منوعات

تونس أمام معادلة الثروة والتشغيل: لماذا لا يتحول النمو الاقتصادي إلى فرص عمل كافية؟

شمس اليوم | قسم الاقتصاد والتحليل الاستراتيجي

تسجّل تونس نموًا اقتصاديًا إيجابيًا، لكن سوق العمل لا يستوعب الكفاءات بالقدر المطلوب، فيما تتراجع أعداد المشتغلين رغم الانخفاض الطفيف في معدل البطالة. تكشف هذه المفارقة أن التحدي لم يعد تحقيق النمو فحسب، بل بناء اقتصاد قادر على تحويله إلى ثروة منتجة، ووظائف مستقرة، ودخل أفضل، وفرص تنمية تشمل مختلف الفئات والجهات.

مفارقة الأرقام: حين لا تعكس البطالة وحدها حقيقة التشغيل

في الاقتصاد، لا تكفي قراءة مؤشر واحد للحكم على مسار التنمية. فقد تنخفض البطالة من دون أن يتحسن التشغيل بالقدر نفسه، كما يمكن للناتج المحلي الإجمالي أن يرتفع من دون أن تنعكس ثماره على فرص العمل ومستوى عيش الأسر.

وتقدم تونس مثالًا واضحًا على أهمية قراءة المؤشرات مجتمعة. فوفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء، تراجع عدد المشتغلين من نحو 3.626 ملايين شخص في الثلاثي الأول من سنة 2026 إلى 3.568 ملايين في الثلاثي الثاني، أي بانخفاض قدره 58.2 ألف مشتغل. وفي الفترة نفسها، انخفض عدد السكان النشيطين بـ77.5 ألف شخص، وتراجعت نسبة البطالة من 15% إلى 14.9%.

لا تثبت هذه الأرقام وحدها أسباب تراجع عدد المشتغلين، لكنها تبرز محدودية الاكتفاء بنسبة البطالة لتقييم أداء سوق العمل. فهذه النسبة تتأثر أيضًا بحجم السكان النشيطين، أي العاملين والباحثين عن عمل. وعندما يتراجع عدد المشاركين في سوق العمل، يصبح من الضروري فهم أسباب هذا التراجع، وما إذا كان مرتبطًا بالعزوف عن البحث عن وظيفة أو بعوامل أخرى، بدل اعتبار الانخفاض الطفيف في البطالة دليلًا كافيًا على تحسن الأوضاع.

وتتضح صعوبة المشهد أكثر عند النظر إلى الفئات الأكثر تعرضًا للبطالة. فقد بلغت نسبتها لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة 35.4% في الثلاثي الثاني من 2026، مقابل 37.5% في الثلاثي السابق. وفي المقابل، ارتفعت بطالة حاملي الشهائد العليا من 24.2% إلى 26.6%، وبلغت 35.6% لدى النساء من هذه الفئة، مقابل 14.2% لدى الرجال.

وهنا تتجاوز المسألة حدود عدد الوظائف المتاحة إلى سؤال أكثر عمقًا: لماذا يجد الاقتصاد صعوبة في استيعاب جزء من الكفاءات التي يستثمر المجتمع في تعليمها وتكوينها؟ وكيف يمكن تحويل هذه الكفاءات من طاقة معطّلة أو غير مستثمرة بما يكفي إلى عنصر فاعل في الإنتاج والابتكار والتنافسية؟

نمو إيجابي، لكن السؤال هو نوعية النمو

سجّل الاقتصاد التونسي نموًا بنسبة 2.7% خلال سنة 2025، ثم بلغ النمو 2.4% على أساس سنوي خلال النصف الأول من 2026، وفق البنك الدولي. وتزامن هذا الأداء مع تعافٍ في قطاعات من بينها الفلاحة والصناعات الميكانيكية والكهربائية والسياحة. ومع ذلك، لا تزال آفاق النمو محدودة، فيما تظل تحديات التشغيل والإنتاجية والاستثمار قائمة.

لا تكمن المفارقة في أن النمو الاقتصادي لا يخلق الوظائف بالضرورة؛ فالعلاقة بينهما تتوقف على طبيعة الأنشطة التي تقود النمو، وقدرتها على التوسع واستيعاب اليد العاملة، ومستوى الإنتاجية والقيمة المضافة التي تحققها.

