منوعات

الشرق الأوسط في مفترق خطير: من مضيق هرمز إلى اليمن.. هل تتسع الحرب أم تفرض المصالح طريق التهدئة؟

تصعيد عسكري يضغط على أمن الخليج والملاحة الدولية، وأسواق الطاقة تتفاعل مع المخاطر، فيما تبقى الشعوب والاقتصادات الأكثر هشاشة أمام كلفة المواجهة.

 

بقلم: قسم الشؤون السياسية والتحليل الاستراتيجي – شمس اليوم

لم يعد ما يجري في الشرق الأوسط سلسلة أزمات منفصلة يمكن التعامل مع كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى. فالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران، والمواجهة مع إسرائيل، والتهديدات التي تطال الملاحة في مضيق هرمز، وتجدد القتال في اليمن، كلها تطورات تتقاطع في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث يمكن لأي تصعيد جديد أن يفتح جبهة إضافية ويضاعف الكلفة السياسية والاقتصادية والإنسانية.

والأخطر أن تداعيات هذه المواجهة لم تعد محصورة في الدول التي تشهد العمليات العسكرية. فأسعار الطاقة، وحركة السفن، وكلفة التأمين، وأسواق المال، وسلاسل الإمداد، باتت تتفاعل مع كل مؤشر على اتساع الصراع أو تعثر المساعي الدبلوماسية. وهكذا يتحول أمن الشرق الأوسط إلى قضية تمس الاقتصاد العالمي واستقرار ملايين الأسر، حتى في البلدان البعيدة عن خطوط النار.

مضيق هرمز.. نقطة الاختناق التي تراقبها الأسواق

في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعادت إيران طرح مقترحها على الولايات المتحدة لإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. لكن المقترح يرتبط بشروط إيرانية تشمل رفع الحصار عن الموانئ وتخفيف العقوبات على صادرات النفط ووقف الأعمال العدائية على الجبهات الإقليمية، بينما تصر واشنطن على معالجة الملف النووي الإيراني ضمن المفاوضات.

هذا التباعد يكشف جوهر المأزق: فطهران تريد أن يكون أمن الملاحة وتدفق الطاقة مدخلاً للتفاوض، في حين ترى واشنطن أن أي تسوية لا تعالج المخاوف المرتبطة بالبرنامج النووي لن تكون كافية. وبين الموقفين، تظل حركة الملاحة رهينة التوترات والقرارات العسكرية، وتبقى فرص التهدئة مرتبطة بقدرة الطرفين على التوصل إلى تفاهم عملي.

وتنبع أهمية مضيق هرمز من دوره في نقل النفط والغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق العالمية. لذلك، فإن تعطّل المرور أو ارتفاع المخاطر الأمنية حوله لا يهدد إمدادات الطاقة فقط؛ بل يرفع أيضاً كلفة النقل والتأمين، ويزيد الضغوط على الصناعات والنقل والزراعة، خصوصاً في الدول المستوردة للطاقة والمواد الأولية.

وقد ظهرت انعكاسات هذه المخاوف في الأسواق بالفعل. ففي 18 أكتوبر، أفادت رويترز بأن خام برنت أغلق يوم الجمعة عند 109.86 دولارات للبرميل، فيما سجلت الأسواق الخليجية والعربية أداءً متفاوتاً وسط تصاعد المخاطر الإقليمية.

لكن ارتفاع أسعار النفط لا يعني أن المنطقة تحقق مكاسب اقتصادية صافية. فقد تستفيد بعض الجهات المنتجة من ارتفاع الأسعار، بينما تتحمل قطاعات أخرى كلفة اضطراب الملاحة وتراجع الثقة الاستثمارية وزيادة الإنفاق الأمني. أما الدول التي تعتمد على استيراد الطاقة، فقد تجد نفسها أمام فاتورة أعلى وضغوط إضافية على ميزانياتها وأسعار السلع والخدمات.

إيران و الولايات المتحدة وإسرائيل.. معركة تتجاوز الحسابات العسكرية

تتداخل في المواجهة مع إيران ملفات متعددة: البرنامج النووي، والعقوبات، وأمن الملاحة، وتوازن الردع، ودور طهران الإقليمي. وهذا التشابك يجعل الوصول إلى تسوية أكثر تعقيداً من مجرد وقف الضربات أو إعلان هدنة مؤقتة.

