أخبار العالم العربي

الشهرة الوهمية.. من يشتري ملايين المشاهدات ويصنع نجوم مواقع التواصل؟

لم تعد الشهرة على منصات التواصل الاجتماعي حكراً على أصحاب المحتوى المتميز أو الشخصيات القادرة على التأثير في الجمهور. ففي اقتصاد رقمي تتزايد فيه قيمة المتابعين والمشاهدات، ظهرت سوق موازية تتيح شراء مظاهر النجاح وصناعة شعبية افتراضية بأرقام قد تبدو ضخمة، لكنها لا تعكس بالضرورة اهتماماً حقيقياً من المستخدمين.

خلف بعض الحسابات التي تحقق آلاف الإعجابات وملايين المشاهدات، تعمل شبكات تجارية تعتمد على مزارع الهواتف والحسابات الآلية لتنفيذ تفاعلات مصطنعة، في ممارسة تتجاوز التلاعب بالأرقام إلى التأثير في سوق الإعلانات وصورة المؤثرين ومصداقية المحتوى المتداول.

وهكذا، لم تعد المشاهدات مجرد نتيجة لانتشار المحتوى، بل أصبحت في بعض الحالات منتجاً تجارياً يمكن شراؤه، واستخدامه لبناء صورة رقمية لا تتطابق مع الواقع.

سوق خفية تبيع المتابعين وتصنع الشعبية

تُعرف هذه الأنشطة باسم «مزارع النقرات» (Click Farms)، وهي شبكات أو منشآت تشغّل أعداداً كبيرة من الهواتف المحمولة والحسابات الإلكترونية لتنفيذ عمليات مشاهدة وإعجاب ومتابعة ومشاركة مقابل مبالغ مالية.

وتعتمد بعض هذه المنشآت على عمال يشغّلون الأجهزة يدوياً، فيما تستخدم شبكات أخرى برامج وأدوات آلية لإدارة الحسابات وتنفيذ التفاعلات بوتيرة متكررة.

وقد رصد مركز التميز للاتصالات الاستراتيجية التابع لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، في تقريره لعام 2024، شركات تجارية تقدم خدمات التفاعل غير الحقيقي عبر منصات التواصل الاجتماعي، بما يكشف عن وجود سوق منظمة تستثمر في تضخيم الحضور الرقمي.

وتتنوع الخدمات المعروضة بين بيع المتابعين وزيادة المشاهدات ورفع أعداد الإعجابات والتعليقات، لتلبية طلب أصحاب الحسابات الراغبين في تحسين صورتهم الرقمية بسرعة، أو الظهور بمظهر أكثر تأثيراً أمام الجمهور والمعلنين.

كيف تتحول الأرقام إلى نفوذ رقمي؟

تعتمد منصات التواصل على مجموعة من المؤشرات لقياس انتشار المحتوى وتفاعل المستخدمين معه. لكن التلاعب بهذه المؤشرات قد يمنح بعض الحسابات أفضلية ظاهرية لا تستند إلى شعبية حقيقية.

وتُستخدم في هذا المجال ما يُعرف بمزارع الحسابات الآلية (Bot Farms)، وهي شبكات من الحسابات المبرمجة التي تنشر المحتوى وتعيد مشاركته وتتفاعل معه بصورة منسقة.

والنتيجة أن منشوراً محدود الاهتمام قد يبدو واسع الانتشار، وأن حساباً يفتقر إلى قاعدة جماهيرية نشطة قد يظهر باعتباره مؤثراً يمتلك قدرة كبيرة على الوصول إلى الجمهور.

ولا يقتصر التأثير على الأرقام الظاهرة، بل يمتد إلى الانطباعات التي تتشكل لدى المستخدمين، إذ قد يُنظر إلى كثرة التعليقات والإعجابات باعتبارها دليلاً على المصداقية أو جودة المحتوى، رغم إمكانية التلاعب بهذه المؤشرات.

المعلنون في مواجهة فخ التأثير الوهمي

يمثل الإعلان أحد أبرز المجالات التي تكشف الأضرار الاقتصادية لهذه الظاهرة. فالشركات والعلامات التجارية تخصص ميزانيات للتعاون مع المؤثرين، اعتماداً على عدد المتابعين ومعدلات التفاعل ومدى قدرتهم على الوصول إلى المستهلكين.

لكن عندما تكون هذه الأرقام مصطنعة، يصبح تقييم العائد الحقيقي للحملات الإعلانية أكثر صعوبة، وقد تدفع الشركات مبالغ مقابل انتشار لا يتحول إلى اهتمام أو طلب فعلي على المنتجات والخدمات.

