بعد 217 عاماً.. الذكاء الاصطناعي يفك شفرة رسالة من زمن نابليون
1300 رمز و155 علامة.. كيف أعادت خوارزميات الذكاء الاصطناعي قراءة وثيقة عسكرية ظلت عصية على الحل منذ عام 1809؟

تونس – شمس اليوم
لم تكن مجرد رسالة قديمة في أرشيف عسكري، بل وثيقة تحمل معلومات عن تحركات الجيوش الأوروبية في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في عهد نابليون بونابرت.
ومنذ عام 1809، ظلت أجزاء كبيرة من هذه الوثيقة مخفية خلف نظام من الرموز، بعدما فُقد مفتاح الشفرة مع مرور الزمن. وبعد أكثر من قرنين، دخل الذكاء الاصطناعي إلى هذا اللغز، وتمكن من إعادة بناء النص في تجربة استغرقت نحو ست ساعات.
وثيقة عسكرية خرجت من قلب الاستعداد للحرب
تعود الوثيقة إلى مارس 1809، عندما كانت أوروبا تقترب من مواجهة جديدة بين فرنسا والنمسا.
وكان الجنرال أوغست دي مارمون متمركزاً في دالماتيا، على الساحل الشرقي للبحر الأدرياتيكي، بعيداً عن جزء كبير من القوات الفرنسية. وبناءً على تعليمات نابليون، أرسل أوجين دو بوارنيه، نائب ملك إيطاليا وابن نابليون بالتبني، تقريراً مشفراً إلى مارمون حول وضع القوات الفرنسية والحليفة ومواقع القوات النمساوية.
وتكشف القراءة الجديدة أن الوثيقة كانت تتضمن معلومات عن انتشار قوات فرنسية وحليفة، بينها قوات بافارية وبولندية، إلى جانب مواقع للقوات النمساوية قبل اندلاع العمليات العسكرية.
1300 وحدة.. والشفرة بلا مفتاح
تضم الوثيقة نحو 1300 وحدة مشفّرة و155 علامة مختلفة، ضمن نظام تشفير استبدالي متجانس، بحيث يمكن للحرف الواحد أن يُمثّل بأكثر من علامة.
وهذا ما جعل فك الشفرة أكثر تعقيداً؛ فالرموز لم تكن مجرد أبجدية بسيطة يمكن مطابقة كل علامة فيها بحرف واحد.
وكانت هناك في السابق معلومات جزئية عن الشفرة، إذ أمكن تحديد 33 قيمة لبعض الرموز، لكن هذه المعرفة لم تكن كافية لإعادة بناء الرسالة كاملة. كما أن النسخة المنشورة من الوثيقة كانت تحمل تاريخاً غير صحيح، ما أضاف عقبة أخرى أمام الباحثين.
هنا دخل الذكاء الاصطناعي
بحسب المهندس كارتر تشيرش، العامل في شركة الأمن السيبراني SentinelOne، تم تقديم صورة واحدة للوثيقة إلى نموذج GPT-6 Astra التابع لـOpenAI، مع طلب فك الشفرة.
ولم يتوقف الأمر عند قراءة الصورة.
فالنموذج قام أولاً بتقسيم الوثيقة إلى أسطر، والتعرف إلى العلامات المكتوبة بخط اليد، وتمييز العلامات المتشابهة رغم اختلاف طريقة كتابتها. وبعد ذلك انتقل إلى تحليل بنية الشفرة ومحاولة استكمال القيم المفقودة.
من قراءة الرموز إلى اختبار آلاف الاحتمالات
استخدمت العملية خوارزمية التلدين المحاكى (Simulated Annealing)، وهي أسلوب بحث حسابي يسمح باختبار عدد كبير من الاحتمالات والانتقال تدريجياً نحو الحل الأكثر توافقاً.
ولم تكن الخوارزمية تبحث عن كلمات فرنسية عشوائية، بل كانت تقارن النتائج بإحصاءات اللغة الفرنسية، بما في ذلك تتابعات من ثلاثة وأربعة وخمسة أحرف، مع الاستفادة من نصوص فرنسية ومصادر تاريخية مرتبطة بالفترة.
كما جرى اختبار الرموز التي بدت غير منطقية كحروف، ليتبين أن بعضها يمثل كلمات كاملة مثل: de وque وles وvous وgénéral.
