الانتخابات الأمريكية 2026.. مليارات الدولارات تعيد رسم خريطة النفوذ السياسي

في الولايات المتحدة، لا تبدأ المعركة الانتخابية يوم التصويت، ولا تنتهي عند صناديق الاقتراع. فقبل أن يختار الناخبون ممثليهم، تكون معركة أخرى قد قطعت شوطاً طويلاً: معركة التمويل، حيث تتنافس الثروات الكبرى واللجان السياسية على امتلاك مساحة أوسع في المشهد العام.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، تتجه الأنظار إلى حجم الأموال التي تتدفق لدعم المرشحين الجمهوريين والديمقراطيين، وإلى الشخصيات والجهات التي تقف وراء هذا التمويل.
وتكشف بيانات حللتها صحيفة «واشنطن بوست»، ونُشرت في 23 أكتوبر/تشرين الأول، أن أكبر 50 مانحاً ضخّوا مجتمعين نحو 2.77 مليار دولار في الدورة الانتخابية الحالية. وتصدر إيلون ماسك القائمة بمساهمات بلغت 446 مليون دولار، في حين بلغت مساهمات الجهات المرتبطة بالمعسكر الجمهوري نحو 1.67 مليار دولار، مقابل 832 مليون دولار للجهات المرتبطة بالديمقراطيين،
هذه الأرقام لا تكشف فقط حجم الإنفاق، بل تفتح نافذة على العلاقة المتنامية بين الثروة والسلطة، وعلى المصالح الاقتصادية التي تحاول التأثير في القرارات التي ستحدد اتجاه الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة.
إيلون ماسك في الصدارة.. من عالم الأعمال إلى تمويل السياسة
يتصدر إيلون ماسك قائمة كبار الممولين، بعدما بلغت مساهماته السياسية نحو 446 مليون دولار، وفق البيانات المنشورة حتى 23 أكتوبر.
وتوجه جانب كبير من أمواله إلى لجان سياسية داعمة للجمهوريين، من بينها America PAC وصندوق قيادة مجلس الشيوخ الجمهوري Senate Leadership Fund، الذي تلقى منه 168 مليون دولار، إضافة إلى 30 مليون دولار لصندوق قيادة الكونغرس الجمهوري
ويكتسب هذا الحضور أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة أعمال ماسك، الممتدة من السيارات الكهربائية والفضاء إلى الذكاء الاصطناعي. فهذه القطاعات تتأثر بالسياسات الحكومية والقرارات التنظيمية والعقود الفدرالية، ما يجعل العلاقة بين أصحاب المصالح الاقتصادية والسلطة السياسية موضوعاً أساسياً للنقاش العام.
ولا يعني حجم التبرعات، في حد ذاته، أن الممول يحصل على قرارات تخدمه بصورة مباشرة. لكنه يطرح سؤالاً جوهرياً عن تفاوت القدرة على التأثير: كيف يمكن للمواطن العادي أن ينافس في الوصول إلى الرأي العام عندما تستطيع جهة واحدة تمويل حملات سياسية بمئات الملايين من الدولارات؟
عشرة أسماء وكيانات تكشف خريطة التمويل
لا تقتصر القوة المالية في الانتخابات الأمريكية على الأفراد. فالمنظمات غير الربحية والجهات المرتبطة بالقيادات الحزبية تؤدي دوراً مهماً في جمع الأموال وتحويلها إلى لجان تستطيع الإنفاق على الحملات الانتخابية.
وبحسب بيانات «واشنطن بوست»، تبرز عشرة أسماء وكيانات ضمن كبار المساهمين في دورة 2026:
1. إيلون ماسك — 446 مليون دولار
رجل الأعمال في قطاعات التكنولوجيا والسيارات الكهربائية والفضاء، وأكبر مانح معروف في القائمة، مع توجيه الجزء الأكبر من دعمه إلى جهات مرتبطة بالجمهوريين.
