أخبار عالمية

نتنياهو يتفادى السقوط الانتخابي.. 53 مقعدًا لا تكفي لحسم السلطة في إسرائيل

لم تمنح الانتخابات الإسرائيلية بنيامين نتنياهو انتصارًا حاسمًا، لكنها أبقت أمامه فرصة جديدة لمواصلة الحكم. فبعد نتائج أولية خالفت توقعات عدد من استطلاعات الرأي، تقدم المعسكر اليميني الذي يقوده رئيس الوزراء على منافسيه، من دون أن يتمكن من تأمين الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل حكومة مستقرة، في مشهد يعكس استمرار الانقسام السياسي داخل إسرائيل.

وأظهرت تقديرات وسائل الإعلام الإسرائيلية، مع فرز نحو 86% من الأصوات يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، أن معسكر نتنياهو مرشح للحصول على 53 مقعدًا في الكنيست، مقابل 48 مقعدًا للمعسكر المعارض بقيادة غادي آيزينكوت. أما الأحزاب التي تمثل المواطنين العرب في إسرائيل، فتتجه إلى حصد 19 مقعدًا، في نتيجة غير مسبوقة وفق المعطيات الأولية. وتبقى هذه الأرقام قابلة للتغيير إلى حين استكمال الفرز وإعلان النتائج الرسمية.

لا أغلبية لأي معسكر.. والمفاوضات تحدد مصير الحكومة

تتكون الكنيست من 120 مقعدًا، ما يجعل الحصول على 61 مقعدًا شرطًا أساسيًا لتأمين أغلبية برلمانية قادرة على دعم الحكومة.

وبذلك، لا يمتلك معسكر نتنياهو، رغم تقدمه، العدد الكافي للحكم منفردًا، كما لا يستطيع معسكر آيزينكوت تشكيل حكومة بسهولة من دون استقطاب أطراف إضافية.

وتواجه المعارضة معضلة سياسية معقدة؛ إذ يمكن للأحزاب العربية أن تؤدي دورًا حاسمًا في ترجيح كفة أحد المعسكرين، لكن التعاون معها يثير اعتراضات لدى عدد من الأحزاب اليهودية، بما فيها أطراف داخل المعسكر المناهض لنتنياهو.

وتفتح هذه المعادلة الباب أمام عدة احتمالات، من بينها التفاوض على ائتلاف جديد، أو تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو استمرار حالة الانسداد السياسي التي قد تقود في نهاية المطاف إلى انتخابات أخرى.

نتنياهو يتمسك بالحكم ويطرح مواجهة إيران

في أول خطاب له أمام أنصاره بعد ظهور التقديرات الأولية، دعا نتنياهو إلى تشكيل «حكومة وطنية يمينية قوية»، مستندًا إلى تقدم معسكره في النتائج وإلى الدعم الذي حصل عليه من قطاعات واسعة من الناخبين اليهود.

كما ركز على ما وصفه بالإنجازات العسكرية الإسرائيلية، وأشار إلى إمكانية استئناف العمليات المشتركة ضد إيران بالتعاون مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبرًا أن البلدين أمام فرصة تاريخية لمواجهة التهديد الإيراني.

من جهته، أشاد ترامب بأداء نتنياهو الانتخابي، وقال إن دعمه له أسهم في تعزيز موقعه السياسي.

لكن هذه التصريحات تضع الملف الأمني في قلب المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل استمرار التوترات الإقليمية واحتمالات انعكاس أي تصعيد جديد على الاستقرار في الشرق الأوسط.

آيزينكوت يحذر من توظيف الأمن لأهداف سياسية

في المقابل، أقر غادي آيزينكوت بأن نتنياهو لا يزال يتولى رئاسة الحكومة الانتقالية، لكنه شكك في امتلاكه تفويضًا سياسيًا يسمح له باتخاذ قرارات استراتيجية كبرى من دون مراعاة نتائج الانتخابات والانقسام الداخلي.

ودعا آيزينكوت قيادات المؤسسة الأمنية والإدارة المدنية إلى الالتزام بمصالح الدولة والمواطنين، محذرًا من استخدام الملفات الأمنية لتحقيق مكاسب حزبية.

ويعكس هذا الموقف حجم التوتر بين المعسكرين، ولا سيما بشأن العلاقة بين القرارات العسكرية والحسابات الانتخابية، في وقت لا تزال فيه قضايا الأمن والحرب ومستقبل العلاقات الإقليمية من أبرز الملفات المؤثرة في المشهد الإسرائيلي.

حكومة تصريف الأعمال.. صلاحيات قائمة وقيود سياسية

من المتوقع أن يواصل نتنياهو إدارة الحكومة بصفتها حكومة تصريف أعمال خلال المشاورات الرامية إلى تشكيل ائتلاف جديد، إلى حين تشكيل حكومة بديلة أو التوجه إلى انتخابات أخرى وفق المسار الدستوري والسياسي.

