من مُشكلة الألفية الثانية (Y2K) الى تحايل وكلاء الذكاء الاصطناعي: لماذا القلق من التكنولوجيا يقضّ مضاجع البشرية؟
بقلم فراس سليم، الرئيس التنفيذي لشركة فرتشو للعلاقات العامة والتسويق

دبي، الإمارات العربية المتحدة، 11 سبتمبر 2026: أثارت التقارير الأخيرة حول تمكّن وكلاء للذكاء الاصطناعي تابعين لشركة OpenAI من تجاوز القيود المفروضة على بيئات التشغيل المعزولة، والتواصل فيما بينهم والوصول غير المصرح به إلى أنظمة تابعة لمنصة Hugging Face، اهتماماً عالمياً واسعاً، لا سيما مع ورود تقارير عن تبادل بعض هؤلاء الوكلاء للمعلومات، والتحايل خلال عمليات التقييم، ومحاولة إخفاء آثار بعض التصرفات التي قاموا بها.
ولا شك أن الحادثة تستحق دراسة جادة، إلا أن ما أعقبها يبدو لافتاً بالقدر نفسه من منظور الاتصال، إذ انتقل النقاش سريعاً من مسألة تتعلق بالأمن السيبراني والسيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى تحذيرات أوسع بشأن احتمال خروج الآلات عن السيطرة البشرية، وصولاً إلى توقعات ترى أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل خلال العقد المقبل تهديداً وجودياً للبشرية.
ولمن يتذكر السنوات الأخيرة من الألفية الماضية، يبدو هذا المزيج بين خطر تقني حقيقي وتصاعد متسارع في المخاوف العامة مألوفاً إلى حد كبير. فمع اقتراب عام 2000، انشغل العالم بما عُرف آنذاك بمشكلة Y2K، وهي مشكلة تقنية حقيقية نتجت عن تصميم بعض أنظمة الكمبيوتر لتسجيل السنة باستخدام رقمين فقط، ما أثار مخاوف من أن تفسر الأنظمة الرقم “00” على أنه عام 1900 بدلاً من عام 2000. ومع ذلك، سرعان ما أحاطت بهذه الثغرة التقنية سيناريوهات تتحدث عن تعطل أجهزة الكمبيوتر، وتوقف المصارف، واضطراب أنظمة الطيران، وتعطل شبكات الكهرباء، بل وحتى توقف المصاعد.
وجاء منتصف الليل في نهاية المطاف، واستمرت الحياة بصورة طبيعية بالنسبة إلى معظم الناس، وإن كان ذلك يعود جزئياً إلى الجهود والاستثمارات الضخمة التي بذلتها الحكومات والشركات لتحديد نقاط الضعف، وتحديث الأنظمة، والاستعداد مسبقاً لأي أعطال محتملة.
وهذا التمييز مهم في النقاش الحالي، لأن القول إن بعض الخطاب المحيط بالذكاء الاصطناعي أصبح مبالغاً فيه لا يعني التقليل من مخاطره. فالهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والاحتيال، والمعلومات المضللة، وانتهاكات الخصوصية، والأنظمة المستقلة القادرة على تجاوز الضوابط، كلها قضايا تتطلب استجابات تقنية وتنظيمية جادة، كما أن حادثة OpenAI وHugging Face تطرح أسئلة مشروعة حول كيفية التحكم في وكلاء ذكاء اصطناعي في وقت تتزايد قدراتهم بسرعة هائلة.
لكن ما يثير قلقي هو اللغة التي نستخدمها لوصف هذه الأنظمة، إذ نقول إن الذكاء الاصطناعي “هرب” أو “غش” أو “تآمر” أو “كذب” أو “أخفى آثاره”، وهي تعبيرات لا تصف السلوك التقني فحسب، بل تضفي عليه النية والدافع والوعي، وهي جميعها صفات بشرية في جوهرها.
إننا، إلى حد كبير، نُضفي على وكلاء الذكاء الاصطناعي صفات بشرية بوتيرة أسرع من وتيرة فهمنا للتكنولوجيا، وهذه ليست مسألة لغوية بسيطة، لأن اللغة تشكل رأي الجمهور، ورأي الجمهور يؤثر في الضغط العام، وهذا الضغط ينعكس في نهاية المطاف على التشريعات والسياسات العامة.
لقد علمتنا تجربة Y2K أن الخطر التكنولوجي يمكن أن يكون حقيقياً، بينما تصبح الرواية العامة المحيطة به أكبر من حجمه الفعلي. ويستحق الذكاء الاصطناعي ضوابط جادة، ورقابة دقيقة، ومراجعة مستمرة، لكن قبل أن يتحول كل سلوك غير متوقع إلى دليل على اقتراب كارثة تكنولوجية، علينا أن نتذكر أن الإدارة المسؤولة للمخاطر تبدأ بفهم ما تفعله التكنولوجيا فعلياً، لا بإسقاط مخاوفنا عليها بشأن ما قد تصبح عليه يوماً ما.
– انتهى –
نبذة عن شركة “فرتشو” للعلاقات العامة والتسويق:
تأسست شركة فرتشو للعلاقات العامة Virtue PRفي العام 2007، وهي تأتي في مقدمة شركات الاتصالات التسويقية في العالم العربي والتي توفر قائمة واسعة من خدمات الاتصال والتي تتضمن العلاقات العامة والتسويق والنشر والتدريب الإعلامي وغيرها. وتتميز هذه الخدمات بتبنيها لمعايير دولية عالية ناتجة عن مجموعة الخبراء الاستشاريين الذين يعملون في الشركة والذين يملكون خبرات تراكمية في الأسواق الذين عملوا فيها. كما تشمل خدمات الشركة العلاقات الإعلامية وإدارة الأزمات وتنظيم المؤتمرات والتسويق الرقمي وغيرها.
*