ميزانية تونس لسنة 2027: بين متطلبات التنمية وضغوط المالية العمومية
مداخيل بـ54.28 مليار دينار ونفقات بـ68.895 مليارًا.. الاستثمار والحماية الاجتماعية والأمن الغذائي في صدارة التوجهات المعلنة

شمس اليوم – تونس
ينظر مكتب مجلس نواب الشعب، يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، في جدول أعمال مناقشة مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027، الذي أحالته وزارة المالية إلى البرلمان، في محطة تفتح النقاش حول أولويات الإنفاق العمومي، وسبل تعبئة الموارد، وقدرة السياسات المالية على الاستجابة للاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
ووفق المعطيات الواردة في مشروع الميزانية، قُدّرت مداخيل الدولة للسنة المقبلة بـ54.280 مليار دينار، مقابل نفقات تناهز 68.895 مليار دينار. وتبلغ الموارد الجبائية المقدرة 49.600 مليار دينار، فيما تُقدّر المداخيل غير الجبائية بـ4.330 مليار دينار، إلى جانب هبات بقيمة 350 مليون دينار.
وتُظهر هذه الأرقام فارقًا حسابيًا بين النفقات والمداخيل قدره 14.615 مليار دينار، بما يسلّط الضوء على أهمية خيارات التمويل وتعبئة الموارد في إطار التوازنات العامة للمالية العمومية. ولا يمكن اعتبار هذا الفارق وحده العجز النهائي للميزانية قبل الاطلاع على كامل المعطيات المتعلقة بالتمويل وأحكام المشروع.
الاستثمار والتنمية الجهوية: من التوجهات إلى التنفيذ
بحسب تقديم وزارة المالية، تندرج خيارات مشروع قانون المالية لسنة 2027 ضمن المخطط الخماسي للتنمية 2026-2030، الذي تمت المصادقة عليه خلال السنة الحالية.
وتتمثل أبرز التوجهات المعلنة في دفع الاستثمار العمومي والخاص، وتحقيق تنمية جهوية أكثر توازنًا، ومواصلة تكريس الدور الاجتماعي للدولة. كما تتضمن العمل على تيسير بعث المشاريع وتمويلها، سواء في إطار المبادرات الجماعية أو الخاصة، إلى جانب تخفيف الأعباء الجبائية.
وتكتسب هذه التوجهات أهميتها من ارتباطها بقدرة الاقتصاد على خلق الثروة وفرص العمل، وتحسين مناخ المبادرة، وتوسيع النشاط الإنتاجي خارج المناطق التي تستقطب الجزء الأكبر من الاستثمارات.
غير أن الأثر الفعلي لهذه الخيارات سيظل مرتبطًا بمدى تحويلها إلى إجراءات عملية، وبقدرة المؤسسات والمستثمرين على النفاذ إلى التمويل، فضلًا عن توفير بيئة اقتصادية واضحة ومستقرة تشجع على الاستثمار طويل المدى.
الدور الاجتماعي للدولة في صلب الأولويات
تؤكد وزارة المالية مواصلة دعم الدور الاجتماعي للدولة، من خلال تعزيز الإدماج الاقتصادي والحماية الاجتماعية، ومساندة أنظمة الضمان الاجتماعي والمنظومة الصحية، إلى جانب دعم الحقوق الأساسية في الصحة والسكن والتعليم والنقل.
وتضع هذه التوجهات أمام السياسات العمومية تحديًا يتمثل في التوفيق بين الاستجابة للاحتياجات الاجتماعية والمحافظة على استدامة الموارد المالية. فنجاعة الإنفاق الاجتماعي لا تقاس بحجمه فقط، بل أيضًا بمدى وصوله إلى مستحقيه، وتحسين جودة الخدمات، والحد من الفوارق في النفاذ إليها بين الجهات والفئات الاجتماعية.
الأمن الغذائي والمائي والطاقي
يحضر الأمن الغذائي ضمن أولويات المشروع، من خلال التوجه نحو تمويل مشاريع الإنتاج الفلاحي، بالتوازي مع دعم الأمن المائي والطاقي.
وتعكس هذه الملفات أهمية تعزيز القدرة الوطنية على الإنتاج، وتحسين إدارة الموارد، وتقليص مواطن الهشاشة أمام التقلبات الاقتصادية والمناخية واضطرابات الأسواق. كما يتطلب التقدم في هذه المجالات استثمارات مستدامة، وبرامج قابلة للتنفيذ، وآليات متابعة تسمح بتقييم النتائج المحققة.
المؤسسات العمومية وإدماج القطاع الموازي
يتضمن تقديم مشروع الميزانية مواصلة مساندة المؤسسات العمومية، عبر العمل على تقليص مديونيتها وتحسين أدائها، بما يدعم قدرتها الاقتصادية ويساعد على المحافظة على دورها في النشاط الوطني.
كما تطرح الوزارة إدماج القطاع الموازي ضمن توجهاتها، في إطار دعم الاستثمار والحد من الضغط الجبائي.
ويظل تحقيق هذه الأهداف مرتبطًا بإصلاحات تساهم في تحسين الحوكمة والنجاعة داخل المؤسسات العمومية، وتشجع الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة على الاندماج في الاقتصاد الرسمي، من خلال تبسيط الإجراءات وتوفير حوافز مناسبة، مع ضمان عدالة المعاملة بين مختلف المتدخلين الاقتصاديين.
ميزانية 2027: اختبار لنجاعة الخيارات الاقتصادية
تجمع التوجهات المعلنة لمشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 بين رهانات الاستثمار والتنمية الجهوية والحماية الاجتماعية والأمن الغذائي والمائي والطاقي، في وقت تفرض فيه الأرقام الواردة بالمشروع ضرورة متابعة مصادر التمويل وأولويات الإنفاق ومدى انعكاسها على النشاط الاقتصادي.
وسيكون تقييم الميزانية مرتبطًا بقدرتها على الانتقال من تحديد الأهداف إلى تحقيق نتائج ملموسة، سواء عبر تحفيز الاستثمار المنتج، أو تحسين الخدمات العمومية، أو دعم المؤسسات، أو تعزيز فرص العمل وتقليص التفاوت بين الجهات.
فالتحدي لا يتمثل في توزيع الموارد فحسب، بل في توجيهها نحو القطاعات والمشاريع التي تحقق قيمة مضافة مستدامة، وتدعم القدرة الشرائية، وتحسن تنافسية الاقتصاد، وتضمن في الوقت نفسه استمرارية الخدمات الاجتماعية.
ومع انطلاق المسار البرلماني لمناقشة المشروع، تبرز أهمية النقاش حول مدى اتساق الموارد والنفقات مع الأولويات المعلنة، ووضوح آليات التمويل، وقابلية البرامج المقترحة للتنفيذ والتقييم.
شمس اليوم : الشؤون الاقتصادية والتحليلية