
حين نتحدث اليوم عن الذكاء الاصطناعي (AI)، يتبادر إلى أذهاننا فوراً ذلك العالم الرقمي السريع الذي يغير وجه الاقتصاد العالمي. لكن، كيف تبدو الصورة إذا نظرنا إليها بعيون تونسية؟ وهل مؤسساتنا الاقتصادية جاهزة فعلاً لركوب هذه الموجة، أم أننا ما زلنا نراوح مكاننا خلف شاشات الحواسب التقليدية؟
دراسة حديثة وصادمة أعدتها الباحثة ألفة بوزيان وصدرت عن المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية (ITCEQ)، تحت إشراف الأستاذ عبد العزيز الهويشي، وضعت الإصبع على الجرح تماماً. الدراسة التي حملت عنوان “دمج الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة: تحليل لمسارات النضج الرقمي في تونس”، كشفت أن العائق أمام التطور التكنولوجي في بلادنا ليس مجرد غياب الآلات الحديثة، بل هو أعمق من ذلك بكثير.
الثلاثي المعرقل: الميزانية، المهارات، و”الخوف من التغيير”
الذكاء الاصطناعي ليس “عصا سحرية” تشتريها المؤسسة لتتغير أحوالها بين عشية وضحاها؛ بل هو ثقافة ونضج تنظيمي. وحسب استبيان الدراسة، تواجه المؤسسات التونسية ثلاثة حواجز رئيسية تقف حائلاً بينها وبين العصر الرقمي الجديد:
-
محدودية الموارد المالية (70.9%): أكثر من ثلثي أصحاب المؤسسات يجمعون على أن كلفة التحول الرقمي باهظة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية وتكلفة البرمجيات وحلول الحوسبة المتقدمة.
-
نقص المهارات الرقمية (63.3%): تعاني السوق التونسية من فجوة معرفية حقيقية، يغذيها نزيف هجرة الكفاءات الرقمية والشبان من مهندسي البيانات ومطوري البرمجيات نحو الخارج.
-
مقاومة التغيير (58%): وهي المفاجأة الأبرز؛ حيث يرفض أو يتخوف أفراد كثيرون داخل المؤسسات (سواء من الإدارة أو الموظفين) تغيير أساليب العمل الكلاسيكية، مفضلين البقاء في “منطقة الأمان” التقليدية.
رقميّون.. ولكن على الورق فقط!
تُبرز الدراسة مفارقة غريبة جداً في سلوك المؤسسة التونسية؛ إذ تشير الأرقام إلى أن 76.2% من المؤسسات الخاصة في تونس تمتلك موقعاً إلكترونياً أو صفحة تعريفية على الإنترنت، وأن 72.5% منها تستخدم حلولاً رقمية لإدارة شؤونها اليومية.
هذا يعني أن الديكور الخارجي يبدو رقماً ممتازاً، ولكن عند الدخول في عمق “الابتكار”، نجد فجوة هائلة. 86% من هذه المؤسسات تصرح وتدرك تماماً بأن التكنولوجيا هي مفتاح الابتكار، لكن 19% منها فقط نجحت في تنفيذ نشاط ابتكاري حقيقي واحد على الأقل على أرض الواقع! والأكثر إثارة للقلق، أن 11% فقط من هذه الشركات استطاعت الاستفادة من برامج الدعم العمومي المخصصة للبحث والتطوير.
تصنيف النضج الرقمي: أين تقف الشركات التونسية؟
رسمت الدراسة خريطة واقعية لـ “النضج الرقمي” للشركات في تونس، وقسمتها إلى 5 أصناف، وجاءت النتيجة لتؤكد أن الغالبية العظمى ما زالت في خطواتها الأولى:
-
القدرة الاستيعابية الهشة (40.1%): وهي الحصة الأكبر؛ شركات تملك أدوات رقمية بسيطة لكنها تعجز عن تحويلها إلى قيمة اقتصادية مضافة.
-
إمكانات غير مستغلة (32.5%): شركات لديها بنية تحتية مقبولة، لكنها لا توظفها بشكل استراتيجي لتطوير الأداء والإنتاج.
-
الاستخدام التشغيلي (13.7%): تستعمل التكنولوجيا لتسيير الأمور اليومية الروتينية فقط.
-
النضج الرقمي المرتفع (7.8%): “النخبة التكنولوجية” الجاهزة تماماً لعصر الذكاء الاصطناعي والمنافسة العالمية.
-
القدرة الضعيفة جداً (5.8%): شركات خارج السياق الرقمي تماماً.
خارطة الطريق: 3 مسارات للمستقبل
لم تكتفِ الباحثة بتشخيص الداء بل قدمت الدواء عبر ثلاثة مسارات مرنة لدمج الذكاء الاصطناعي حسب وضعية كل مؤسسة:
-
المسار التدريجي: ترسيخ البنية التحتية الرقمية الأساسية أولاً وتنظيف البيانات وتجميعها، ثم التفكير لاحقاً في الذكاء الاصطناعي (يصلح للشركات الهشة).
-
المسار السريع: الانطلاق الفوري في تبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي والتحليلي لتعزيز التنافسية (يستهدف النخبة الـ 7.8%).
-
المسار المتكافئ والتكاملي: تطوير القدرات التكنولوجية بالتوازي مع تنفيذ تجارب عملية صغيرة ومحدودة الميزانية للذكاء الاصطناعي (يصلح للمؤسسات ذات الإمكانات غير المستغلة).
كيف ننقذ المستقبل؟
خرجت دراسة معهد (ITCEQ) بتوصيات عملية واضحة للحكومة والقطاع الخاص معاً: يجب أولاً تكثيف الاستثمار في تدريب وتنمية المهارات الرقمية للشباب التونسي (خاصة في علوم البيانات)، وتحديث نظم المعلومات، والأهم من ذلك تفعيل الشراكات الحقيقية بين المؤسسات الاقتصادية والجامعات ومراكز البحث. كبما بات من الضروري تبسيط ودعم آليات التمويل العمومي الموجهة للتحول الرقمي.
الذكاء الاصطناعي يطرق الأبواب بقوة، والبقاء في السوق التونسية أو العالمية لم يعد مضموناً بالطرق التقليدية. الكرة الآن في مرمى أصحاب المؤسسات: إما كسر حاجز الخوف من التغيير والاستثمار في العقول، أو البقاء خارج التاريخ الرقمي.