2. ريتشارد وإليزابيث أويلين — 150 مليون دولار
مالكا شركة Uline المتخصصة في مستلزمات التغليف والشحن، ومن أبرز الداعمين الماليين للتيار الجمهوري.
3. منظمة One Nation — 133 مليون دولار
منظمة غير ربحية مرتبطة بالقيادات الجمهورية في مجلس الشيوخ، وتحوّل الأموال إلى لجان تدعم مرشحي الحزب. وتثير طبيعة بعض المنظمات المماثلة تساؤلات حول مدى معرفة الجمهور بالممولين الأصليين.
4. جيف وجانين ياس — 110 ملايين دولار
يرتبط جيف ياس بالاستثمار المالي، فيما تنشط جانين ياس في قضايا التعليم واختيار المدارس. ويعكس حضورهما دور أصحاب الثروات في دعم المرشحين والاتجاهات السياسية التي تتوافق مع أولوياتهم.
5. جورج سوروس — 102 مليون دولار
المستثمر والمحسن المعروف بدعمه للديمقراطيين، وقد وُجهت مساهماته عبر جهات مرتبطة به، من بينها Democracy PAC.
6. منظمة Majority Forward — 102 مليون دولار
منظمة غير ربحية مرتبطة بالجهات الداعمة للديمقراطيين في مجلس الشيوخ، وتوجه الأموال إلى لجنة Senate Majority PAC المساندة لمرشحي الحزب.
7. منظمة House Majority Forward — 93.7 مليون دولار
جهة غير ربحية مرتبطة بالديمقراطيين في مجلس النواب، وتشارك في دعم الأنشطة السياسية واللجان المؤيدة لمرشحي الحزب.
8. مارك أندريسن وبن هورويتز — 92.2 مليون دولار
مؤسسا شركة رأس المال المغامر Andreessen Horowitz، وقد وجّها جزءاً من مساهماتهما إلى جهات تدعم قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة.
9. مايك بلومبرغ — 84.2 مليون دولار
رجل الأعمال وعمدة نيويورك السابق، وأحد أبرز الداعمين الماليين للديمقراطيين، مع زيادة ملحوظة في مساهماته خلال الأسابيع الأخيرة من الحملة.
10. ميريام أديلسون — 67.6 مليون دولار
طبيبة ومانحة جمهورية بارزة، ومالكة رئيسية في مجموعة لاس فيغاس ساندز العاملة في قطاع الكازينوهات والترفيه.
المصدر: تحليل «واشنطن بوست» للإفصاحات المالية المقدمة إلى لجنة الانتخابات الفدرالية حتى 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026. وتجمع القائمة بين أفراد ومنظمات، ولذلك يجب عدم الخلط بين مساهمات الأشخاص والتبرعات التي تجمعها الكيانات السياسية أو تنفقها.
المال السياسي.. كيف يصل إلى الحملات؟
لفهم تأثير هذه الأموال، ينبغي التمييز بين التبرعات المباشرة للمرشحين، والمساهمات المقدمة إلى لجان العمل السياسي، والإنفاق المستقل الذي تنفذه جهات خارج الحملات الرسمية.
وتُعرف اللجان السياسية الكبرى باسم Super PACs، وهي تستطيع جمع مبالغ كبيرة من الأفراد والجهات المؤهلة، وإنفاقها بصورة مستقلة لدعم مرشحين أو معارضتهم، وفق القواعد القانونية المنظمة لعملها.
وتستخدم هذه الأموال في شراء الإعلانات التلفزيونية والرقمية، وتمويل الحملات الميدانية، وتوجيه الرسائل إلى الناخبين في الولايات والدوائر التي تشهد منافسة متقاربة.
أما التبرعات المباشرة للحملات، فتخضع لحدود قانونية مختلفة، وتمنح المرشحين موارد يمكنهم توظيفها في أنشطتهم الانتخابية.
