منوعات

حين ننسى أن القناع ليس نحن: رحلة الإنسان من إرضاء الآخرين إلى استعادة ذاته

لماذا نتمسك بالشخصية التي صنعتها سنوات الخوف والحماية، حتى بعد أن تنتهي حاجتنا إليها؟

بقلم:  سعادة

في مرحلة ما من حياتنا، نتعلم أن نرتدي أقنعة.

ليس بالضرورة لأننا نريد أن نخدع الآخرين، وإنما لأننا نبحث عن شيء أكثر بساطة واحتياجًا: الحب، والقبول، والأمان.

نتعلم أن نكون الشخص المسؤول الذي يحمل الجميع.

والشخص المثالي الذي يخاف أن يخطئ.

والشخص القوي الذي لا يسمح لنفسه بالضعف.

والشخص المتسامح الذي يبتلع غضبه حتى لا يخسر أحدًا.

والشخص الذي يعرف دائمًا ماذا يقول وكيف يتصرف حتى يحافظ على صورته أمام الآخرين.

في البداية، قد يكون لهذا القناع معنى.

ربما حمانا في مرحلة معينة.

ربما ساعدنا على تجاوز تجربة لم نكن نملك الأدوات الكافية للتعامل معها.

وربما جعلنا نشعر بأننا أكثر أمانًا أو قبولًا.

لكن الإنسان لا يبقى في المرحلة نفسها طوال حياته.

وما كان يحميه بالأمس قد يتحول، من دون أن ينتبه، إلى ما يستنزفه اليوم.

عندما ننسى أننا نرتدي قناعًا

المشكلة الحقيقية ليست في القناع نفسه.

المشكلة تبدأ عندما نستمر في ارتدائه بعد أن تنتهي حاجتنا إليه.

ومع مرور السنوات، قد يحدث شيء أكثر عمقًا:

ننسى أن ما نفعله هو طريقة تعلمناها للتكيف.

ننسى أن هناك فرقًا بين «أنا» وبين الشخصية التي اضطررت إلى بنائها.

ثم نبدأ في الاعتقاد أن القناع هو نحن.

نقول:

«أنا هكذا.»

«أنا لا أستطيع أن أقول لا.»

«أنا يجب أن أكون قويًا.»

«أنا لا أتحمل أن أخطئ.»

«أنا مسؤول عن الجميع.»

لكن ربما لا يكون السؤال الحقيقي: من أنا؟

بل:

من تعلمت أن أكون حتى أشعر أنني محبوب وآمن ومقبول؟

التعب الذي لا نجد له تفسيرًا

عندما يعيش الإنسان طويلًا في محاولة للحفاظ على صورة معينة، فإن جزءًا كبيرًا من طاقته يذهب إلى حماية هذه الصورة.

ولهذا قد نشعر أحيانًا بتعب لا نفهم مصدره.

تعب من إرضاء الآخرين.

تعب من السيطرة على كل شيء.

تعب من محاولة الظهور بصورة معينة.

تعب من كبت الغضب.

تعب من قول «نعم» عندما يكون ما نحتاج إليه هو «لا».

وتعب من الاستمرار في لعب دور لم نعد نعرف لماذا ما زلنا نلعبه.

إنه ليس بالضرورة تعب الجسد وحده.

إنه أيضًا تعب محاولة إبقاء أجزاء أخرى من أنفسنا في الظل.

ماذا وضعنا في الظل؟

كل إنسان يحمل داخله أجزاء متعددة.

هناك أجزاء تعلمنا أن نظهرها لأنها كانت مقبولة.

وأجزاء أخرى تعلمنا أن نخفيها لأنها لم تكن مقبولة، أو لأنها لم تكن آمنة في مرحلة ما.

ربما أخفينا غضبنا.

وربما أخفينا ضعفنا.

وربما أخفينا احتياجاتنا.

وربما تعلمنا ألا نطلب شيئًا من أحد.

وربما أصبحنا شديدي القوة لأننا لم نجد في وقت ما من يسمح لنا بأن نكون ضعفاء.

لكن ما نضعه في الظل لا يعني بالضرورة أنه اختفى.

قد يظهر في صورة رد فعل مبالغ فيه.

أو خوف متكرر.

أو علاقة نعيد فيها النمط نفسه.

أو غضب لا نفهم سببه.

أو حساسية نشعر أنها عبء علينا.

