موجة غلاء جديدة تلوح في الأفق.. شركات عالمية تستعد لرفع الأسعار في 2027 بسبب الحرب

تستعد الأسواق العالمية لموجة جديدة من زيادات الأسعار خلال عام 2027، مع اتجاه شركات كبرى في قطاع السلع الاستهلاكية إلى تحميل جزء من تكاليف الإنتاج والنقل المتزايدة للمستهلكين، في ظل تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران واضطرابات أسواق الطاقة والشحن.
وتبرز شركة «يونيليفر» البريطانية، المالكة لعلامات تجارية واسعة الانتشار في منتجات العناية الشخصية والتنظيف والأغذية، ضمن الشركات التي تعتزم تسريع وتيرة تعديل أسعارها خلال الربع الأخير من عام 2026 والعام المقبل، في محاولة للحفاظ على هوامش أرباحها ومواجهة ارتفاع تكاليف المواد الخام والطاقة والخدمات اللوجستية.
ولا تقتصر الضغوط على هذه المجموعة، إذ تواجه شركات عالمية أخرى، من بينها «كوكاكولا» و«نستله» و«بروكتر آند غامبل» و«ريكيت»، تحديات مماثلة قد تدفعها إلى مراجعة سياساتها السعرية، بما يفتح الباب أمام ضغوط إضافية على ميزانيات الأسر.
يونيليفر تسرّع مراجعة أسعار منتجاتها
أعلن الرئيس التنفيذي لشركة يونيليفر، فرناندو فرنانديز، أن الزيادات السعرية المنتظرة خلال عام 2027 قد تتجاوز متوسط الزيادات المسجلة خلال 2026، موضحًا أن اتضاح اتجاهات التكاليف دفع المجموعة إلى تسريع خططها التجارية.
وتسعى الشركة إلى تحقيق توازن بين تعويض ارتفاع النفقات والمحافظة على حجم المبيعات، إذ إن المبالغة في رفع الأسعار قد تدفع المستهلكين إلى تقليص مشترياتهم أو التحول إلى علامات تجارية أقل تكلفة.
وتكشف هذه المعادلة عن أحد أبرز التحديات التي تواجه شركات السلع الاستهلاكية: حماية الأرباح من جهة، والحفاظ على ولاء العملاء والقدرة التنافسية من جهة أخرى.
نمو المبيعات يمنح الشركة هامشًا للمناورة
سجلت يونيليفر نموًا في مبيعاتها الأساسية بنسبة 5.2% خلال الربع الثالث من عام 2026، متجاوزة توقعات المحللين البالغة 4.8%، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
وجاء هذا الأداء مدعومًا بارتفاع حجم المبيعات بنسبة 2.9%، إلى جانب مساهمة تعديلات الأسعار بنسبة 2.3% في نمو المبيعات الأساسية.
كما رفعت الشركة توقعاتها لنمو حجم المبيعات الأساسية خلال العام بأكمله إلى 3% على الأقل، في مؤشر إلى استمرار الطلب على منتجاتها رغم الضغوط الاقتصادية.
لكن النتائج الإيجابية لم تمنع تراجع سهم الشركة بنسبة 3.4% خلال تعاملات الأربعاء، وسط مؤشرات على تباطؤ نمو حجم المبيعات مقارنة بالربع السابق، ولا سيما في قطاع الأغذية.
وتوضح هذه التطورات أن ارتفاع الإيرادات لا يعني بالضرورة اختفاء المخاطر؛ فالشركات مطالبة بالحفاظ على وتيرة النمو في سوق أصبح المستهلك فيه أكثر حساسية للسعر.
الطاقة والشحن.. كيف تصل كلفة الحرب إلى المستهلك؟
تؤثر الحروب في أسعار السلع الاستهلاكية عبر سلسلة مترابطة من التكاليف. فارتفاع أسعار الطاقة يزيد نفقات تشغيل المصانع، كما يمكن أن يرفع كلفة إنتاج المواد الكيميائية والتغليف، ويزيد أعباء النقل البري والبحري.
وتؤدي اضطرابات طرق التجارة والشحن، عندما تحدث، إلى زيادة كلفة التأمين والنقل وإطالة زمن وصول المواد الأولية والمنتجات إلى الأسواق.
وعندما تستمر هذه الضغوط، تجد الشركات نفسها أمام خيارات صعبة: امتصاص الزيادة على حساب الأرباح، أو خفض بعض النفقات، أو تعديل أحجام العبوات وتركيبات المنتجات، أو رفع الأسعار النهائية.
وتختلف حدة التأثير من قطاع إلى آخر، تبعًا لمدى الاعتماد على الطاقة المستوردة والمواد الخام وسلاسل الإمداد الدولية، فضلًا عن قدرة الشركات على التفاوض مع الموردين أو تنويع مصادر التوريد.
