أخبار العالم العربي

النفط تحت ضغط الحرب والسياسة.. برنت يتجاوز 104 دولارات وسط ترقب أمريكي

عادت أسعار النفط إلى الارتفاع في تعاملات الأربعاء، في مشهد يعكس حجم القلق الذي يسيطر على أسواق الطاقة العالمية، مع استمرار الغموض بشأن مستقبل المواجهة مع إيران، وتزايد التساؤلات حول طبيعة المرحلة السياسية المقبلة في الولايات المتحدة، بالتزامن مع مؤشرات جديدة على تقلص مخزونات النفط الخام الأمريكية.

ولا يبدو تحرك الأسعار هذه المرة مرتبطاً بعامل اقتصادي منفرد، إذ تتداخل حسابات المستثمرين بشأن الإمدادات العالمية مع التطورات العسكرية والمواقف السياسية الصادرة عن واشنطن وطهران، في وقت لا تزال فيه احتمالات التوصل إلى تسوية تنهي الحرب بعيدة عن الوضوح.

وخلال التعاملات، ارتفع سعر خام برنت بنسبة 0.8% ليستقر عند 104.42 دولارات للبرميل، فيما سجل خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي زيادة بنحو 0.5% ليصل إلى 96.60 دولاراً، بعد جلسة سابقة اتسمت بالتراجع، فقد خلالها برنت أكثر من 1% من قيمته، مسجلاً أدنى مستوى له في قرابة أربعة أسابيع.

واشنطن في قلب حسابات أسواق الطاقة

وتكتسب التطورات السياسية الأمريكية أهمية متزايدة في تحديد اتجاهات سوق النفط، خصوصاً مع تداول تقديرات انتخابية تشير إلى احتمال انتقال الأغلبية في مجلسي الكونغرس إلى الحزب الديمقراطي، وهو ما قد يغير موازين القوى السياسية خلال الفترة المتبقية من ولاية الرئيس دونالد ترامب.

ويراقب المستثمرون انعكاسات هذه النتائج على السياسة الأمريكية تجاه إيران، وعلى قدرة الإدارة الحالية على إدارة الملف العسكري والدبلوماسي في ظل التوازنات الجديدة داخل المؤسسات التشريعية.

وترى بريانكا ساشديفا، المسؤولة عن توقعات الأسواق في شركة «فيليب نوفا»، أن تضارب الإشارات الصادرة عن الإدارة الأمريكية جعل قراءة اتجاهات سوق النفط أكثر صعوبة، ودفع بعض المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم بعد الارتفاعات القوية التي شهدها الخام خلال أكتوبر.

لكن الحذر من تقلبات السوق لا يعني اختفاء العوامل التي تدفع الأسعار إلى الصعود، إذ لا تزال المخاوف بشأن سلامة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز حاضرة بقوة في حسابات المتعاملين.

مضيق هرمز.. نقطة التوازن الهشة

وتكمن حساسية المشهد في أن أي تصعيد عسكري جديد قد يتجاوز تأثيره حدود المنطقة، ليطال حركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، خاصة أن مضيق هرمز يمثل ممراً استراتيجياً لتدفق كميات كبيرة من النفط إلى الأسواق العالمية.

وفي المقابل، لم تنجح التحركات الدبلوماسية حتى الآن في تبديد المخاوف من استمرار المواجهة. فقد نقلت وكالة رويترز عن مسؤول إيراني رفيع المستوى أن المفاوضات بين طهران وواشنطن لا تزال بعيدة عن التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب.

وفي تصريحات لصحيفة «فاينانشال تايمز»، استبعد ترامب وجود خطة أمريكية لشن هجوم وشيك على إيران، معتبراً أن بلاده تحقق ما تريده. وهي تصريحات لم تبدد بالكامل حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق، في ظل استمرار التباين بين المواقف السياسية والواقع الميداني.

المخزونات الأمريكية تمنح الأسعار دعماً إضافياً

وإلى جانب التطورات الجيوسياسية، تلقت أسعار النفط دعماً من بيانات أولية أظهرت تراجعاً أكبر من المتوقع في مخزونات الخام الأمريكية.

وبحسب معهد البترول الأمريكي، انخفضت المخزونات بنحو 5.27 ملايين برميل خلال الأسبوع المنتهي في 30 أكتوبر، وهو تطور يعزز المخاوف بشأن توازن الإمدادات، خصوصاً في ظل استمرار التوترات الدولية.

في المقابل، ارتفعت مخزونات البنزين بنحو 1.43 مليون برميل، بينما تراجعت مخزونات المشتقات النفطية، بما فيها الديزل، بنحو 1.19 مليون برميل.

واعتبرت شركة «هايتونغ فيوتشرز» أن محدودية مخزونات الديزل وتراجع مخزونات الخام يمثلان عاملَي دعم للأسعار، رغم الزيادة المسجلة في مخزون البنزين.

وكان المستثمرون ينتظرون صدور البيانات الرسمية لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، باعتبارها مؤشراً إضافياً يساعد على تقييم وضع المخزونات وحركة الطلب داخل أكبر اقتصاد في العالم.

سوق النفط أمام اختبار جديد

وتكشف هذه التطورات أن سوق الطاقة لا تتحرك وفق قواعد العرض والطلب وحدها، بل أصبحت شديدة التأثر بالتوازنات السياسية والعسكرية، وبمدى قدرة القوى الدولية على احتواء الأزمات قبل تحولها إلى اضطرابات فعلية في الإمدادات.

وبين احتمالات التهدئة ومخاطر التصعيد، تجد أسعار النفط نفسها أمام مرحلة يصعب فيها استبعاد التقلبات الحادة، خصوصاً إذا تعثرت الجهود الدبلوماسية أو تعرضت حركة الملاحة في مضيق هرمز لأي تهديد جديد.

وبالنسبة للاقتصاد العالمي، لا تتوقف أهمية هذه التطورات عند أسعار البرميل، بل تمتد إلى تكاليف النقل والإنتاج والطاقة، وما يمكن أن تتركه من انعكاسات على التضخم والنمو الاقتصادي. لذلك، لن يكون السؤال خلال الأيام المقبلة متعلقاً بمدى ارتفاع النفط أو تراجعه فقط، بل بقدرة الأسواق على استعادة قدر من الاستقرار في عالم أصبحت فيه إمدادات الطاقة مرتبطة بشكل مباشر بمآلات الصراعات السياسية والعسكرية.

المصدر: رويترز، مع معالجة تحريرية مستقلة.

مقالات ذات صلة