدد.

لكن نجاح هذه الإجراءات يتطلب موازنة مستمرة بين تكلفة الإنتاج والتخزين والتوزيع، وبين العائد المتوقع من البيع أو إعادة الاستخدام.

ولا يتعلق الأمر بإنتاج كميات أقل في جميع الأحوال، بل بإنتاج كميات أكثر توافقًا مع احتياجات السوق، مع الاحتفاظ بالمرونة اللازمة للتعامل مع التغيرات المفاجئة في الطلب.

الخلاصة.. ليست كل وفرة دليلًا على النجاح

تكشف السلع غير المباعة عن جانب خفي من الاقتصاد الحديث، حيث لا تتحدد قيمة المنتج بتكلفة تصنيعه وحدها، بل بقدرته على الوصول إلى المشتري المناسب في الوقت المناسب.

فالبضائع التي لا تجد مشترين قد تجمد الأموال وترفع تكاليف التخزين وتفقد جزءًا من قيمتها التجارية، بينما يؤدي إتلاف المنتجات القابلة للاستخدام إلى هدر الموارد التي استُهلكت في إنتاجها.

ومع ذلك، لا تمثل جميع السلع غير المباعة خسائر نهائية؛ إذ يمكن إعادة بيع بعضها أو إصلاحه أو التبرع به أو تدويره. ويتوقف حجم الخسارة الفعلية على ما يمكن استرداده من قيمة المنتج، وعلى التكاليف الإضافية اللازمة لذلك.

ويبقى التحدي الأساسي هو تقليص الفجوة بين ما تنتجه الشركات وما يحتاج إليه المستهلكون، وتحسين إدارة المخزون، وتطوير قنوات إعادة الاستخدام، بدلًا من التعامل مع الفائض باعتباره مشكلة لا تظهر إلا عند نهاية الموسم.

فالمشكلة ليست فقط في البضائع التي لا يشتريها أحد، بل في القرارات التي أدت إلى إنتاجها، وفي قدرة الاقتصاد على تحويل موارده إلى منتجات تحقق منفعة فعلية بدلًا من أن تنتهي إلى مخازن ممتلئة ونفايات متزايدة.

ملاحظة تحريرية: قبل النشر، يُستحسن التحقق من الأرقام والتواريخ التشريعية وإضافة روابط المصادر الأصلية، مع توحيد طريقة كتابة الأرقام والنسب وفق دليل التحرير المعتمد لدى شمس.

مقالات ذات صلة