تونس
فاطمة المسدي توجه رسالة إلى رئيس الجمهورية: «لن أنتظر صيف 2027… لأن إنقاذ الدولة يبدأ اليوم»

في رسالة سياسية حملت دعوة واضحة إلى تحمّل المسؤوليات، ومراجعة السياسات، والعمل من أجل إنقاذ الدولة، وجّهت فاطمة المسدي رسالة إلى رئيس الجمهورية قيس سعيّد، مؤكدة أن دعمها لمسار 25 جويلية لم يكن «صكًا على بياض»، وأن مراجعة المواقف أمام الواقع لا تعني التخلي عن المبادئ.
كما شددت على رفضها عودة منظومة الإسلام السياسي، داعية في المقابل إلى بناء بديل وطني يقوم على قوة المؤسسات والكفاءات وسيادة القانون.
وفي ما يلي نص الرسالة كما ورد:
اليوم، سأتكلم كسياسية، لا كنائبة شعب فقط.
ولن أنتظر حتى تنتهي الأزمة.
لأنني أعرف أن انتهاء الأزمة اليوم لا يعني انتهاء الخطر غدًا.
قد تعود الكهرباء، وقد يعود الماء، وقد تهدأ الشوارع قليلًا… لكن إذا بقيت السياسات نفسها، وإذا بقيت طريقة إدارة الدولة نفسها، فإن الأزمة ستعود.
ستعود في صيف 2027، وقد نجد أنفسنا أمام التونسي نفسه، في الظلام نفسه، ينتظر الماء والكهرباء، بينما نحن نبحث من جديد عن التبريرات والحلول الظرفية.
المشكلة ليست في هذا الصيف فقط. المشكلة في السياسة التي ستنتج الصيف القادم.
ولهذا لا أريد أن أنتظر حتى تقع الأزمة مرة أخرى حتى أتكلم.
ولا أريد أن أنتظر حتى يرضى علينا سيادة الرئيس، فيقرر تعيين مستشارين وحكومة كفاءات بصلاحيات حقيقية، قادرة على الإصلاح وتحمل المسؤولية.
ولا أريد أن أنتظر حتى ينهار ما تبقى من ثقة التونسي في دولته.
ولا أريد أن أرى تونس تدفع ثمن فشل الإصلاح، ثم يأتي من يقول لنا: «لا يوجد بديل.»
وأعرف أن البعض سيقول: «ولكنك دعمتِ الرئيس.»
نعم، دعمته.
ولم أخجل يومًا من ذلك.
وسأظل أدعمه إذا تحرك سريعًا في الاتجاه الصحيح، وإذا اتخذ القرارات التي تحتاجها تونس فعلًا. وأتمنى أن يفعل ذلك، رغم أنني، بصراحة، لا أعتقد أن الانتظار يمكن أن يكون استراتيجية دولة.
دعمته لأنني آمنت أن تونس تحتاج إلى تغيير حقيقي، وأن الدولة تحتاج إلى استعادة هيبتها، وأن منظومة أثبتت فشلها لا يمكن أن تعود.
لكن دعمي لم يكن يومًا صكًا على بياض، ولم يكن مبايعة لشخص.
دعمتُ مسارًا آمنت أنه سيقود إلى الإصلاح.
واليوم، عندما أرى أن الإصلاح يتعثر وأن الدولة تدفع الثمن، فإن مراجعة الموقف ليست خيانة لما آمنت به… بل وفاء له.
فالسياسي الذي يرفض مراجعة نفسه أمام الواقع ليس ثابتًا على المبدأ، وإنما قد يكون ثابتًا على الخطأ.
وفي المقابل، لن أسمح بأن يكون البديل عودة الذين جرّبهم التونسيون ودفعوا ثمن حكمهم غاليًا، ودفعت تونس ثمنه من أمنها واستقرارها ومن دماء شهدائها.
لا عودة إلى منظومة الإسلام السياسي والإخوان، تحت أي اسم أو عنوان أو واجهة. لا حراك نفس ولا غيره.
أنا أرفض الخيارين.
لا عودة إلى الوراء، ولا استمرار في طريق أثبت إلى اليوم عجزه عن إخراج تونس من أزماتها.
ولهذا، فإنني اليوم لا أطرح مجرد موقف من حكومة أو من رئيس.
