17 شخصاً في مواجهة هتلر.. هل حاول سحرة بريطانيا إيقاف الغزو النازي بطقوس غامضة؟

في واحدة من أكثر الروايات غرابة خلال الحرب العالمية الثانية، يُقال إن مجموعة من 17 رجلاً وامرأة اجتمعوا في غابة بريطانية عام 1940، واستخدموا طقوساً سحرية اعتقدوا أنها قادرة على منع أدولف هتلر من غزو بلادهم. لكن هل حدث ذلك فعلاً؟
في صيف عام 1940، كانت بريطانيا تواجه تهديداً وجودياً مع تقدم القوات الألمانية في أوروبا وسقوط فرنسا، فيما بدت احتمالات الغزو النازي عبر القنال الإنجليزي أكثر جدية من أي وقت مضى.
وبينما كانت القوات البريطانية تستعد لاحتمال مواجهة عسكرية على أراضيها، ظهرت رواية غير مألوفة عن مجموعة من ممارسي المعتقدات الوثنية الذين قرروا خوض معركتهم الخاصة ضد هتلر، ليس بالسلاح أو العمليات العسكرية، وإنما عبر طقوس سحرية اعتقدوا أنها قد تؤثر في قرارات الزعيم النازي.
وتُعرف هذه الحكاية لاحقاً باسم «عملية مخروط القوة» (Operation Cone of Power)، وأصبحت واحدة من أشهر القصص المرتبطة بعالم المعتقدات الغامضة خلال الحرب العالمية الثانية.
غابة نيو فورست.. بداية الرواية الغريبة
تعود تفاصيل القصة إلى الأول من أغسطس/آب 1940، عندما اجتمع، وفقاً للرواية المتداولة، 17 شخصاً في منطقة غابات نيو فورست جنوب إنجلترا.
وكان من بين الأسماء المرتبطة بهذه الحكاية جيرالد غاردنر، الموظف البريطاني الذي أصبح لاحقاً أحد أبرز الشخصيات المؤسسة لحركة الويكا، وهي حركة دينية وثنية حديثة انتشرت في بريطانيا خلال خمسينيات القرن الماضي.
وبحسب الرواية، كان المشاركون ينتمون إلى مجموعة تُعرف باسم «عهد نيو فورست»، وضمت رجالاً ونساءً اعتقدوا أن بإمكانهم استخدام الطقوس الجماعية لتوجيه قوة روحية نحو هدف محدد.
اختار المجتمعون الغابة في وقت كانت فيه بريطانيا تستعد لاحتمال تعرض سواحلها الجنوبية لهجوم ألماني، خصوصاً أن ميناءي بورتسموث وساوثهامبتون كانا من المواقع ذات الأهمية الاستراتيجية.
«مخروط القوة».. سلاح خارج الحسابات العسكرية
تقول الرواية إن المشاركين شكلوا دائرة طقسية داخل الغابة، ثم شرعوا في الرقص والحركة الدائرية وترديد عبارات متكررة، بهدف الوصول إلى حالة من التركيز الجماعي اعتقدوا أنها تسمح بتجميع الطاقة الروحية وتوجيهها نحو شخص بعينه.
وكان الهدف، وفقاً لما نُسب إلى المجموعة، التأثير في عقل هتلر ومنعه من اتخاذ قرار غزو بريطانيا.
ومن هنا جاءت فكرة «مخروط القوة»، التي تشير في المعتقدات المرتبطة بالويكا إلى تصور رمزي لطاقة جماعية تتصاعد من المشاركين وتتجه نحو غاية محددة.
أما الرسالة التي أرادوا إيصالها إلى الزعيم النازي، فتمحورت حول تكرار عبارات تحثه على عدم عبور القنال الإنجليزي وعدم مهاجمة بريطانيا.
وتضيف بعض الروايات أن الطقوس كانت مرهقة بدنياً، وأن بعض المشاركين تعرضوا لمضاعفات صحية، بل توفي عدد منهم بعد ذلك. غير أن هذه التفاصيل، مثل كثير من عناصر القصة، لا تستند إلى توثيق تاريخي مستقل.