شركات عالمية أخرى تراجع حساباتها
تواجه شركات السلع الاستهلاكية الكبرى ضغوطًا متقاربة، وإن اختلفت استراتيجياتها في التعامل معها.
فقد أشارت التقارير إلى أن شركة «ريكيت» رفعت أسعار بعض منتجاتها في أوروبا بنسبة 4% خلال الربع الثالث، فيما حذرت «بروكتر آند غامبل» من تأثير ارتفاع تكاليف المواد الخام والطاقة والشحن على أرباحها السنوية.
كما تواجه شركات مثل «نستله» و«كوكاكولا» تحديات تتعلق بالحفاظ على هوامش الربح في ظل ارتفاع النفقات وتغير سلوك المستهلكين.
وفي المقابل، لا تعتمد الشركات بالضرورة على زيادة الأسعار وحدها؛ إذ يمكنها اللجوء إلى تحسين الكفاءة التشغيلية، وإعادة تنظيم خطوط الإنتاج، وتطوير المنتجات، وتعزيز المبيعات في الأسواق التي لا يزال الطلب فيها قويًا.
وتظل قدرة كل شركة على تمرير التكاليف إلى المستهلكين مرتبطة بالمنافسة المحلية، وقوة علامتها التجارية، وتوافر البدائل الأقل سعرًا.
المستهلكون أمام خيارات أكثر صعوبة
قد تكون الأسر محدودة الدخل الأكثر تأثرًا بأي موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، لأن جزءًا كبيرًا من ميزانياتها يذهب إلى الغذاء ومنتجات النظافة والاحتياجات اليومية الأساسية.
وقد تدفع الزيادات المتتالية بعض المستهلكين إلى التحول نحو العلامات التجارية الخاصة بالمتاجر، أو شراء عبوات أصغر، أو تقليص استهلاك بعض المنتجات غير الضرورية.
كما يمكن أن تتسع الفجوة بين أسعار المنتجات الأساسية والخيارات الأعلى سعرًا، ما يجعل قرارات الشراء أكثر ارتباطًا بالدخل المتاح بدلًا من الولاء للعلامة التجارية.
ولا يعني إعلان الشركات عن زيادات محتملة أن جميع منتجاتها سترتفع بالنسبة نفسها أو في التوقيت ذاته؛ فالأسعار النهائية ستتأثر بالبلد والسوق والمنافسة وتكاليف التوزيع والضرائب وسعر الصرف.
ماذا تعني هذه التطورات لتونس والأسواق العربية؟
بالنسبة إلى تونس والعديد من الاقتصادات العربية التي تعتمد بدرجات متفاوتة على الاستيراد، قد تنتقل الضغوط الخارجية إلى الأسواق المحلية عبر أسعار الطاقة والمواد الأولية والتغليف والنقل وأسعار صرف العملات.
لكن حجم التأثير يتوقف على عوامل محلية، من بينها سياسات الدعم والتسعير، وتكاليف التوريد، وهوامش التوزيع، ومدى اعتماد السوق على المنتجات المستوردة أو البدائل المحلية.
وفي حال استمرار ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، قد تواجه المؤسسات المحلية بدورها ضغوطًا متزايدة، خصوصًا الشركات الصغيرة التي لا تمتلك القدرة التفاوضية أو المالية نفسها التي تتمتع بها المجموعات الدولية الكبرى.
ومن هنا، تبرز أهمية متابعة تطورات الأسعار العالمية، وتنويع مصادر التوريد، وتحسين كفاءة الإنتاج والتوزيع، إلى جانب حماية القدرة الشرائية للأسر الأكثر هشاشة.
2027.. اختبار جديد للتوازن بين الأرباح والقدرة الشرائية
توضح تحركات يونيليفر والشركات المنافسة أن تداعيات الحروب لا تتوقف عند أسواق الطاقة أو القطاعات الصناعية، بل يمكن أن تصل تدريجيًا إلى السلع التي تستخدمها الأسر يوميًا.
ومع ذلك، ستظل وتيرة ارتفاع الأسعار خلال 2027 رهينة بتطورات الصراع، واستقرار طرق التجارة، واتجاه أسعار الطاقة والمواد الخام، وقدرة الشركات على احتواء جزء من التكاليف.
وبين سعي الشركات إلى حماية أرباحها وحرص المستهلكين على ضبط نفقاتهم، يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى تستطيع الأسواق استيعاب زيادات جديدة دون أن يؤدي ذلك إلى تراجع الطلب وتفاقم الضغوط المعيشية؟
المصدر: بيانات ونتائج الشركات وتقارير اقتصادية منشورة بتاريخ 29 أكتوبر 2026.
شمس اليوم | قسم الاقتصاد والتحليل الاستراتيجي