أخبار عالميةسياسة

احتجاجات أوروبا تتسع.. 320 ألف متظاهر في فرنسا وغضب الشباب يضع الحكومات أمام اختبار اجتماعي واقتصادي

لم تعد الاحتجاجات التي تشهدها أوروبا مجرد تحركات مطلبية متفرقة، بعدما امتدت إلى عدد متزايد من المدن والعواصم، حاملة معها غضباً اجتماعياً تتداخل فيه أزمة القدرة الشرائية مع تراجع الخدمات العامة وصعوبات السكن وتدهور المؤسسات التعليمية. وفي مشهد لافت، عاد مئات الآلاف إلى الشوارع الفرنسية، السبت 31 أكتوبر 2026، بالتزامن مع تحركات شبابية في ألمانيا وإيطاليا، واستنفار أمني في عدد من الدول الأوروبية تحسباً لاتساع دائرة الاضطرابات.

وتكشف هذه الموجة عن اتساع الفجوة بين تطلعات الأجيال الشابة والسياسات الحكومية، في وقت لم تعد فيه مطالب المتظاهرين مقتصرة على تحسين الأجور أو خفض الأسعار، بل امتدت إلى المطالبة باستثمارات أكبر في التعليم والصحة والسكن والمناخ، وتوفير فرص اقتصادية أكثر عدالة.

فرنسا.. 320 ألف متظاهر في ثالث سبت احتجاجي

كانت فرنسا مركز التحركات الأبرز، مع خروج مئات الآلاف في ثالث عطلة نهاية أسبوع متتالية من الاحتجاجات، بمشاركة طلاب المدارس والجامعات والنقابات العمالية وأنصار حركة السترات الصفراء.

وقدرت الحكومة الفرنسية عدد المشاركين بنحو 320 ألف شخص في مختلف أنحاء البلاد، بينهم قرابة 70 ألفاً في العاصمة باريس، وفق وكالة أسوشيتد برس. ويأتي هذا الرقم أقل من تقديرات المشاركات السابقة، التي بلغت 410 آلاف متظاهر يوم 24 أكتوبر، وتجاوزت 500 ألف في 17 أكتوبر.

ورغم الطابع السلمي الذي غلب على الجزء الأكبر من المسيرات، لم تخلُ بعض المدن من التوتر؛ إذ استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع في ليون وتولوز، فيما شهدت مارسيليا احتكاكات في نهاية إحدى المسيرات.

وفي مواجهة احتمالات التصعيد، نشرت السلطات نحو 70 ألف شرطي وعنصر من قوات الدرك، وفرضت قيوداً على التجمعات في بعض المناطق، كما نُقلت مسيرات باريس بعيداً عن المراكز التجارية والمعالم الحيوية، في محاولة للحد من أعمال التخريب والنهب التي رافقت احتجاجات سابقة.

وتعود بداية التحركات الفرنسية إلى أواخر سبتمبر الماضي، عندما احتج طلاب على نقص المدرسين واكتظاظ الفصول وتدهور البنية التحتية للمدارس، إضافة إلى الاعتراض على نظام القبول الجامعي الذي يرونه غير منصف للطلاب المنحدرين من الفئات الأقل دخلاً.

لكن دائرة الاحتجاجات اتسعت لاحقاً بانضمام النقابات العمالية ومجموعات اجتماعية أخرى، لتشمل ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية.

وتأتي هذه التطورات في ظرف اقتصادي ومالي حساس، إذ تقترب المديونية العامة الفرنسية من 120% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق رويترز، فيما تواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة لضبط الإنفاق العام، الأمر الذي يحد من هامش تقديم التزامات مالية جديدة للاستجابة للمطالب الاجتماعية.

ألمانيا.. جيل زد يطالب بالاستثمار في المستقبل

في ألمانيا، انتقلت موجة التعبئة الشبابية إلى أكثر من 30 مدينة، بمبادرة من حركة «Gen Z regelt»، التي يمكن ترجمة اسمها إلى «جيل زد يتولى الأمر».