هل كان هتلر مهتماً بالسحر والمعتقدات الغامضة؟
اكتسبت القصة مزيداً من الجاذبية بسبب ارتباطها بالاهتمام الواسع الذي أحاط بالرموز والمعتقدات الغامضة في ألمانيا النازية.
لكن وجود اهتمام ببعض الرموز والممارسات الباطنية داخل أوساط ألمانية خلال تلك الفترة لا يثبت أن هتلر كان يتأثر بالطقوس السحرية أو أن مجموعة بريطانية استطاعت التواصل معه ذهنياً.
وتبقى هذه الفكرة جزءاً من السردية الغامضة المحيطة بالقصة، وليس حقيقة تاريخية مثبتة.
لماذا لم يغزُ هتلر بريطانيا؟
بعيداً عن الروايات الخارقة، تقدم الوقائع العسكرية تفسيراً أكثر وضوحاً لعدم تنفيذ ألمانيا عملية غزو بريطانيا.
فقد كانت القيادة الألمانية تدرس بالفعل خطة عسكرية حملت اسم «عملية أسد البحر» (Operation Sea Lion)، تقوم على عبور القنال الإنجليزي وإنزال القوات الألمانية على الأراضي البريطانية.
لكن نجاح هذه العملية كان يتطلب تحقيق التفوق الجوي أولاً، وهو ما لم تتمكن ألمانيا من تحقيقه خلال معركة بريطانيا عام 1940.
كما احتفظت البحرية الملكية البريطانية بقدرات بحرية كبيرة، في وقت لم تكن فيه البحرية الألمانية مهيأة لخوض عملية إنزال واسعة النطاق، فضلاً عن الصعوبات اللوجستية المرتبطة بنقل الجنود والمعدات والإمدادات عبر القنال.
ومع تعثر الخطة، تحول اهتمام هتلر تدريجياً إلى الجبهة الشرقية، حيث أطلق في يونيو/حزيران 1941 عملية «بارباروسا» لغزو الاتحاد السوفياتي.
أسطورة أم واقعة تاريخية؟
على الرغم من شهرة «عملية مخروط القوة»، فإن البحث التاريخي يقدم صورة أكثر تحفظاً.
ففي دراسة أكاديمية محكّمة بعنوان «مقاومة الغزاة: السحر خلال الحرب العالمية الثانية»، نشرتها الباحثة جوليا فيليبس عام 2024 في مجلة Magic, Ritual and Witchcraft، جرى تتبع مصادر الرواية وتطورها منذ ظهورها الأول.
وتشير الدراسة إلى أن أقدم رواية منشورة عن اجتماع الأشخاص السبعة عشر ظهرت في مجلة Illustrated يوم 27 سبتمبر/أيلول 1952، أي بعد أكثر من 12 عاماً من التاريخ المفترض للطقوس.
كما لم يعثر البحث على وثائق معاصرة للأحداث، مثل الرسائل أو اليوميات أو التقارير الصحفية الصادرة خلال الحرب، تثبت وقوع الاجتماع بالصورة التي رُويت لاحقاً.
وخلصت الباحثة إلى أن الأدلة المتاحة تجعل القصة أقرب إلى الأسطورة الشعبية الحديثة منها إلى واقعة تاريخية مثبتة، مع عدم استبعاد احتمال وقوع ممارسات طقسية محدودة لم تتوفر عنها وثائق كافية.
وهكذا، فإن عدم عبور هتلر القنال الإنجليزي حقيقة تاريخية، أما القول إن 17 ساحراً وساحرة نجحوا في إيقافه بقوة الطقوس، فيظل رواية مثيرة لم تستطع الأدلة التاريخية تأكيدها.
وبين الوقائع العسكرية والأساطير التي ولّدتها أجواء الحرب والخوف من الغزو، تظل «عملية مخروط القوة» واحدة من أغرب الحكايات التي تكشف كيف يمكن للمعتقدات والمخيلة الشعبية أن تجد لنفسها مكاناً حتى في أكثر اللحظات حساسية من تاريخ العالم.