فالتصعيد العسكري قد يضعف قدرات طرف أو يرفع كلفة تحركاته، لكنه لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية التي بدأت الحرب من أجلها. كما أن استمرار الضربات والتهديدات المتبادلة يرفع احتمال سوء التقدير، خصوصاً عندما تتعدد الجبهات وتدخل أطراف أخرى على خط المواجهة.

في المقابل، لا تعني الدعوة إلى التفاوض تجاهل المخاوف الأمنية أو الخلافات الجوهرية. بل تقتضي معالجة هذه المخاوف ضمن مسار واضح، يحدد الالتزامات المتبادلة، ويضع آليات للتحقق، ويمنع استخدام الممرات البحرية والمنشآت المدنية أدوات للضغط على السكان والاقتصادات.

ويبقى السؤال الأساسي: هل يمكن التوصل إلى اتفاق يخفف خطر المواجهة ويعيد حركة الملاحة إلى طبيعتها، أم ستظل المفاوضات مرتبطة بتوازنات ميدانية تتغير مع كل ضربة جديدة؟

اليمن.. عودة القتال تهدد بتوسيع دائرة المواجهة

تقدم التطورات في اليمن مثالاً واضحاً على الترابط بين الجبهات الإقليمية. ففي 18 أكتوبر، أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن غارة في محافظة صعدة الخاضعة لسيطرة الحوثيين أسفرت عن مقتل تسعة أشخاص على الأقل، بينهم نساء وأطفال، وإصابة آخرين، وفق المعلومات التي أوردها التقرير. كما تزامنت التطورات مع تصاعد الهجمات والاتهامات المتبادلة بين الحوثيين والسعودية.

ولا تقتصر خطورة التصعيد على المواجهة العسكرية المباشرة. فاستمرار القتال يهدد المدنيين، ويزيد الضغط على المستشفيات والخدمات الأساسية، ويعقّد إيصال المساعدات إلى المناطق المتضررة. وكانت رويترز قد نقلت في 14 أكتوبر تحذيرات منظمات إغاثية بشأن الضغط المتزايد على المستشفيات وتعطل المساعدات الإنسانية في اليمن مع اتساع القتال. كما أن الموقع الجغرافي لليمن يجعل أي اضطراب أمني فيه مرتبطاً بأمن البحر الأحمر وخليج عدن، وهما ممران مهمان لحركة التجارة الدولية. وإذا تزامن التوتر في هذه المنطقة مع المخاطر في مضيق هرمز، فقد تجد شركات الشحن نفسها أمام خيارات أكثر كلفة وتعقيداً، من تغيير المسارات إلى دفع أقساط تأمين أعلى أو تأخير عمليات النقل.

وفي هذا السياق، لا يمكن اختزال الأزمة اليمنية في التنافس بين الرياض وطهران. فالحل المستدام يتطلب معالجة الانقسامات الداخلية، ودعم مسار سياسي قابل للحياة، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، وإعادة بناء مؤسسات أنهكتها سنوات الحرب.

فلسطين وغزة.. الأزمة الإنسانية لا تنتظر التسويات الإقليمية

وسط تصاعد التوترات، تظل معاناة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية جزءاً أساسياً من المشهد الإقليمي. ولا يجوز أن تتحول تعدد الجبهات أو المفاوضات الأمنية إلى سبب لتراجع الاهتمام بحماية المدنيين، وتأمين الغذاء والدواء والمأوى، واحترام القانون الدولي الإنساني.

فالأزمات الإنسانية لا تتوقف بمجرد انتقال الاهتمام السياسي إلى جبهة أخرى. كما أن غياب أفق سياسي واضح يترك المجتمعات أمام دورة متكررة من العنف والدمار والنزوح، ويزيد صعوبة التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وتحتاج أي مقاربة جادة لاستقرار المنطقة إلى التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً سياسياً وحقوقياً وإنسانياً قائماً بذاته، لا مجرد ورقة ضمن مساومات القوى الإقليمية والدولية. فخفض التصعيد الإقليمي يكتسب أهمية أكبر عندما يرافقه تحرك فعلي لحماية السكان وفتح مسارات سياسية تعالج أسباب النزاع.

من يدفع ثمن صراع النفوذ؟

عندما تتصاعد المواجهات، تنشغل الحكومات بتقدير القدرات العسكرية وموازين الردع والخيارات الاستراتيجية. لكن تأثير الحرب يظهر أيضاً في تفاصيل الحياة اليومية: فاتورة الطاقة، وسعر الغذاء، وتكاليف النقل، وفرص العمل، والقدرة على تمويل الخدمات العامة.