ورغم أن الحكومات الانتقالية تتمتع رسميًا بصلاحيات واسعة، فإن الأعراف السياسية تفرض عليها قدرًا من التحفظ، خصوصًا في القرارات بعيدة المدى التي قد يصعب التراجع عنها.

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بالعمليات العسكرية والعلاقات الخارجية، إذ يمكن للقرارات المتخذة خلال هذه المرحلة أن تترتب عليها آثار تتجاوز عمر الحكومة الانتقالية نفسها.

الأسواق الإسرائيلية تحت ضغط عدم اليقين

لم تقتصر تداعيات النتائج على الحسابات الحزبية، بل امتدت إلى الأسواق المالية. فقد أشارت التقارير الأولية إلى تراجع الشيكل بنحو 1.6% أمام الدولار، بالتزامن مع انخفاض المؤشرات الرئيسية في بورصة تل أبيب بأكثر من 3%.

ويعكس هذا الأداء مخاوف المستثمرين من استمرار الغموض بشأن هوية الحكومة المقبلة، واحتمالات الدخول في مفاوضات طويلة أو جولة انتخابية جديدة.

ومع ذلك، لا يمكن إرجاع تحركات الأسواق إلى النتائج الانتخابية وحدها، إذ تتأثر العملة والأسهم أيضًا بالتطورات الأمنية، وتوقعات النمو، والسياسة المالية، واتجاهات الاستثمار.

صعود الأحزاب العربية يعيد رسم الحسابات

من أبرز مفاجآت الانتخابات التقدم المتوقع للأحزاب التي تمثل المواطنين العرب داخل إسرائيل، والتي يُرجح أن تحصل مجتمعة على 19 مقعدًا، وفق التقديرات الأولية.

ويمنح هذا التقدم تلك الأحزاب وزنًا برلمانيًا أكبر، وقد يجعل مواقفها عنصرًا مؤثرًا في المفاوضات المقبلة، رغم أن تحويل هذا الوزن إلى نفوذ حكومي فعلي سيظل مرتبطًا باستعداد الأطراف الأخرى للتعاون معها.

وتكشف النتائج كذلك عن تحولات في أنماط التصويت، وعن صعوبة إعادة إنتاج التحالفات السياسية السابقة في ظل تباين المواقف من الحرب والأمن والهوية الوطنية والعلاقة مع الفلسطينيين.

تحول يميني وتراجع فرص التسوية السياسية

تعكس النتائج، وفق القراءة الأولية للمشهد، استمرار قوة التيارات اليمينية والدينية داخل المجتمع السياسي الإسرائيلي، مقابل تراجع قدرة قوى الوسط واليسار على فرض بديل واضح لنتنياهو.

وتزداد أهمية هذا التحول في ظل استمرار الخلاف بشأن إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ومستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة، والعلاقات مع المجتمع الدولي.

كما تأتي الانتخابات بعد حرب مدمرة على قطاع غزة، خلفت خسائر بشرية واسعة ودمارًا هائلًا، وأثارت انتقادات دولية متزايدة للسياسات الإسرائيلية. ويواجه نتنياهو أيضًا مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي اتهامات ينفيها، فضلًا عن محاكمته في إسرائيل في قضايا فساد ينكر ارتكابها.

ماذا بعد؟

تضع النتائج الأولية إسرائيل أمام مفارقة سياسية واضحة: تقدم انتخابي يمنح نتنياهو أفضلية في مفاوضات تشكيل الحكومة، لكنه لا يوفر له أغلبية تتيح الحكم بصورة مضمونة.

وفي المقابل، لا يزال معسكر آيزينكوت عاجزًا عن تحويل موقعه المعارض إلى أغلبية قابلة للحكم من دون تفاهمات سياسية صعبة.

وبين احتمالات تشكيل ائتلاف جديد، أو حكومة وحدة، أو العودة إلى صناديق الاقتراع، ستظل المرحلة المقبلة اختبارًا لقدرة النظام السياسي الإسرائيلي على تجاوز الانقسام.

أما إقليميًا، فإن استمرار نتنياهو في الحكم، أو تشكيل حكومة جديدة بتركيبة مختلفة، ستكون له تداعيات محتملة على الحرب والسلام، والعلاقة مع إيران والولايات المتحدة، ومستقبل القضية الفلسطينية.

المصدر: تقارير رويترز ووسائل إعلام إسرائيلية، 28 أكتوبر 2026.

شمس اليوم — قسم الشؤون السياسية والتحليل الاستراتيجي

مقالات ذات صلة