الشيخوخة في تونس.. حين يصبح العمر الطويل قضية مجتمع لا مجرد رعاية اجتماعية
من الإيواء إلى الأسرة، ومن الرعاية إلى المشاركة.. تونس تعيد رسم سياستها تجاه أكثر من مليوني مسن

تونس – شمس اليوم
لم يعد التقدم في السن في تونس يُنظر إليه فقط باعتباره مرحلة تحتاج إلى الرعاية الصحية أو الاجتماعية، بل أصبح جزءاً من تحوّل ديمغرافي يفرض على الدولة والمجتمع إعادة التفكير في معنى العيش الكريم بعد سن الستين.
فمع بلوغ عدد كبار السن أكثر من مليوني شخص، وارتفاع نسبتهم من 11.4% سنة 2014 إلى 16.9% سنة 2024، تدخل تونس مرحلة ديمغرافية جديدة، يصبح فيها السؤال أكبر من توفير الرعاية: كيف يمكن أن يعيش الإنسان سنواته المتقدمة باستقلالية وكرامة، وأن يبقى جزءاً من أسرته ومحيطه ومجتمعه؟
وتشير معطيات التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024 إلى أن نسبة إعالة كبار السن ارتفعت بدورها من 18.1% سنة 2014 إلى 28% سنة 2024، فيما بلغ مؤشر الشيخوخة 73.9% مقابل 49.2% قبل عشر سنوات.
أرقام لا تعكس مجرد تغير في التركيبة العمرية للسكان، وإنما تشير إلى تحوّل طويل المدى ستكون له انعكاسات على الأسرة والصحة والحماية الاجتماعية والسكن والنقل والخدمات وحتى تصميم المدن.
استراتيجية تتجاوز مفهوم الرعاية
في مواجهة هذا التحول، اعتمدت تونس الاستراتيجية الوطنية متعددة القطاعات لكبار السن 2022-2030، التي تمت المصادقة عليها خلال جلسة عمل وزارية في سبتمبر 2022.
وتقوم الاستراتيجية على مقاربة تسعى إلى تحسين نوعية حياة كبار السن وتمكينهم من حقوقهم، مع توفير بيئة آمنة ودامجة وتعزيز مفهوم المواطنة النشيطة والتضامن بين الأجيال.
وتشمل محاورها الإحاطة الأسرية بكبار السن ورعايتهم في وسطهم الطبيعي، ومقاومة الفقر والهشاشة، وتحسين النفاذ إلى الخدمات الصحية، وتعزيز المشاركة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، إلى جانب تطوير الحوكمة والسياسات المتعلقة بهذه الفئة.
وهنا يكمن التحول الأساسي: المسن ليس بالضرورة شخصاً يجب نقله إلى مؤسسة للرعاية، بل مواطن يمكن أن يواصل حياته داخل أسرته ومحيطه متى توفرت له الظروف المناسبة.
350 ديناراً للأسرة الكافلة
وتترجم هذه المقاربة من خلال برنامج الإيداع العائلي الذي يستهدف كبار السن فاقدي السند العائلي.
ووفق المعطيات التي قدمها مدير إدارة كبار السن بوزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، عميد العماري، يستفيد من البرنامج حالياً 487 مسناً ومسنة، فيما تحصل الأسرة الكافلة على منحة شهرية قدرها 350 ديناراً.
وقد ارتفعت قيمة المنحة من 200 إلى 350 ديناراً منذ جانفي 2023، في خطوة رافقت توسع البرنامج وارتفاع عدد المنتفعين به.
ولا يتعلق الأمر بمجرد دعم مالي للأسرة، بل بمحاولة لتوفير بديل عن الإيواء المؤسساتي عندما تسمح ظروف المسن بذلك، من خلال إبقائه في محيط عائلي يمكن أن يوفر له الأمان والاستقرار والعلاقات الإنسانية اليومية.
47 فريقاً متنقلاً تصل إلى 19 ولاية
وتتوسع فلسفة خدمات القرب أيضاً من خلال الفرق المتنقلة التي تنقل الخدمات إلى المسنين بدلاً من انتظار قدرتهم على التنقل إليها.