فقد يرتفع الإنتاج في قطاع يعتمد على التكنولوجيا أو الاستثمار المكثف في رأس المال من دون زيادة مماثلة في عدد العاملين. وقد ينتعش نشاط اقتصادي بصورة ظرفية من دون أن يؤدي إلى توسع مستدام في المؤسسات. وفي المقابل، يمكن لقطاعات الصناعة والخدمات الحديثة والتحويل الغذائي والاقتصاد الرقمي أن تجمع بين رفع الإنتاجية وخلق وظائف متخصصة، إذا توافرت لها المهارات والتمويل والأسواق والبنية التحتية اللازمة.

لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال الاقتصادي التونسي: كم حققنا من النمو فقط؟ بل أيضًا: ما القطاعات التي تقوده؟ وما القيمة المضافة التي تنتجها؟ وكم من الوظائف المستدامة تخلقها؟ وهل تتحول زيادة الإنتاج إلى دخل أفضل وفرص أوسع للمؤسسات والكفاءات؟

إن الفرق بين اقتصاد ينمو واقتصاد يصنع الثروة يكمن في قدرته على بناء قاعدة إنتاجية متجددة، لا تعتمد على انتعاشات ظرفية أو أنشطة محدودة القيمة، بل على مؤسسات قادرة على الابتكار والتوسع والتصدير وتحسين إنتاجيتها بمرور الوقت.

من اقتصاد انتظار الوظيفة إلى اقتصاد صناعة الفرص

ظلّ خلق مواطن الشغل هدفًا محوريًا في السياسات الاقتصادية التونسية، ولا سيما في ظل البطالة المرتفعة والتفاوت بين الجهات والفئات. لكن معالجة هذه المعضلة لا يمكن أن تقوم على زيادة عدد الوظائف بمعزل عن طبيعتها ومصدرها وقدرتها على الاستمرار.

اقتصاد صناعة الفرص هو الذي يوسّع قاعدة المؤسسات المنتجة، ويتيح للمبادرات الفردية التحول إلى مشاريع قابلة للنمو، ويربط التكوين بحاجات السوق، ويشجع الابتكار والتصدير، ويوفر بيئة تسمح للمؤسسات الصغرى والمتوسطة بالانتقال من النشاط المحدود إلى الإنتاج المنظم والتوسع.

ولا يعني هذا التصور التقليل من دور الدولة أو من أهمية الوظيفة العمومية، بل إعادة وضع التشغيل ضمن منظومة أوسع لصناعة الثروة. فالوظائف المستدامة تحتاج إلى مؤسسات مستدامة، وهذه تحتاج بدورها إلى طلب وأسواق وتمويل ومهارات وبنية تحتية وقواعد واضحة للمنافسة.

كما أن التكوين، مهما بلغت جودته، لا يستطيع وحده حل مشكلة البطالة إذا لم يقابله طلب اقتصادي على المهارات. ومن هنا تبرز ضرورة بناء علاقة أكثر توازنًا بين الجامعات ومراكز التكوين والمؤسسات، بحيث لا يقتصر النجاح على عدد المتخرجين، بل يشمل مدى إدماجهم في أنشطة منتجة وقدرتهم على تطوير حلول ومنتجات وخدمات يحتاج إليها الاقتصاد.

ستة مسارات لتحويل النمو إلى ثروة وفرص عمل

1. رفع القيمة المضافة للصناعة والصادرات

تحتاج تونس إلى تعزيز موقع مؤسساتها في سلاسل الإنتاج، لا الاكتفاء بالمشاركة في المراحل الأقل قيمة من العملية الصناعية. ويشمل ذلك تطوير التصميم والهندسة والصيانة المتخصصة والبحث والتطوير والخدمات الرقمية المرتبطة بالإنتاج، بما يرفع حصة المؤسسات المحلية من القيمة النهائية للمنتجات.

ويتطلب هذا المسار توثيق الصلة بين الجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص، وتسهيل حصول المؤسسات على التكنولوجيا والتمويل، ودعم قدرتها على استيفاء المعايير الدولية والنفاذ إلى أسواق جديدة. فالتصدير لا ينبغي أن يقاس بقيمة المبيعات وحدها، بل أيضًا بمقدار القيمة التي تنتجها المؤسسات محليًا، وبما تخلقه من وظائف ومهارات وفرص للتوسع.

2. تحويل الأمن المائي والغذائي إلى رافعة اقتصادية

لم تعد المياه مسألة بيئية أو فلاحية منفصلة عن الاقتصاد. فقد حذّر البنك الدولي، في تقريره الصادر في سبتمبر 2026 حول التحديات المائية في تونس، من أن ندرة المياه قد تؤثر بشدة في الناتج والوظائف والقدرة على الصمود إذا لم تُعالج المخاطر بفعالية.

