أخبار العالم العربيالرئيسيةتونسرياضةمصر

▪️ مونديال 2026: رسالة السخيري تتجاوز الهزيمة وتفتح ملف إصلاح الكرة التونسية

تونس – شمس اليوم

لم يكن الخروج المبكر والقاسي للمنتخب الوطني التونسي من نهائيات كأس العالم 2026 مجرد تعثر رياضي عابر، بل جاء بمثابة جرس إنذار مدوٍّ كشف حجم الأزمة التي تعيشها كرة القدم التونسية على مختلف المستويات. فالهزيمة الثقيلة أمام السويد بخمسة أهداف مقابل هدف، ثم السقوط برباعية نظيفة أمام اليابان، لم يعبّرا فقط عن فارق فني داخل الملعب، بل عرّيا سنوات من التسيير المرتجل وغياب الرؤية الاستراتيجية.

وقد أنهى “نسور قرطاج” مشاركتهم المونديالية بحصيلة ثقيلة تمثلت في استقبال تسعة أهداف كاملة مقابل تسجيل هدف وحيد، في واحدة من أسوأ المشاركات التونسية على الساحة العالمية، بما يؤكد أن الأزمة أعمق من مجرد خيارات تكتيكية أو أخطاء فردية، وأن ما حدث في المونديال ليس سوى انعكاس لواقع متراكم منذ سنوات.

السخيري يضع الإصبع على الجرح

في خضم الصدمة، جاءت تصريحات قائد المنتخب إلياس السخيري لتمنح النقاش بعداً مختلفاً. فبعيداً عن الخطابات الدبلوماسية المعتادة، اختار اللاعب مواجهة الواقع بصراحة نادرة، معبّراً عن خيبة أمله من الصورة التي ظهر بها المنتخب خلال النهائيات.

وأكد السخيري أن العديد من المنتخبات الإفريقية حققت خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً على مستوى التكوين والبنية التحتية والتخطيط الرياضي، وهو ما جعل المنافسة أكثر صعوبة من السابق. وأضاف أن كرة القدم التونسية لم تعد قادرة على مواصلة السير بالأساليب نفسها التي أدارت بها شؤونها خلال السنوات الماضية، داعياً إلى إصلاحات شاملة تمس الإدارة والتسيير والتكوين والعمل القاعدي، ومشدداً على أن المنتخب التونسي الحالي لا يمتلك المستوى الذي يؤهله للمنافسة في نهائيات كأس العالم.

وتكتسي هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها صادرة عن أحد أبرز ركائز المنتخب والمحترف منذ سنوات في أعلى المستويات الأوروبية، ما يجعلها أقرب إلى شهادة من داخل المنظومة منها إلى مجرد رد فعل عاطفي عقب هزيمة ثقيلة. كما تعكس إدراكاً متزايداً لدى اللاعبين أنفسهم بأن الأزمة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر لتطال أسس المنظومة الكروية بأكملها.

عقلية إدارة الأزمات والهروب إلى الأمام

أولى تجليات الأزمة الهيكلية ظهرت في القرار السريع بإقالة المدرب صبري لموشي عقب الهزيمة أمام السويد، والاستنجاد بالفرنسي هيرفي رونار قبل أيام قليلة فقط من مواجهة اليابان.

ورغم القيمة الفنية والخبرة الكبيرة التي يتمتع بها رونار، فإن تحميل المدرب وحده مسؤولية الإخفاق لا يعدو أن يكون محاولة للهروب من مواجهة الأسباب الحقيقية للأزمة. فلا يمكن لأي إطار فني، مهما بلغت خبرته، أن يعالج في أيام قليلة اختلالات تراكمت على امتداد سنوات في التكوين والإعداد والتخطيط.

لقد أعاد هذا القرار إلى الواجهة ثقافة “إدارة الأزمات” التي ظلت تميز المشهد الكروي التونسي، حيث يتم البحث دائماً عن حلول ظرفية وسريعة بدلاً من معالجة جذور المشكلات ووضع استراتيجيات بعيدة المدى.

عندما تتقدم إفريقيا وتتراجع تونس

لم يكن حديث السخيري عن تطور المنتخبات الإفريقية الأخرى مجرد انطباع شخصي، بل توصيفاً لواقع ملموس. فمنتخبات مثل المغرب والسنغال وكوت ديفوار نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء مشاريع رياضية متكاملة تقوم على الاستثمار في التكوين والبنية التحتية والحوكمة الحديثة.

فالتجربة المغربية، على سبيل المثال، لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة عمل مؤسساتي طويل الأمد شمل تطوير الأكاديميات الرياضية وتأهيل المنشآت واستقطاب الكفاءات الفنية. كما حققت منتخبات أخرى قفزات نوعية بفضل اعتماد مناهج علمية حديثة في إعداد اللاعبين وتطوير المواهب.

أما في تونس، فما تزال الأندية تعاني أزمات مالية متكررة، والبنية التحتية تعاني التهالك، فيما تراجع مستوى المنافسة المحلية بصورة أثرت بشكل مباشر على جودة اللاعبين وقدرتهم على مجاراة النسق الدولي.

الإصلاح لم يعد خياراً

أثبتت نتائج مونديال 2026 أن الإصلاح لم يعد مطلباً رياضياً فحسب، بل أصبح ضرورة وطنية لإنقاذ كرة القدم التونسية من مزيد من التراجع.

ويبدأ ذلك بإرساء منظومة حوكمة حديثة داخل الجامعة التونسية لكرة القدم تقوم على التخطيط طويل المدى وتقييم الأداء وفق مؤشرات واضحة وقابلة للقياس. كما يقتضي الأمر إطلاق ثورة حقيقية في مجال التكوين عبر دعم مراكز الشبان والأكاديميات الرياضية وتطوير برامج اكتشاف المواهب داخل تونس وخارجها.

ولا يقل تأهيل البنية التحتية أهمية عن بقية المحاور، إذ لا يمكن الحديث عن كرة قدم تنافسية في ظل منشآت لا تستجيب للمعايير الحديثة. كما يبقى الاستقرار الفني وبناء هوية كروية موحدة للمنتخبات الوطنية شرطاً أساسياً لأي مشروع إصلاحي جاد.

لحظة الحقيقة

ما حدث في مونديال 2026 يجب ألا يُختزل في مجرد خسارتين ثقيلتين أو تغيير مدرب. فالأزمة أعمق بكثير من الأشخاص، وتتعلق بمنظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة شاملة وشجاعة.

لقد وضع إلياس السخيري، بكلمات قليلة وصريحة، الإصبع على الجرح الحقيقي الذي تعاني منه الكرة التونسية منذ سنوات. ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل تتحول هذه الصدمة إلى نقطة انطلاق نحو الإصلاح الحقيقي، أم تضاف إلى سلسلة الفرص الضائعة التي عرفتها الرياضة التونسية؟

الأكيد أن المستقبل لن يرحم المترددين، وأن استمرار النهج الحالي لن يقود إلا إلى مزيد من التراجع، في وقت تتسارع فيه بقية الأمم الكروية نحو الاحتراف والتطوير. أما تونس، فهي اليوم أمام لحظة حقيقة تاريخية: إما الشروع في إصلاح جذري يعيد بناء المنظومة على أسس حديثة، أو الاكتفاء بالحلول الترقيعية التي لن تنتج سوى خيبات جديدة في الاستحقاقات القادمة.

مقالات ذات صلة