كما تتضرر المنافسة داخل سوق صناعة المحتوى، إذ يجد المؤثرون الذين يعتمدون على بناء جمهور حقيقي أنفسهم أمام حسابات تستطيع شراء مؤشرات الانتشار وتقديم صورة مضخمة عن حجم تأثيرها.

وبذلك، لا تقتصر الخسارة على ميزانية إعلانية أُنفقت بصورة غير فعالة، بل تشمل أيضاً تراجع الثقة في سوق التسويق عبر المؤثرين.

من التضليل التجاري إلى التأثير في الرأي العام

تزداد خطورة التفاعلات المصطنعة عندما تتجاوز الترويج التجاري لتصل إلى الموضوعات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

فالتفاعل المنسق يمكن أن يضخم حضور رسائل معينة، ويمنحها انطباعاً زائفاً بأنها تحظى بتأييد واسع، أو يدفع المستخدمين إلى الاعتقاد بأن موقفاً محدود الانتشار يمثل اتجاهاً عاماً.

وحذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، في تقريرها لعام 2024، من مخاطر التلاعب بالتفاعلات الرقمية وتأثيره في تصورات المستخدمين بشأن شعبية الحسابات والمحتويات.

وتطرح هذه الممارسات تحدياً يتصل بسلامة النقاش العام، لأن حجم التفاعل الظاهر لا يكشف دائماً عن حقيقة الاهتمام، كما أن الانتشار الواسع لا يمثل بالضرورة دليلاً على صحة المعلومات أو قوة الحجة.

منصات التواصل تشدد الرقابة.. هل تكفي الإجراءات؟

في مواجهة هذه الظاهرة، تفرض منصات التواصل الاجتماعي قواعد تمنع تضخيم التفاعل بوسائل غير مشروعة.

فمنصة «يوتيوب» تحظر استخدام الأنظمة الآلية والخدمات التجارية لزيادة المشاهدات بصورة مصطنعة، بينما تمنع «تيك توك» بيع المتابعين والإعجابات أو اللجوء إلى وسائل التلاعب بالتفاعل.

وقد تشمل الإجراءات إزالة المشاهدات والتفاعلات غير الحقيقية، إلى جانب اتخاذ تدابير بحق الحسابات المخالفة، وفقاً للسياسات المعتمدة لدى كل منصة.

ومع ذلك، تظل المواجهة معقدة بسبب تطور أدوات التشغيل الآلي وتعدد الجهات التي تقدم هذه الخدمات، فضلاً عن صعوبة التمييز أحياناً بين التفاعل الحقيقي والنشاط المنسق.

لذلك، لا تتوقف مسؤولية المواجهة عند المنصات، بل تشمل المعلنين ووكالات التسويق وصناع المحتوى، الذين يحتاجون إلى اعتماد مؤشرات أكثر دقة لقياس الجمهور الحقيقي وجودة التفاعل.

الشهرة التي تُشترى لا تصنع تأثيراً حقيقياً

تكشف صناعة المشاهدات الوهمية عن تحول جوهري في اقتصاد المنصات الرقمية؛ فحين تصبح الأرقام معياراً للنجاح ومصدراً للعائدات، يتحول التلاعب بها إلى نشاط تجاري يستفيد من رغبة الأفراد والمؤسسات في تحقيق الانتشار السريع.

لكن هذه المعادلة تحمل تناقضاً واضحاً: يمكن شراء آلاف المتابعين، وتضخيم ملايين المشاهدات، وإنتاج صورة جذابة للحسابات، غير أن ذلك لا يضمن بناء جمهور وفيّ أو تحقيق تأثير مستدام.

والأخطر أن استمرار هذه الممارسات قد يحوّل الفضاء الرقمي إلى سوق تتنافس فيها الحسابات على الأرقام بدلاً من جودة المحتوى، وتُمنح فيها القيمة بناءً على مؤشرات قابلة للتلاعب، لا على الثقة والمصداقية.

فالشهرة قد تُشترى، والمشاهدات قد تُضخّم، لكن التأثير الحقيقي لا تصنعه الهواتف ولا الحسابات الآلية. وفي اقتصاد رقمي تتزايد فيه قيمة الثقة، قد تكون الأرقام الوهمية أكبر استثمار قصير الأجل وأخطر خسارة طويلة الأجل.

مقالات ذات صلة