في “دار المصدّر”: إفريقيا في قلب طموحات القطاع الخاص التونسي

تونس، – حركية استثنائية ونقاشات بطعم الطموح القاري شهدتها أروقة مركز النهوض بالصادرات صباح هذا اليوم. لم يكن اللقاء مجرد اجتماع بروتوكولي، بل مائدة مستديرة استراتيجية جمعت قادة الاقتصاد التونسي بضيف بارز: الأمين العام لمنطقة التبادل الحر القارية الإفريقية “الزليكاف”، السيّد وامكيلي ميني.
اللقاء الذي جرى بإشراف مشترك بين وزير التجارة وتنمية الصادرات (السيّد سمير عبيد) ووزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج (السيّد محمد علي النفطي)، تميز بحضور لافت لممثلي كبرى المنظمات الحاضنة للمؤسسات التونسية (منظمة الأعراف UTICA، كنفدرالية CONECT، مجلس الأعمال الإفريقية TABC، اتحاد الصناعات الصغرى والمتوسطة، ومنظمة رواد الأعمال ONE). وتأتي هذه المحطة الاستراتيجية في إطار زيارة رسمية يؤديها ميني إلى تونس (من 10 إلى 13 جوان الجاري)، وهي زيارة تحمل في طياتها رسالة تقدير لتونس، باعتبارها من أوائل الدول التي آمنت بالاتفاقية وشرعت فعلياً في تحويلها إلى واقع ملموس.
“الزليكاف”: خيار استراتيجي ومظلة أمان اقتصادي
في كلمته الافتتاحية، وضع وزير التجارة سمير عبيد النقاط على الحروف، مؤكداً أن “الزليكاف” لم تعد مجرد حبر على ورق، بل تحولت إلى واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم.
“إنها فرصة تاريخية لبناء حصانة لاقتصاداتنا الإفريقية ضد الهزات الخارجية، ودفع عجلة التصنيع، وخلق سلاسل قيمة إقليمية قادرة على توفير فرص عمل حقيقية وقيمة مضافة عالية”، هكذا صرّح الوزير.
كما أشار إلى أن المؤسسات التونسية كانت وما زالت المحرك الأساسي لدبلوماسيتنا الاقتصادية نحو العمق الإفريقي منذ الانضمام إلى “الزليكاف” و”الكوميسا” عام 2018. ومن جانبه، جدد وزير الخارجية محمد علي النفطي التزام الدبلوماسية التونسية بالعمل الميداني لتذليل كافة العقبات الإجرائية واللوجستية التي تحول دون استفادة الشركات التونسية من هذه الفرص.
هذا التفاؤل وجد صدى إيجابياً لدى وامكيلي ميني، الذي أشاد بالقاعدة الصناعية المتطورة لتونس (خاصة في قطاعي مكونات السيارات والصناعات الصيدلانية)، مشدداً على أهمية “الرقمنة” كجسر أساسي لتسريع التواصل بين الفاعلين الاقتصاديين في القارة.
لغة الأرقام: طاقات هائلة تنتظر استغلالها
بشخص تشخيصاً دقيقاً وموضوعياً للواقع الاقتصادي، استعرض الرئيس المدير العام لمركز النهوض بالصادرات، السيّد مراد بن حسين، مؤشرات التبادل التجاري مع إفريقيا جنوب الصحراء. وفي ظل صعود النزعات الحمائية العالمية، أكد بن حسين أن الحلول يجب أن تنبع من داخل القارة نفسها.
وتبرز الأرقام قصة نمو واعدة، لكنها ما زالت دون سقف الطموحات:
+-----------------------------------------------------------------------+
| مؤشرات المبادلات التجارية التونسية مع إفريقيا جنوب الصحراء (2025) |
+-----------------------------------------------------------------------+
| حجم التبادل التجاري: 637 مليون دولار (يمثل 1.25% من إجمالي مبادلات تونس) |
| حجم الصادرات التونسية: 474 مليون دولار (يمثل 2.2% من عائدات التصدير) |
| معدل النمو السنوي للصادرات: +9.7% خلال السنوات العشر الأخيرة |
+-----------------------------------------------------------------------+
وفي حين تستأثر ثلاثة قطاعات رئيسية (الصناعات الميكانيكية والكهربائية، الصناعات الغذائية، والقطاع الكيميائي) بنسبة 60.3% من هذه المبادلات، فجّر بن حسين مفاجأة رقمية قوية: هناك طاقة تصديرية تونسية غير مستغلة نحو هذه الأسواق تُقدّر بنحو 518 مليون دولار.
خطة عمل CEPEX: رقمنة، تمثيليات ميدانية، ولقاءات مباشرة
لمواجهة هذا التحدي وتحويل الأرقام النظرية إلى عقود ملموسة، كشف مدير المركز عن خطة عمل ميدانية متكاملة:
-
الموعد الأبرز: الإعلان عن تنظيم الدورة الرابعة من “لقاءات الأعمال التونسية الإفريقية للشراكة” يومي 9 و10 ديسمبر 2026 بتونس. (يذكر أن الدورة السابقة نجحت في جذب 100 مشتري من 30 دولة ووفرت شراكات جديدة لـ 80% من الشركات التونسية المشاركة).
-
“أيام شراكة الأعمال الإفريقية”: برنامج موجه يستهدف قطاعات حيوية (الصحة، البناء، تكنولوجيا المعلومات، والأغذية) لترتيب نحو 1000 لقاء أعمال مباشر (B2B) بين 100 مؤسسة تونسية ومشترين في 10 أسواق إفريقية استراتيجية، بدعم من برنامجي “جسور التجارة العربية الإفريقية” و”قوافل”.
-
التوسع الميداني: تعزيز التواجد التونسي على الأرض عبر 6 تمثيليات تجارية (أبيدجان، نيروبي، دوالا، أبوجا، كينشاسا، وأحدثها في داكار) لتقديم معلومات مباشرة ودعم لوجستي للمصدرين.
-
مشروع الرقمنة القاري (PAESN): إطلاق “الشبكة الإفريقية لمزامنة الصادرات” بالتعاون مع مجموعة أولى من الدول (السنغال، كوت ديفوار، مالي، بوركينا فاسو، بنين، غينيا، غامبيا، النيجر، وليبيا) بهدف توحيد ورقمنة المعاملات العابرة للحدود وطلبات العروض وفق المعايير الدولية.
صوت الحقيقة: المصدرون يواجهون تحديات الواقع
رغم الآفاق الوردية التي تفتحها الاتفاقية، شهد النقاش المفتوح مصارحة حقيقية من قبل رؤساء المؤسسات التونسية، الذين نقلوا هواجسهم مباشرة إلى الأمين العام للزليكاف.
وكان “أنين” الواقع يتلخص في: ضعف
التحتية واللوجستية التي تربط دول القارة، التعقيدات الإدارية والتشتت المؤسساتي، ونقص المعلومات العملية حول كيفية الاستفادة من بنود الاتفاقية. وكان النداء جماعياً: لن تتحول “الزليكاف” إلى رافعة حقيقية إلا إذا رافقها تحديث للأطر التشريعية، وتوفير آليات تمويل مرنة وتنافسية تدعم المستثمر الإفريقي.
أثبتت هذه المائدة المستديرة في “دار المصدّر” أن الإرادة السياسية قوية، والقطاع الخاص مستعد ومتحمس، أما التحدي الأكبر في الأشهر القادمة فهو تحويل هذه الرؤى والاتفاقيات إلى تدفقات تجارية وسلع تتدفق بسلاسة عبر الحدود الإفريقية.