وركزت التحركات على المطالبة بزيادة الاستثمارات في التعليم والصحة والسكن وحماية المناخ، إلى جانب رفض إعادة العمل بالتجنيد العسكري الإجباري.

وقال منظمو المبادرة إن أكثر من 180 ألف شخص سجلوا اهتمامهم بالمشاركة عبر الإنترنت، بينما شهدت المدن الألمانية مشاركة فعلية لآلاف المتظاهرين خلال يوم السبت.

وفي برلين، رفع الشباب مطالب تتعلق بتحسين ظروف الدراسة وتجديد المدارس وتوفير الموارد اللازمة للمؤسسات التعليمية. وأثارت شهادات طلاب بشأن تسرب المياه وتدهور الأسقف ونقص المدرسين تساؤلات حول أولويات الإنفاق العام.

وعززت السلطات الألمانية الإجراءات الأمنية في العاصمة بنشر 1500 عنصر شرطة إضافي، وسط مخاوف من تكرار أعمال العنف التي شهدتها احتجاجات سابقة في بعض المدن الأوروبية.

هولندا وإسبانيا.. مخاوف من انتقال الاضطرابات عبر المنصات الرقمية

وفي هولندا، شهدت مدينة لاهاي انتشاراً أمنياً مكثفاً في محيط وسط المدينة والمناطق التجارية، بعد تداول دعوات للتظاهر عبر الإنترنت.

وأفادت تقارير إعلامية بأن الشرطة أخضعت مجموعات من الشباب، بعضهم يرتدي ملابس سوداء، للتفتيش والتحقق من هوياتهم، بينما أغلقت متاجر واجهاتها بألواح خشبية احترازياً. ومع ذلك، لم تُسجل اضطرابات كبيرة حتى منتصف نهار السبت، وفق وكالة أسوشيتد برس.

أما في إسبانيا، فقد استعدت الشرطة الكتالونية لتعزيز انتشارها في برشلونة، بعد دعوات جديدة للتجمع تداولتها شبكة مجهولة تحمل اسم «Blocus» عبر منصة تيك توك.

وتأتي هذه الإجراءات عقب اضطرابات شهدتها المدينة في 24 أكتوبر، أسفرت عن توقيف نحو 130 شخصاً، معظمهم من القاصرين.

وتعكس هذه التطورات الدور المتنامي للمنصات الرقمية في تنظيم التحركات الشبابية وتوسيع نطاقها، لكنها تطرح في الوقت نفسه تحديات أمام السلطات في التمييز بين الدعوات إلى الاحتجاج السلمي والتحريض على أعمال العنف.

إيطاليا.. توترات اجتماعية تتجاوز الملف التعليمي

وفي إيطاليا، رفعت السلطات مستوى الاستعداد الأمني عقب مواجهات شهدتها مدن ميلانو وتورينو وبولونيا، بالتزامن مع تحركات احتجاجية أوسع ارتبطت بتكاليف المعيشة والخدمات العامة والتعليم.

وتتداخل في المشهد الإيطالي مطالب اجتماعية واقتصادية متعددة، تشمل الأجور والقدرة الشرائية ومستقبل الخدمات العامة، ما يجعل الاحتجاجات جزءاً من حالة استياء أوسع تتجاوز فئة الشباب وحدها.

كما امتدت الدعوات إلى التظاهر عبر المنصات الرقمية إلى بلجيكا والنمسا وسويسرا والبرتغال، وإن لم تتخذ التحركات في هذه البلدان بالضرورة الشكل نفسه أو تحمل المطالب ذاتها.

ألبانيا.. الفساد والبطالة يوسعان دائرة الغضب

وفي ألبانيا، تأخذ الاحتجاجات منحى مختلفاً، إذ ترتبط بصورة أساسية بالاعتراض على الفساد الحكومي وضعف فرص العمل وتدهور التعليم، إلى جانب رفض مشروع استثماري سياحي فاخر على الساحل الألباني، ارتبط بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وشهدت العاصمة تيرانا منذ منتصف أكتوبر مواجهات عنيفة بين متظاهرين وقوات الأمن، تضمنت رشق الشرطة بالحجارة وإحراق مبانٍ وممتلكات، واستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المحتجين.