لقد طرحت مواقفي من قبل، وقلت ما يجب أن يقال، وحذّرت مما يجب التحذير منه… ولا حياة لمن تنادي.
اليوم أطرح سؤالًا أكبر:
ماذا سنفعل بتونس؟
إذا كنا نريد فعلًا حماية الدولة، فعلينا أن نبدأ الآن، لا بعد الانهيار.
وإذا كنا نريد منع عودة الإخوان، فعلينا أن نحسم هذا الملف، وأن نغلق الطريق أمام إعادة إنتاج منظومة الإسلام السياسي تحت أي تسمية، وأن نقدم للتونسيين في المقابل بديلًا وطنيًا قادرًا على الإصلاح والبناء.
الخوف من الماضي وحده لا يبني المستقبل.
والغضب من الحاضر وحده لا ينقذ الدولة.
ما ينقذ تونس هو أن نمتلك الشجاعة لنقول:
أخطأنا حيث أخطأنا.
ونصحح حيث يجب التصحيح.
ونحاسب حيث يجب أن تكون المحاسبة.
ونبني حيث يجب البناء.
لذلك، سنتحرك.
ليس لإنقاذ شخص، وليس لإسقاط شخص.
بل لإنقاذ الدولة.
ولن أسمح، لا أنا ولا من يشاركني هذا الإيمان، بأن تتحول أزمات الدولة إلى فرصة لإسقاط الدولة نفسها.
نريد دولة تتغير وتُصلح نفسها، لا دولة تُهدم.
وأنا على يقين أنني لست وحدي في هذا الشعور.
هناك تونسيون كثيرون دعموا التغيير لأنهم أرادوا دولة أقوى، ثم وجدوا أنفسهم اليوم أمام أسئلة وقلق ومخاوف لا يمكن تجاهلها.
وهناك أيضًا من رفضوا الماضي، لكنهم لا يريدون أن يكون مستقبل تونس مجرد استمرار للأزمة.
وهناك من يريدون أن يقولوا: كفى. لا نريد عودة الماضي، ولا نريد أن نورث أبناءنا فشل الحاضر.
هؤلاء لا أطلب منهم اليوم أن يرفعوا راية شخص، ولا أن يلتحقوا بحزب، ولا أن يتخلوا عن قناعاتهم.
أطلب فقط أن نلتقي حول تونس.
حول ما يجمعنا، لا حول ما يفرقنا.
لأن إنقاذ الدولة لا يحتاج إلى إجماع على كل شيء.
يحتاج إلى شجاعة رجال ونساء يقولون:
يكفي. حان وقت العمل.
لن أنتظر صيف 2027 حتى أقول: كنا نعرف أن الأزمة ستعود.
سأقولها اليوم:
إذا لم تتغير السياسات، ستتغير فقط مواعيد الأزمات. أما النتيجة فستبقى نفسها.
وتونس تستحق أكثر من ذلك.
ولهذا، سيكون لنا تحرك وطني لإنقاذ الدولة وبناء تصور للدولة التونسية العصرية، المدنية، الوطنية، القوية، العادلة والقادرة على حماية مواطنيها.
دولة مؤسسات، لا دولة أشخاص.
دولة قانون، لا دولة مزاج.
دولة كفاءات، لا دولة ولاءات.
دولة تنتج الثروة بدل أن تعيش على الأزمات.
دولة تحمي سيادتها، وتحمي مجتمعها، وتحمي مستقبل أبنائها.
لن نعيد تدوير الفشل.
لن نعيد إنتاج الماضي.
ولن نسمح أن يكون اليأس هو البديل.
ولن نسمح بإسقاط الدولة.
نريد أن نفتح الطريق أمام تونس أخرى.
تونس التي يكون فيها العقل أقوى من الشعارات، والعلم أقوى من الخرافة، والمؤسسات أقوى من الأشخاص، والعمل أقوى من الكلام.
لا مكان فيها للشعوذة السياسية.
لأن تونس اليوم لا تحتاج إلى من يبيعها الأوهام.
تونس تحتاج إلى من يملك الشجاعة ليبني.
ومن يرى تونس بهذه الطريقة، سيعرف أين يقف.
أما أنا، فقد اخترت أن أقف حيث يجب أن أقف:
مع تونس.
مع الدولة.
وهذه المعركة…
بدأت.