ويعني ذلك أن الاستثمار في إصلاح شبكات المياه، وتقليص التسربات، وتحسين كفاءة الري، وإعادة استخدام المياه المعالجة حيثما كان ذلك آمنًا ومناسبًا، وتطوير تقنيات التخزين والتصرف في الموارد، يجب أن يُنظر إليه بوصفه استثمارًا في الإنتاج والتشغيل أيضًا.

كما أن تطوير التحويل الغذائي والتبريد والتخزين والنقل والتسويق يمكن أن يرفع القيمة المضافة للمنتجات الفلاحية، ويحدّ من ضياعها، ويفتح فرصًا جديدة للمؤسسات في الجهات. فالأمن الغذائي لا يتحقق بالإنتاج وحده، بل ببناء سلسلة اقتصادية متكاملة من الحقل إلى السوق.

3. توظيف الرقمنة والذكاء الاصطناعي لرفع الإنتاجية

لا تتحقق القيمة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي بمجرد اعتماده في المؤسسات، بل بقدرته على تحسين الأداء وتطوير الخدمات وتقليص الهدر وتوسيع الأسواق. ويمكن لتونس أن تستثمر في البرمجيات، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والخدمات الرقمية الموجهة إلى الخارج، إلى جانب إدماج التقنيات الحديثة في الصناعة والفلاحة والنقل والخدمات.

لكن هذا التحول يحتاج إلى بنية رقمية موثوقة، وتكوين مستمر، وقواعد واضحة لحماية البيانات، وبرامج تساعد المؤسسات الصغرى على تبني التكنولوجيا بدل حصر فوائدها في المؤسسات الأكبر. كما ينبغي مواكبة التحولات في طبيعة الوظائف والمهارات، حتى تصبح الرقمنة وسيلة لتطوير فرص العمل لا مجرد أداة لتقليص كلفته.

4. تمكين المؤسسات الصغرى والمتوسطة من الاستمرار والتوسع

لا يكفي أن تتأسس المؤسسات؛ الأهم أن تتمكن من البقاء والنمو وخلق وظائف رسمية. ويقتضي ذلك تبسيط الإجراءات، وتحسين النفاذ إلى التمويل، وتقليص آجال خلاص المستحقات، وتطوير أدوات الضمان، وتوفير المرافقة الفنية والتجارية، وربط المؤسسات المحلية بسلاسل التوريد والأسواق الخارجية.

كما ينبغي تقييم برامج الدعم وفق نتائجها الفعلية: عدد المؤسسات التي استمرت، والوظائف الرسمية التي خلقتها، وتطور إنتاجيتها وصادراتها، وقدرتها على الوصول إلى أسواق جديدة. فحجم التمويل المصروف لا يمثل في حد ذاته مقياسًا للنجاح إذا لم يتحول إلى نشاط اقتصادي قابل للاستمرار.

5. ربط التنمية الجهوية بسلاسل القيمة والأسواق

لا تُعالج البطالة الجهوية بمجرد توزيع المشاريع على المناطق، بل بتحديد الإمكانات الاقتصادية لكل جهة، والمهارات المتوافرة فيها، والعوائق التي تمنعها من الوصول إلى الأسواق. فقد تتيح بعض الجهات فرصًا في التحويل الغذائي أو الصناعات المتخصصة، فيما تمتلك أخرى إمكانات في السياحة أو الخدمات الرقمية أو الطاقة المتجددة.

ويحتاج تحويل هذه الإمكانات إلى فرص فعلية إلى بنية تحتية وخدمات لوجستية وتكوين ملائم وشراكات بين المؤسسات المحلية والأسواق الوطنية والدولية. والهدف هو الانتقال من مشاريع معزولة إلى منظومات اقتصادية مترابطة، تخلق فرص العمل وتدعم المؤسسات المحلية وتقلص الفجوة بين الجهات.

6. جعل الدولة شريكًا في بناء القدرة الإنتاجية

لا يتمثل الإصلاح في انسحاب الدولة من مسؤولياتها، ولا في تحميلها وحدها عبء الاستثمار والتشغيل. المطلوب هو أن تركز على تحسين جودة الخدمات العامة، واستقرار القواعد المنظمة للنشاط الاقتصادي، وتعزيز المنافسة، وتطوير البنية التحتية، وتوجيه الإنفاق إلى المجالات التي ترفع الإنتاجية وتوسع الفرص.

وتشمل هذه المسؤولية الحد من العوائق الإدارية غير الضرورية، وتحسين النفاذ إلى المعلومات والخدمات، وضمان قواعد منافسة واضحة، ومراجعة البرامج التي لا تحقق النتائج المنتظرة. فالدولة الفاعلة اقتصاديًا ليست التي تتولى كل شيء، بل التي تساعد المؤسسات على الإنتاج والاستثمار والتوسع، وتحمي المصلحة العامة وتضمن شفافية استخدام الموارد.