وهذا التمييز مهم، لأن المبلغ الذي يقدمه مانح إلى لجنة سياسية ليس بالضرورة المبلغ الذي ينفق على الإعلانات، كما أن الأموال التي تمر عبر عدة لجان لا ينبغي احتسابها أكثر من مرة عند تحليل حجم التمويل.
إنفاق قياسي.. ومعركة على انتباه الناخب
أصبحت الإعلانات السياسية أحد أبرز ميادين المنافسة الانتخابية في الولايات المتحدة. فالوصول إلى الناخب يتطلب حضوراً إعلامياً متكرراً، ورسائل موجهة، وقدرة على إبقاء المرشح في دائرة الاهتمام خلال الأسابيع الحاسمة.
وقدرت شركة AdImpact المتخصصة في تتبع الإعلانات السياسية أن الإنفاق الإعلاني في دورة انتخابات 2026 قد يبلغ 11.6 مليار دولار، وهو رقم يتجاوز التقدير المسجل لدورة الانتخابات الرئاسية لعام 2024.
لكن الإنفاق المرتفع لا يضمن الفوز. فقد تتمكن حملة من شراء مساحات إعلانية واسعة من دون تغيير مواقف الناخبين، بينما ينجح مرشح أقل تمويلاً في استثمار حضوره المحلي أو تقديم خطاب أكثر قرباً من أولويات الجمهور.
ما يمنحه المال بصورة أوضح هو القدرة على توسيع نطاق الرسالة السياسية وتكرارها، وهي ميزة قد تكون حاسمة عندما تكون المنافسة متقاربة.
الجمهوريون والديمقراطيون.. تفاوت في مصادر القوة المالية
تشير بيانات كبار المانحين إلى تفوق مالي للجهات المرتبطة بالجمهوريين خلال الدورة الحالية. ومع ذلك، لا تعني هذه الأفضلية أن الديمقراطيين يفتقرون إلى الموارد أو أن النتائج محسومة سلفاً.
فالمنافسة تعتمد على أكثر من مصدر للتمويل، كما تختلف احتياجات الحملات من ولاية إلى أخرى. وقد تجمع بعض الحملات مبالغ كبيرة مباشرة من المواطنين، بينما تعتمد أخرى على الدعم الخارجي من اللجان السياسية الكبرى.
ووفق مركز برينان للعدالة، بلغ الإنفاق المستقل للجان السياسية الكبرى والجماعات الخارجية نحو ملياري دولار حتى نهاية سبتمبر/أيلول 2026، بزيادة 51% عن انتخابات التجديد النصفي السابقة بعد احتساب التضخم.
ويعكس هذا التطور تحولاً في طبيعة المنافسة، إذ لم يعد التمويل مجرد وسيلة لتغطية نفقات المرشح، بل أصبح منظومة واسعة تشارك فيها مؤسسات وأفراد وشبكات مصالح ذات قدرات مالية متفاوتة.
الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة.. مصالح تتطلع إلى الكونغرس
من أبرز ملامح هذه الدورة الانتخابية حضور الجهات المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة.
فالمستثمرون في هذه القطاعات يدركون أن القرارات التي يتخذها الكونغرس قد تؤثر في قواعد المنافسة، وحماية البيانات، والمسؤولية القانونية للشركات، وتنظيم الأصول الرقمية، ومستقبل الابتكار.
وتبرز مساهمات مستثمرين مثل مارك أندريسن وبن هورويتز في هذا السياق، إذ شملت جهات سياسية مؤيدة لقطاع الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة.
ولا يقتصر الأمر على محاولة التأثير في تشريع واحد، بل يتعلق بالبيئة التنظيمية التي ستعمل ضمنها الشركات خلال السنوات المقبلة. فالقواعد الجديدة قد تحدد تكلفة الامتثال، وفرص التوسع، وقدرة الشركات الصغيرة على منافسة المؤسسات الكبرى.
