شمس اليوم : قسم البيئة والتحليل الاستراتيجي
تحتضن تونس اليوم أشغال المنتدى العربي الثاني لمجابهة الكوارث واستباق التغيرات المناخية، بمشاركة خبراء ومسؤولين عرب وممثلين عن الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، في سياق إقليمي تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالفيضانات والسيول والزلازل والظواهر المناخية المتطرفة، وما تخلّفه من خسائر بشرية واقتصادية وأضرار بالبنية التحتية.
ويأتي انعقاد المنتدى في ظل تزايد الحاجة إلى تطوير سياسات عربية مشتركة لا تقتصر على التدخل بعد وقوع الكوارث، بل تقوم على الاستعداد المسبق، وتقييم المخاطر، وتعزيز قدرة الدول والمجتمعات على الحد من آثارها والتعافي منها.
محمد صالح بن عيسى: التنسيق العربي ضرورة لمواجهة المخاطر المتصاعدة
أكد الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية ورئيس مركز الجامعة بتونس، محمد صالح بن عيسى، أن المنتدى يندرج ضمن جهود الجامعة الرامية إلى دعم العمل العربي المشترك وتعزيز التنسيق بين الدول الأعضاء لمواجهة التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية والكوارث الطبيعية.
وأوضح أن اللقاء يهدف إلى دراسة مختلف الجوانب المتصلة باستباق الأزمات والوقاية من آثارها السلبية، في ظل المخاطر التي تهدد الأرواح والممتلكات وتفرض ضغوطًا متزايدة على الاقتصادات الوطنية والخدمات الأساسية.
وأشار بن عيسى إلى أن التغيرات المناخية أصبحت عاملًا مؤثرًا في صياغة السياسات الاقتصادية والمناخية، بما يفرض إعادة النظر في أساليب التخطيط والاستثمار وإدارة الموارد، ودمج اعتبارات المخاطر المناخية في القرارات التنموية.
من إدارة الكوارث إلى بناء القدرة على الوقاية
لم تعد مواجهة الكوارث مسألة تقتصر على أجهزة الحماية المدنية وفرق الإنقاذ، بل أصبحت جزءًا من منظومة أوسع تشمل التخطيط العمراني، وإدارة المياه، وحماية البنية التحتية، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتوفير البيانات العلمية اللازمة لاتخاذ القرار.
فالخسائر الناجمة عن الكوارث لا تتوقف عند الأضرار المباشرة، وإنما تمتد إلى تعطّل المؤسسات الاقتصادية، وتراجع الإنتاج، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع كلفة إعادة الإعمار، فضلًا عن التأثيرات الاجتماعية التي قد تطول الفئات الأكثر هشاشة.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الانتقال من منطق الاستجابة الطارئة إلى سياسة وقائية تستند إلى تحديد المناطق الأكثر عرضة للمخاطر، ومراقبة التحولات المناخية، وتحديث خرائط الأخطار، وتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع قادرة على الصمود أمام الظواهر المتطرفة.
كما يتيح توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات تطوير أنظمة أكثر دقة للتنبؤ بالمخاطر، شريطة توفير بيانات موثوقة، وكفاءات متخصصة، وآليات واضحة لتحويل الإنذارات المبكرة إلى إجراءات عملية على الأرض.
استراتيجية عربية مشتركة: التحدي في التنفيذ
أشار المسؤول العربي إلى وجود استراتيجية عربية موحدة وتنسيق بين الخبرات والكفاءات في الدول الأعضاء، بهدف مواجهة التحديات المناخية من خلال آليات عملية وبرامج مشتركة.
غير أن فاعلية أي استراتيجية إقليمية تظل مرتبطة بقدرتها على الانتقال من الإطار التنسيقي إلى التنفيذ الميداني، عبر تبادل البيانات والمعلومات، وتوحيد المعايير الفنية قدر الإمكان، وتطوير خطط استجابة مشتركة، وتعزيز التعاون بين المؤسسات العلمية وأجهزة إدارة الأزمات.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في المنطقة العربية، حيث تتداخل المخاطر المناخية مع تحديات ندرة المياه والتصحر والضغط على الموارد الطبيعية والتوسع العمراني، فيما تختلف قدرات الدول على التمويل والاستعداد والاستجابة.
ويستدعي ذلك بناء آليات تضامن إقليمي تتيح تبادل الخبرات والتجهيزات والمعلومات، وتدعم الدول والمناطق الأكثر تعرضًا للمخاطر، إلى جانب تشجيع الاستثمار في البنية التحتية المرنة والتقنيات النظيفة وإدارة الموارد المائية.
تونس محطة لتعزيز التعاون العربي
يمثل انعقاد الدورة الثانية في تونس امتدادًا لمسار انطلق من القاهرة، حيث احتضنت مصر الدورة الأولى من المنتدى. ووفق ما أعلنه بن عيسى، يُنتظر أن يكتسب هذا الموعد صفة دورية، بما يتيح استمرار التواصل بين الخبراء والفرق المختصة وتطوير العمل العربي المشترك في مجال الحد من مخاطر الكوارث.
وتتجاوز أهمية هذه الدورية البعد التنظيمي، إذ يمكن أن تشكل فرصة لتقييم التقدم المحرز، ومتابعة تنفيذ التوصيات، وتحديد الأولويات المشتركة، وتعزيز تبادل التجارب الناجحة في الوقاية والاستعداد والتعافي.
الوقاية من الكوارث استثمار في الأمن الاقتصادي والاجتماعي
إن الرهان الحقيقي أمام الدول العربية لا يتمثل في تقليل الخسائر بعد وقوع الكارثة فحسب، بل في الحد من احتمال وقوعها، وتقليص حجم الأضرار عندما يتعذر منعها. ويتطلب ذلك إدماج المخاطر المناخية في الموازنات العامة، وتحديث البنية التحتية، وحماية المناطق السكنية، وتعزيز جاهزية المؤسسات والخدمات الحيوية.
كما يستدعي نجاح هذا التوجه إشراك البلديات والجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص والمجتمع المدني، إلى جانب وضع برامج توعية تُمكّن المواطنين من معرفة إجراءات السلامة والتصرف السليم عند الإنذار أو الطوارئ.
ومن هنا، يُقاس أثر المنتدى بما يمكن أن يفضي إليه من خطوات قابلة للتنفيذ، ومؤشرات واضحة للمتابعة، وشراكات مستدامة، وليس بمجرد تبادل الرؤى والتوصيات.
ففي منطقة تتزايد فيها الضغوط المناخية والاقتصادية، يصبح الاستثمار في الوقاية وحماية الأرواح والموارد والبنية التحتية عنصرًا أساسيًا في التنمية المستدامة، وأحد مسارات تعزيز الأمن الاقتصادي والاجتماعي العربي.