التمويل شرط للتوسع، لا ضمانة للنجاح

تحتاج هذه المسارات إلى استثمارات، لكن التمويل لا يتحول تلقائيًا إلى ثروة أو وظائف. فالأثر الاقتصادي يتوقف على طبيعة المشروع، وقدرته على خلق قيمة مضافة، وجودة إدارته، واستدامة الطلب على منتجاته وخدماته.

ومن هنا تبرز أهمية تنويع أدوات التمويل والضمان والاستثمار، وتوجيهها نحو الأنشطة المنتجة والقابلة للنمو، مع تحسين شروط النفاذ إليها للمؤسسات الصغرى والمتوسطة. كما يتطلب مناخ الاستثمار وضوح القواعد وسرعة الإجراءات وتوافر الطاقة والمياه والخدمات اللوجستية والمهارات، إلى جانب منافسة عادلة لا تجعل التوسع حكرًا على المؤسسات الأكثر نفوذًا أو قدرة على تحمل التعقيدات.

وينبغي أن ترتبط الحوافز والدعم بأهداف قابلة للقياس، وأن تُراجع نتائج البرامج دوريًا، حتى لا تتحول الموارد العامة إلى نفقات لا يظهر أثرها في الإنتاج أو التشغيل أو الصادرات.

كيف نقيس النجاح الاقتصادي؟

لا يكفي إعلان أهداف عامة لخفض البطالة أو رفع النمو. المطلوب هو منظومة متابعة تقيس ما يحدث في سوق العمل وفي المؤسسات وفي حياة المواطنين.

ويشمل ذلك متابعة صافي الوظائف الرسمية الجديدة، ومعدل مشاركة النساء والشباب في سوق العمل، ومدى إدماج خريجي التعليم العالي في وظائف تتناسب مع مهاراتهم، وتطور إنتاجية العامل، ونمو الصادرات ذات القيمة المضافة، واستمرارية المؤسسات الصغرى والمتوسطة، والفوارق الجهوية في التشغيل والدخل.

كما يستوجب الأمر تحليل أسباب تراجع عدد السكان النشيطين، والتمييز بين من توقفوا عن البحث عن عمل ومن غادروا سوق العمل لأسباب أخرى، مع تحسين البيانات المتعلقة بالتشغيل غير المنظم وجودة الوظائف. فكلما كانت القراءة الإحصائية أدق، أمكن توجيه السياسات نحو المشكلات الفعلية بدل معالجة أعراضها فقط.

ويمكن أن تقوم المتابعة على تنسيق بين المعهد الوطني للإحصاء والجهات الحكومية والمؤسسات الاقتصادية والجامعات وممثلي القطاع الخاص والمجتمع المدني، مع نشر نتائج دورية تتيح تقييم السياسات وتصحيح مسارها. فقياس النتائج ليس خطوة لاحقة للتنمية، بل جزء من قدرتها على تحقيق أهدافها.

الخلاصة: من نمو الناتج إلى تحسن الحياة

تكشف المؤشرات التونسية أن النمو الاقتصادي، على أهميته، لا يكفي وحده لحل معضلة التشغيل. فالتراجع الطفيف في معدل البطالة بالتزامن مع انخفاض عدد المشتغلين والسكان النشيطين، وارتفاع بطالة حاملي الشهائد العليا، يدعو إلى تجاوز القراءة الإجمالية للاقتصاد نحو فهم أعمق لطبيعة الإنتاج والوظائف والفرص التي يولدها.

ولا تحتاج تونس إلى الاختيار بين صناعة الثروة وتوفير فرص العمل؛ بل إلى بناء نموذج تنموي يجعل الاستثمار والإنتاجية والابتكار والتصدير روافد لتشغيل مستدام، ويحول المهارات الوطنية إلى قدرة إنتاجية، ويجعل التنمية الجهوية جزءًا من الاقتصاد الوطني لا مسارًا منفصلًا عنه.

إن الرهان الحقيقي ليس أن يسجل الاقتصاد نموًا على الورق فحسب، بل أن تتجسد ثماره في مؤسسات أقوى، ووظائف أكثر استقرارًا، ودخل قادر على مجابهة تكاليف الحياة، وفرص أوسع أمام الشباب والنساء والكفاءات. عندها فقط يصبح النمو وسيلة لصناعة الثروة، وتصبح الثروة بدورها أساسًا لتوسيع الاختيارات وتحسين مستوى العيش.

مقالات ذات صلة