ومن هنا، يصبح تمويل السياسة جزءاً من صراع أوسع على شكل الاقتصاد الرقمي، وعلى الجهات التي ستشارك في تحديد قواعده وتوزيع مكاسبه.
المال المظلم.. أين تنتهي الشفافية؟
تتزايد صعوبة تتبع بعض الأموال عندما تمر عبر منظمات غير ربحية لا تكشف جميع المانحين الأصليين للجمهور.
ويُستخدم مصطلح «المال المظلم» لوصف تمويل سياسي يصعب تحديد مصادره الأصلية بصورة كاملة بسبب طبيعة الجهات التي تتلقاه أو تعيد توجيهه.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الأموال غير قانونية، لكنه يثير تساؤلات حول قدرة الناخبين على معرفة المصالح التي تقف وراء بعض الحملات والرسائل السياسية.
وتكمن أهمية الشفافية في تمكين الجمهور من فهم السياق الذي تتشكل فيه المنافسة، والتمييز بين الخطاب الذي يعبّر عن برنامج مرشح، والأنشطة التي تمولها جهات لها مصالح اقتصادية أو أيديولوجية محددة.
فكلما أصبح مسار الأموال أكثر تعقيداً، ازدادت الحاجة إلى بيانات واضحة تسمح بتتبع المساهمات والإنفاق من دون خلط أو تضخيم للأرقام.
هل تستطيع المليارات حسم السيطرة على الكونغرس؟
ستحدد انتخابات 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 التوازن السياسي داخل الكونغرس، وستؤثر نتائجها في قدرة الإدارة الأمريكية على تمرير أولوياتها التشريعية، وفي طبيعة الرقابة البرلمانية على قراراتها.
لكن حجم التمويل لا يمثل العامل الوحيد في تحديد النتيجة. فالأوضاع الاقتصادية، ومواقف الناخبين من التضخم والرعاية الصحية والهجرة، وشخصية المرشحين، ومستوى المشاركة الانتخابية، كلها عوامل قد تغير اتجاه المنافسة.
ويظل السؤال الأهم متعلقاً بتكافؤ الفرص. فعندما يمتلك عدد محدود من المانحين القدرة على ضخ مئات الملايين من الدولارات، يصبح من الضروري التساؤل عما إذا كانت جميع الأصوات السياسية تتمتع بفرص متقاربة للوصول إلى الجمهور.
فالمشاركة في الحياة السياسية حق لا يقتصر على أصحاب الثروات، كما أن المنافسة الديمقراطية لا تُقاس فقط بحرية التصويت، بل أيضاً بمدى قدرة المرشحين على عرض برامجهم في بيئة تتسم بالشفافية والتوازن.
الخلاصة.. اختبار جديد للديمقراطية الأمريكية
تكشف انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 عن تداخل متزايد بين المال والسياسة، وعن حضور قوي للمليارديرات والمنظمات الاقتصادية والتكنولوجية في تمويل المنافسة على الكونغرس.
ومن إيلون ماسك إلى جورج سوروس، ومن كبار المستثمرين إلى الجهات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة، تتعدد المصالح والاتجاهات، لكن السؤال المشترك يبقى واحداً: كيف يمكن ضمان ألا تتحول القدرة المالية إلى امتياز يطغى على التنافس السياسي؟
لا تثبت المليارات وحدها أن المال يحدد نتائج الانتخابات، لكنها تكشف أن التمويل أصبح عاملاً لا يمكن تجاهله في فهم الحياة السياسية الأمريكية.
وفي نهاية المطاف، سيبقى الناخبون أصحاب القرار عند التصويت. غير أن جودة الاختيار الديمقراطي تتطلب أيضاً شفافية مصادر التمويل، ووضوح القواعد، وقدرة مختلف المرشحين على الوصول إلى الجمهور.
قسم الشؤون السياسية والاقتصادية والتحليل الاستراتيجي – شمس اليوم