وتضم المنظومة حالياً 47 فريقاً متنقلاً تنشط في 19 ولاية، وتقدم خدمات اجتماعية وصحية مباشرة لفائدة كبار السن، خاصة الأشخاص الذين تعيق أوضاعهم الصحية أو الاجتماعية قدرتهم على التنقل.
ويعكس تطور عدد هذه الفرق من 25 فريقاً سنة 2023 إلى 41 فريقاً ثم 47 فريقاً توجهاً نحو تعزيز الرعاية في الوسط الطبيعي، وربط الخدمات الاجتماعية والصحية بمكان إقامة المسن.
حين لا تكون الشيخوخة نهاية المشاركة
لكن حماية كبار السن لا تختزل في العلاج أو المساعدة الاجتماعية.
ففكرة «الشيخوخة النشيطة» تقوم على مبدأ أكثر اتساعاً: يمكن للإنسان أن يتقدم في العمر من دون أن يفقد دوره في المجتمع.
ومن هنا تأتي أهمية نوادي كبار السن والفضاءات النهارية والأنشطة الثقافية والترفيهية والاجتماعية، التي تفتح أمام هذه الفئة إمكانية الحفاظ على العلاقات الاجتماعية وممارسة الأنشطة والاستفادة من الخبرات المتراكمة.
فالخبرة المهنية والحياتية التي يحملها كبار السن ليست مجرد ماضٍ، وإنما يمكن أن تتحول إلى مورد اجتماعي وثقافي يستفيد منه المجتمع والأجيال الأصغر.
العمر الأطول يفرض أنظمة مختلفة
وفي هذا السياق، انتظمت بمناسبة اليوم العالمي لكبار السن، الموافق لغرة أكتوبر، ندوة وطنية تحت عنوان «الشيخوخة النشيطة: إعادة التفكير في الأنظمة من أجل عمر أطول»، بمشاركة عدد من الوزارات والهياكل المعنية بالأسرة والشؤون الاجتماعية والصحة والثقافة.
وأكدت وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن أسماء الجابري أن الاستراتيجية الوطنية متعددة القطاعات لكبار السن في أفق 2030 تمثل الإطار المرجعي للسياسة الوطنية في هذا المجال، وأن خطتها التنفيذية تتضمن برامج وإجراءات عملية وآليات للتنسيق والحوكمة وقياس مدى التقدم في التنفيذ.
كما برز خلال الندوة أن قضية الشيخوخة لم تعد شأناً يخص وزارة واحدة، إذ ترتبط مباشرة بالصحة والحماية الاجتماعية والسكن والنقل والتهيئة العمرانية والثقافة والتحول الرقمي.
تونس أمام سؤال جديد
التحدي الحقيقي الذي تفرضه الشيخوخة في تونس لا يتمثل فقط في كمّ الخدمات التي ستوفرها الدولة، وإنما في طبيعة المجتمع الذي تريد تونس أن تبنيه للأشخاص الذين يعيشون عمراً أطول.
فإذا كان ارتفاع أمل الحياة مكسباً إنسانياً، فإن هذا المكسب يحتاج إلى سياسات تجعل السنوات الإضافية سنوات حياة فعلية، لا سنوات عزلة أو اعتماد كامل على الآخرين.
ومن هنا تبدو «الشيخوخة النشيطة» أكثر من شعار بمناسبة اليوم العالمي لكبار السن. إنها محاولة لإعادة تعريف العلاقة مع العمر: حماية حين تكون الحماية ضرورية، ورعاية حين تكون الرعاية مطلوبة، لكن أيضاً استقلالية ومشاركة وكرامة حين يكون الإنسان قادراً على مواصلة حياته داخل أسرته ومجتمعه.
وفي مجتمع يتقدم فيه العمر بسرعة، قد تصبح طريقة تعامل تونس اليوم مع كبار السن نموذجاً لما ستكون عليه حياة أجيال كاملة غداً.