ويطالب المشاركون باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما، وسط اتهامات تتعلق بالفساد وضعف الشفافية في إدارة المشاريع العامة والاستثمارات الكبرى.

وتكشف الحالة الألبانية عن خصوصية الأزمة في هذا البلد، حيث لا يقتصر الغضب على الظروف المعيشية، بل يرتبط أيضاً بالثقة في المؤسسات السياسية وبإحساس شريحة من الشباب بأن مستقبلها الاقتصادي يرتبط بالهجرة أكثر من ارتباطه بالفرص المتاحة داخل البلاد.

أزمة الثقة.. ما الذي تقوله احتجاجات أوروبا؟

بعيداً عن اختلاف السياقات الوطنية، تبرز ثلاثة ملفات مشتركة في خلفية هذه الاحتجاجات:

أولاً: القدرة الشرائية وتكاليف المعيشة. بات ارتفاع الأسعار والسكن والطاقة يمثل ضغطاً مباشراً على الأسر والشباب، خصوصاً الفئات التي تواجه صعوبة في الحصول على وظائف مستقرة ودخل يواكب تكاليف الحياة.

ثانياً: التعليم وتكافؤ الفرص. تكشف مطالب الطلاب عن مخاوف تتعلق بجودة المؤسسات التعليمية ونقص الموارد والفجوة بين فرص التعليم المتاحة للفئات الاجتماعية المختلفة. وهي مؤشرات تتجاوز المطالب المدرسية إلى التساؤل عن عدالة توزيع الفرص الاقتصادية مستقبلاً.

ثالثاً: الثقة في المؤسسات. يعكس امتداد الاحتجاجات إلى ملفات الفساد والشفافية والسكن والخدمات العامة وجود أزمة تتعلق بمدى قدرة المؤسسات السياسية على الاستماع إلى مطالب المواطنين وتحويلها إلى قرارات قابلة للتنفيذ.

وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية مع تنامي حضور جيل زد في المجال العام، حيث بات الشباب يستخدم المنصات الرقمية للتعبئة وتبادل التجارب وبناء شبكات تضامن عابرة للحدود، دون أن يعني ذلك وجود قيادة موحدة أو برنامج سياسي مشترك لهذه الحركات.

اختبار الحكومات الأوروبية

تضع موجة الاحتجاجات الحكومات الأوروبية أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على الأمن والنظام العام من جهة، وضمان الحق في التظاهر والاستجابة للمطالب الاجتماعية من جهة أخرى.

فالتعامل الأمني وحده لا يعالج الأسباب الاقتصادية والتعليمية التي دفعت المواطنين إلى الشوارع، كما أن استمرار أعمال التخريب والعنف يهدد بتوسيع الخسائر الاقتصادية وإضعاف فرص الحوار بين الأطراف المعنية.

وفي فرنسا تحديداً، قدّرت غرفة التجارة خسائر قطاع التجزئة الناجمة عن الاضطرابات بأكثر من مليار يورو، وفق ما نقلته رويترز، في مؤشر على أن تداعيات الاحتجاجات لم تعد محصورة في المشهد الأمني، بل امتدت إلى النشاط الاقتصادي والثقة التجارية.

وبين مطالب الشباب وضغوط الموازنات العامة وتحديات الاستقرار، تبدو أوروبا أمام اختبار اجتماعي وسياسي يتجاوز احتجاجات نهاية الأسبوع. فالقضية الأساسية لم تعد فقط كيفية إعادة الهدوء إلى الشوارع، وإنما كيفية معالجة الأسباب التي جعلت أعداداً متزايدة من المواطنين ترى في التظاهر وسيلة لإيصال صوتها والمطالبة بمستقبل أكثر استقراراً وعدالة.

شمس اليوم – قسم الشؤون السياسية والاقتصادية والتحليلية

مقالات ذات صلة