منوعات

هل تعافت تونس اقتصادياً؟ قراءة في أرقام البنك المركزي التونسي لسنة 2025

نمو اقتصادي أفضل، تضخم تحت السيطرة، ولكن تحديات كبرى ما تزال قائمة

هل بدأت تونس فعلاً في تجاوز أزمتها الاقتصادية؟ أم أن التحسن المسجل في بعض المؤشرات لا يزال بعيداً عن أن يتحول إلى انتعاش يشعر به المواطن في حياته اليومية؟

هذا هو السؤال الأبرز بعد تقديم التقرير السنوي للبنك المركزي التونسي لسنة 2025، والذي كشف عن مجموعة من المؤشرات التي تعكس تحسناً نسبياً في أداء الاقتصاد التونسي، مقابل استمرار ضغوط هيكلية أبرزها العجز الطاقي وضعف الاستثمار وارتفاع كلفة المعيشة.

البنك المركزي يرصد تحسناً في الاستقرار المالي والنقدي

تسلّمت رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري التقرير السنوي للبنك المركزي التونسي لسنة 2025 خلال لقاء جمعها بمحافظ البنك المركزي فتحي زهير النوري بقصر الحكومة بالقصبة.

وأكدت الحكومة أن السياسة النقدية المنتهجة ساهمت في المحافظة على الاستقرار المالي، خاصة من خلال التحكم في التضخم، ودعم احتياطي العملة الأجنبية، والحفاظ على استقرار سعر الصرف.

كما أشارت إلى التخفيض في نسبة الفائدة الرئيسية مرتين خلال سنة 2025 لتستقر عند مستوى 7 بالمائة.

الاقتصاد التونسي يسجل نمواً بنسبة 2.5 بالمائة

وفق المعطيات التي قدمتها رئاسة الحكومة، سجل الاقتصاد التونسي خلال سنة 2025 نمواً بنسبة 2.5 بالمائة مقابل 1.6 بالمائة سنة 2024.

ويعود هذا التحسن، حسب التقديرات الرسمية، إلى عدة عوامل أهمها:

  • تحسن أداء القطاع الفلاحي.
  • ارتفاع نشاط الخدمات المسوقة، خاصة القطاع السياحي.
  • تحسن بعض القطاعات الصناعية.
  • تطور بعض الأنشطة الإنتاجية.

ويمثل هذا النمو، وفق الحكومة، مؤشراً على قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود أمام الظروف الدولية الصعبة والتقلبات الاقتصادية العالمية.

البطالة تتراجع والاستثمار الأجنبي يتحسن

لم يقتصر التحسن على النمو الاقتصادي فقط، إذ سجل سوق الشغل بدوره تطوراً إيجابياً نسبياً.

فقد تراجعت نسبة البطالة من 16.5 بالمائة سنة 2024 إلى 15.2 بالمائة سنة 2025، قبل أن تنخفض إلى حوالي 15 بالمائة خلال الثلاثي الأول من سنة 2026.

كما أعلنت الحكومة عن ارتفاع الاستثمارات الأجنبية المباشرة بحوالي 30 بالمائة، معتبرة ذلك مؤشراً على تحسن جاذبية الاقتصاد التونسي وثقة المستثمرين في آفاقه المستقبلية.

بداية 2026 تؤكد استمرار التحسن

واصل الاقتصاد التونسي تسجيل نتائج إيجابية خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، حيث بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الثلاثي الأول 2.6 بالمائة.

وساهم في هذا الأداء:

  • استمرار تحسن الإنتاج الفلاحي.
  • ارتفاع القيمة المضافة في قطاع الخدمات.
  • تحسن النشاط الصناعي، خصوصاً الصناعات الغذائية والميكانيكية والكهربائية.
  • تطور قطاع تكرير النفط.

هل تكفي هذه الأرقام لتحسين حياة المواطن؟

رغم المؤشرات الإيجابية التي قدمتها الحكومة، يبقى السؤال الأهم مرتبطاً بمدى انعكاس هذه النتائج على الحياة اليومية للتونسيين.

فالنمو الاقتصادي لا يُقاس فقط بنسبة ارتفاع الناتج المحلي، بل أيضاً بقدرة الاقتصاد على:

  • تحسين القدرة الشرائية.
  • خلق فرص عمل جديدة.
  • خفض الضغط على الأسر.
  • توفير خدمات عمومية أفضل.

وهنا تكمن أبرز التحديات التي ما تزال تواجه تونس.

العجز الطاقي والاستثمار أبرز الملفات العالقة

أقرت الحكومة بأن الاقتصاد التونسي ما يزال يواجه صعوبات هيكلية، وفي مقدمتها:

  • العجز الطاقي وتأثيره على التوازنات المالية والخارجية.
  • تقلب أسعار الطاقة عالمياً.
  • الحاجة إلى رفع مستوى الاستثمار المنتج.
  • ضرورة تحقيق نمو اقتصادي أكثر استدامة.

وأكدت أن الانتقال الطاقي وتنويع مصادر الطاقة أصبحا من الأولويات خلال المرحلة المقبلة.

دعوة للبنوك للمساهمة في تمويل الاقتصاد

وجهت رئيسة الحكومة رسالة واضحة إلى القطاع البنكي، داعية إياه إلى لعب دور أكبر في تمويل الاستثمار وعدم الاقتصار على النشاطات ذات العائد المالي السريع.

واعتبرت أن دعم المشاريع المنتجة وتمويل الاقتصاد الحقيقي يمثلان عاملاً أساسياً لخلق الثروة وتعزيز الإنتاج الوطني.

البنك المركزي يسرّع التحول الرقمي

من جانبه، أكد محافظ البنك المركزي التونسي أن سنة 2025 شهدت تقدماً في برامج تحديث المؤسسة، خاصة في مجالات:

  • رقمنة العمليات.
  • تطوير أنظمة الدفع.
  • تحديث البنية التكنولوجية.
  • استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.

وأشار إلى أن هذه التحولات تهدف إلى تعزيز كفاءة القطاع المالي ومواكبته للمعايير الدولية.

 تحسن اقتصادي أم بداية تعافٍ؟

تكشف أرقام سنة 2025 عن تحسن في عدد من المؤشرات الاقتصادية والمالية في تونس، لكنها لا تعني بالضرورة انتهاء الصعوبات.

فالاقتصاد التونسي يبدو أنه حقق قدرة أكبر على الصمود، لكن التحدي الأكبر يبقى تحويل هذا التحسن إلى نمو مستدام يشعر به المواطن عبر ارتفاع الدخل، تحسن الخدمات، وتوفير فرص العمل.

 

مقالات ذات صلة