ترامب يضع الذكاء الاصطناعي في قلب الأمن القومي.. وجاي كلايتون في الواجهة
مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية مرشح لتولي ملف «قيصر الذكاء الاصطناعي» بالتوازي مع منصبه الحالي

واشنطن – شمس اليوم
لم يعد الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة ملفاً يخص شركات التكنولوجيا وحدها. فالتطور السريع للأنظمة الذكية، وما يرافقه من فرص اقتصادية ومخاوف أمنية، يدفع واشنطن إلى التعامل معه باعتباره قضية تتقاطع فيها التكنولوجيا مع الأمن القومي.
وفي هذا السياق، تتجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى اختيار جاي كلايتون، مدير الاستخبارات الوطنية، مستشاراً رئيسياً للبيت الأبيض في ملف الذكاء الاصطناعي، في منصب سبق أن وصفه ترامب بـ«قيصر الذكاء الاصطناعي».
لكن حتى 2 أكتوبر 2026، لم يكن القرار قد أُعلن رسمياً. وقال مسؤول في البيت الأبيض إن أي إعلان يتعلق بالتعيينات سيصدر مباشرة عن الرئيس، واعتبر ما يُنشر قبل ذلك مجرد تكهنات.
لماذا جاي كلايتون؟
اللافت في الاختيار المحتمل أن كلايتون لا يأتي من وادي السيليكون، بل من قلب منظومة الأمن والاستخبارات الأميركية.
فهو يتولى حالياً إدارة مجتمع الاستخبارات الأميركي الذي يضم 18 وكالة، ما يجعله أحد أبرز المسؤولين عن الملفات الاستخباراتية والأمنية في الولايات المتحدة. وإذا تأكد تكليفه بملف الذكاء الاصطناعي، فسيحتفظ بمنصبه الحالي بالتوازي مع المهمة الجديدة، وفق التقارير المتداولة. وهنا تكمن دلالة الخطوة: الذكاء الاصطناعي يُنظر إليه بصورة متزايدة ليس فقط باعتباره أداة للابتكار والإنتاج، وإنما كتكنولوجيا يمكن أن تؤثر في الأمن السيبراني، والمعلومات، والقدرات العسكرية، وحماية البنية التحتية والبيانات.
ترامب: «لدي شخص في الحسبان»
كانت فكرة تعيين مسؤول جديد للذكاء الاصطناعي قد بدأت تتبلور لدى ترامب خلال الأسابيع الماضية.
وعندما سُئل الرئيس الأميركي في وقت سابق عن الشخص الذي يفكر فيه لتولي المهمة، قال إن لديه اسماً في ذهنه. وعندما طُرح أمامه اسم جاي كلايتون، أبدى ترامب تأييده للفكرة ووصف كلايتون بأنه رجل جيد، في إشارة إلى أن مدير الاستخبارات كان بالفعل من بين الأسماء المطروحة.
وبذلك، لم يأت اسم كلايتون فجأة، بل ظهر تدريجياً مع اتساع النقاش داخل الإدارة الأميركية حول الطريقة التي ينبغي أن تتعامل بها الدولة مع الذكاء الاصطناعي.
كلايتون يرى وجهين للتكنولوجيا
كلايتون نفسه لم يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة اقتصادية فقط.
وخلال جلسة الاستماع الخاصة بتثبيته مديراً للاستخبارات الوطنية في يوليو 2026، وصف التكنولوجيا بأنها تحمل فرصة وتهديداً في الوقت نفسه، داعياً إلى التعامل معها وفهم تداعياتها بصورة جدية.
وفي مقابلة مع شبكة CNBC، ذهب أبعد من ذلك عندما وصف ما يسمى بـ«الذكاء الفائق» بأنه قضية تتصل بالأمن القومي.
وفي الوقت نفسه، لم يدعم كلايتون فكرة وقف تطوير الذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة، في موقف يعكس التوتر القائم بين الدعوات إلى تسريع الابتكار والمخاوف من المخاطر التي قد ترافق الأنظمة الأكثر تقدماً.
من «قيصر» إلى «قوة للذكاء الاصطناعي»
لا ينفصل هذا التطور عن خطة أوسع أعلن عنها ترامب في سبتمبر الماضي، عندما تحدث عن إنشاء «قوة للذكاء الاصطناعي» وتعيين مسؤول للإشراف على هذا الملف.
غير أن طبيعة هذه القوة وصلاحياتها لم تكن قد حُسمت بشكل واضح، فيما كان البيت الأبيض يجري اتصالات واجتماعات مع كبار مسؤولي شركات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه داخل الولايات المتحدة المناقشات حول حدود الرقابة الحكومية على القطاع. فبينما يدفع ترامب باتجاه بيئة تنظيمية أكثر مرونة وتشجيعاً للتطوير، يطالب مشرعون وخبراء بوضع آليات أوضح للمساءلة والسلامة.
تجربة سابقة مع «قيصر الذكاء الاصطناعي»
لن تكون هذه المرة الأولى التي تعتمد فيها إدارة ترامب على منصب من هذا النوع.
فقد تولى المستثمر في قطاع التكنولوجيا ديفيد ساكس مهمة الإشراف على ملفات الذكاء الاصطناعي في بداية الولاية الثانية لترامب، قبل مغادرته المنصب، مع استمراره في تقديم المشورة للرئيس بشأن التكنولوجيا.
لكن انتقال المهمة المحتمل إلى مدير الاستخبارات الوطنية يضيف بعداً مختلفاً إلى المنصب، إذ يضع الأمن القومي بصورة مباشرة في صميم النقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي.
من القضاء والأسواق إلى قمة الاستخبارات
قبل وصوله إلى منصبه الحالي، بنى كلايتون مساراً مهنياً في مجالات القانون والمال والأسواق.
فقد شغل منصب رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، كما عمل مدعياً عاماً فدرالياً للمنطقة الجنوبية من نيويورك، قبل أن ينتقل إلى قيادة مجتمع الاستخبارات في إدارة ترامب.
واليوم يجد نفسه أمام احتمال تولي ملف مختلف تماماً في ظاهره، لكنه يتقاطع بصورة متزايدة مع اختصاصه الحالي: من يملك التكنولوجيا الأكثر تقدماً، ومن يراقب مخاطرها، وكيف يمكن للدولة أن تحافظ على قدرتها التنافسية من دون تجاهل جوانبها الأمنية؟
الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة جديدة
المشهد الأميركي يكشف تحولاً مهماً في طريقة النظر إلى الذكاء الاصطناعي. فبعد أن كان النقاش يتركز أساساً على الشركات والاستثمارات والابتكار، أصبح اليوم مرتبطاً أيضاً بموازين القوة والأمن والسيادة التكنولوجية.
وإذا تأكد اختيار جاي كلايتون، فإن واشنطن تكون قد وضعت هذا الملف في منطقة التقاء مباشرة بين الاستخبارات والتكنولوجيا والسياسة الاقتصادية والأمن القومي.
وفي انتظار الإعلان الرسمي، يبقى السؤال الأكبر ليس فقط من سيحمل لقب «قيصر الذكاء الاصطناعي»، وإنما كيف ستتعامل الولايات المتحدة مع تكنولوجيا تتطور بسرعة أكبر من قدرة القوانين والمؤسسات على مواكبتها؟
هذه النسخة ليست ترجمة للمقال الأصلي ولا إعادة ترتيب له؛ بنيتها من جديد حول الفكرة الصحفية الأساسية: انتقال الذكاء الاصطناعي من ملف تكنولوجي إلى ملف أمني واستراتيجي، مع إبقاء الوقائع والتواريخ منضبطة بالمصادر.