الذكاء الاصطناعي لم يكتفِ بفك الشفرة
اللافت أن التجربة لم تتوقف عند تحويل الرموز إلى نص.
فمن خلال مقارنة النص الناتج مع مراسلات نابليون والمعلومات التاريخية المتاحة، أمكن أيضاً إعادة النظر في تاريخ الوثيقة المنشور سابقاً، والوصول إلى أنها تعود إلى 1809 وليس إلى التاريخ الذي كانت تحمله في بعض قواعد بيانات الشفرات التاريخية.
كما ساعد مضمون الرسالة في تفسير جزء من أمر سابق لنابليون إلى أوجين، كانت إحدى جمله منشورة بصورة غير مكتملة. ومع ذلك، فإن النص المستعاد يمثل صياغة للمضمون وليس بالضرورة الكلمات الحرفية التي استخدمها نابليون، وهي نقطة مهمة عند التعامل مع الوثائق التاريخية.
ست ساعات بدل سنوات من البحث؟
هنا تكمن أهمية التجربة.
لم يكن اللغز مستحيلاً من حيث المبدأ على الإنسان، لكن فك شفرة تضم أكثر من ألف علامة، مع فقدان مفتاحها، ومقارنة احتمالات عديدة، يتطلب وقتاً وجهداً كبيرين.
أما الذكاء الاصطناعي فاستطاع الجمع في عملية واحدة بين قراءة الصورة، والتعرف إلى الرموز، والبحث في المصادر التاريخية، وكتابة أدوات حسابية، وتجربة احتمالات متعددة، ثم مقارنة النتيجة بالسياق التاريخي.
وهذا هو الجانب الأكثر أهمية في التجربة: ليس أن الآلة «عرفت» الشفرة فجأة، وإنما أنها استطاعت تنفيذ سلسلة طويلة من عمليات التحليل والاختبار في وقت قصير نسبياً.
لكن هل انتهى اللغز بالكامل؟
ليس تماماً.
فبحسب التفاصيل المنشورة حول عملية فك الشفرة، لا تزال خمسة رموز غير محسومة بصورة نهائية، بسبب ظهورها المحدود وجودة الصورة الأصلية.
كما أن الحل، رغم فحصه من جانب الباحث المتخصص في الشفرات التاريخية ساتوشي توموكيو، لا ينبغي التعامل معه باعتباره نهاية النقاش العلمي حول الوثيقة. فإعادة بناء نص تاريخي تتطلب دائماً المقارنة مع مصادر مستقلة ومحاولات تحقق أخرى.
من أرشيف نابليون إلى مستقبل البحث التاريخي
تكشف هذه التجربة شيئاً يتجاوز رسالة عسكرية عمرها أكثر من قرنين.
فقد بدأ الذكاء الاصطناعي يدخل منطقة كان يُنظر إليها طويلاً باعتبارها حكراً على الخبراء: قراءة ما تركه الماضي وراءه، حتى عندما تكون الوثائق مشفرة أو ناقصة أو صعبة التفسير.
وهذا لا يعني أن المؤرخ أصبح خارج الصورة. على العكس، تزداد أهمية دوره في التحقق من النتائج، وفهم السياق، ومقارنة النصوص، والتمييز بين ما تثبته الوثيقة وما يبقى مجرد احتمال.
لكن التجربة تبرهن على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أكثر من أداة للكتابة أو البحث السريع؛ فقد يتحول إلى مختبر رقمي لاختبار الفرضيات التاريخية وفك طبقات من المعلومات ظلت مغلقة أمام الباحثين لأجيال.
حين يستعيد الذكاء الاصطناعي صوت وثيقة صامتة
بعد 217 عاماً، لم يعد السؤال فقط عمّا قالته هذه الرسالة، بل عمّا يمكن أن تقوله آلاف الوثائق الأخرى التي لا تزال تنتظر من يقرأها.
فإذا كان مفتاح شفرة واحدة قد ضاع لقرنين، ثم أمكن إعادة بناء محتواها بمساعدة الذكاء الاصطناعي، فإن الأرشيفات القديمة قد تحمل بدورها نصوصاً وأسراراً لم تُكتشف بعد.
وفي هذه النقطة تحديداً تلتقي التكنولوجيا بالتاريخ: الذكاء الاصطناعي لا يعيد كتابة الماضي، لكنه قد يمنح الباحثين أدوات جديدة لقراءته من جديد.
![]()