وتواجه الاقتصادات الأكثر هشاشة مخاطر مضاعفة، لأن ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية يمكن أن يزيد عجز الميزانيات ويضغط على العملة المحلية والقدرة الشرائية. وقد تضطر الحكومات إلى إعادة توجيه مواردها نحو الدعم والطوارئ، على حساب الاستثمارات في التعليم والصحة والبنية التحتية.

كما أن حالة عدم اليقين تدفع بعض المستثمرين إلى تأجيل المشاريع أو البحث عن أسواق أقل تعرضاً للمخاطر. ومع مرور الوقت، قد تتجاوز كلفة الحرب الخسائر المباشرة في المنشآت والبنية التحتية، لتشمل فرصاً اقتصادية ضائعة يصعب تعويضها سريعاً.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الآثار الفعلية التي ترصدها البيانات والتوقعات التي قد تتغير تبعاً لمسار الأحداث. فليس كل ارتفاع في الأسعار ناتجاً عن عامل واحد، ولا تتأثر جميع الاقتصادات بالطريقة نفسها. لكن استمرار اضطراب الممرات البحرية واتساع المواجهات يضيفان بوضوح مزيداً من الضغوط والمخاطر.

الدبلوماسية.. اختبار القدرة على منع حرب أوسع

إن استمرار الاتصالات بين واشنطن وطهران، رغم الخلافات، يعني أن المسار السياسي لم يُغلق نهائياً. لكن نجاحه يحتاج إلى أكثر من تصريحات متبادلة؛ فهو يتطلب خطوات قابلة للتحقق، وترتيبات عملية لحماية الملاحة، وقنوات اتصال تمنع الحوادث العسكرية من التحول إلى مواجهة أوسع.

ويمكن أن يشكل ضمان مرور السفن التجارية والمواد الإنسانية، وتحديد قواعد واضحة لتجنب استهداف المنشآت المدنية، نقطة انطلاق لتخفيف المخاطر. غير أن هذه الإجراءات لا تعوّض الحاجة إلى معالجة الخلافات الأعمق، وفي مقدمتها الملف النووي والعقوبات والأمن الإقليمي ومستقبل التسويات في اليمن وفلسطين.

كما أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يقوم على تفاهمات بين القوى الكبرى وحدها، من دون مراعاة مصالح الدول المتأثرة مباشرة بالأزمات واحتياجات شعوبها. فالسلام المستدام يحتاج إلى مؤسسات فاعلة، وضمانات أمنية، واحترام السيادة، ومسارات سياسية تسمح بتحويل وقف القتال إلى فرصة للتعافي والتنمية.

الشرق الأوسط أمام خيارين: إدارة التصعيد أم بناء الاستقرار

تكشف التطورات الراهنة أن المنطقة دخلت مرحلة تتشابك فيها المخاطر العسكرية والاقتصادية والإنسانية. فالتوتر في مضيق هرمز يضغط على أسواق الطاقة، وتجدد القتال في اليمن يهدد المدنيين والملاحة، فيما تظل الأزمات السياسية والإنسانية الأخرى مصدراً مستمراً لعدم الاستقرار.

لكن اتساع المخاطر لا يجعل الحرب أمراً حتمياً. فوجود مقترحات تفاوضية واتصالات دبلوماسية يترك مجالاً لخفض التصعيد، شرط أن تتحول التصريحات إلى التزامات واضحة، وأن تتقدم حماية المدنيين وأمن الملاحة على حسابات الضغط قصيرة الأجل.

إن التحدي الحقيقي أمام القوى الإقليمية والدولية ليس فقط تحقيق مكاسب ميدانية، بل منع انتقال المواجهة إلى مرحلة يصعب احتواؤها. فالأمن لا يُقاس بعدد الأسلحة أو حجم الردع وحدهما، بل بقدرة الدول على حماية مجتمعاتها، وضمان استمرار التجارة، وصون الحقوق، وخلق ظروف تسمح للاقتصاد بالتعافي.

فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى جولة جديدة من اختبار القوة بقدر ما يحتاج إلى تسويات قابلة للاستمرار؛ تسويات تحمي المدنيين، وتؤمّن الممرات البحرية، وتحد من مخاطر الحرب، وتعيد للسياسة دورها في معالجة النزاعات قبل أن تتحول كلفتها إلى عبء طويل الأمد على المنطقة والعالم.

مقالات ذات صلة