وهنا يمكن أن تصبح علاقاتنا ومواقفنا اليومية مرايا تكشف لنا جوانب من أنفسنا لا نراها بسهولة.

الجزء الذي نرفضه قد يحمل شيئًا نحتاج إليه

أحيانًا نحاول التخلص من بعض أجزائنا بدل أن نفهمها.

نريد أن نتخلص من الخوف.

من الغضب.

من الحساسية.

من الحاجة إلى الآخرين.

من الضعف.

لكن ماذا لو لم يكن المطلوب التخلص منها؟

ماذا لو كان المطلوب أن نفهم الرسالة التي تحملها؟

خلف الخوف قد تكون شجاعة لم نستخدمها بعد.

وخلف الغضب قد تكون حدود لم نتعلم كيف نضعها.

وخلف حساسيتنا قد تكون قدرة عميقة على الشعور.

وخلف الجزء الذي حاولنا سنوات أن نخفيه، قد يكون شيء ثمين جدًا منا، انتظر طويلًا حتى نسمح له بالظهور.

ولهذا فإن الاقتراب من الجزء المرفوض لا يعني أن نحاكمه.

ولا يعني أن نبرر كل ما يفعله.

ولا يعني أن نترك مشاعرنا تقود حياتنا.

بل يعني أن نتوقف لحظة عن محاربته، ونحاول أن نفهمه.

ماذا يحاول أن يقول؟

ممَّ يحاول أن يحميني؟

وماذا خسرت عندما اضطررت إلى إخفائه؟

التكامل الداخلي ليس أن نصبح شخصًا جديدًا

ربما هنا تحديدًا تبدأ فكرة التكامل الداخلي.

التكامل ليس محاولة لصناعة شخصية مثالية.

وليس مشروعًا جديدًا نقول فيه لأنفسنا: «يجب أن أصبح أفضل».

بل هو التوقف عن تقسيم الذات إلى أجزاء تستحق الحب، وأجزاء يجب أن تختبئ.

أن نعترف بأننا يمكن أن نكون أقوياء وحساسين في الوقت نفسه.

طموحين ومتعبين.

غاضبين ومحبين.

بحاجة إلى الآخرين وقادرين على الاعتماد على أنفسنا.

نخطئ ونتعلم.

نضع حدودًا ونبقى أشخاصًا محبين.

فالإنسان المتكامل ليس الإنسان الذي اختفت منه التناقضات.

إنه الإنسان الذي أصبح أكثر قدرة على رؤيتها وفهمها والتعامل معها بوعي.

من «معرفة الذات» إلى الاقتراب منها

نحن نعيش في زمن تتوفر فيه آلاف الكتب والدورات والمحتويات التي تعلمنا كيف نفهم أنفسنا.

نعرف الكثير عن الشخصية.

عن العلاقات.

عن الذكاء العاطفي.

عن أنماط السلوك.

لكن المعرفة وحدها لا تعني دائمًا التغيير.

قد يعرف الإنسان تمامًا أنه يرضي الآخرين، ومع ذلك لا يستطيع قول «لا».

وقد يعرف أنه يخاف من الخطأ، ومع ذلك يستمر في مطاردة الكمال.

وقد يعرف أنه يغضب لأن حدوده منتهكة، لكنه لا يعرف كيف يضع تلك الحدود.

لذلك قد يكون الانتقال الحقيقي ليس من «عدم معرفة الذات» إلى «معرفتها»، وإنما من معرفة الذات إلى الاقتراب منها بصدق.

أن نلاحظ.

أن نشعر.

أن نعبر.

أن نسمح لأنفسنا برؤية ما اعتدنا إخفاءه.

وأن نبدأ، خطوة بعد أخرى، في استعادة العلاقة مع أنفسنا.

ماذا لو لم تكن بحاجة إلى أن تصبح شخصًا آخر؟

ربما السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس:

كيف أصبح شخصًا أفضل؟

بل:

أي أجزاء مني تخليت عنها حتى أصبح مقبولًا؟

قد لا تكون الإجابة سهلة.

وقد لا تظهر في جلسة واحدة أو في لحظة تأمل واحدة.

لكن مجرد طرح السؤال يمكن أن يغير الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا.

لأن التغيير الحقيقي لا يبدأ دائمًا من الرغبة في الهروب من الذات.

أحيانًا يبدأ من العودة إليها.

من المصالحة مع الأجزاء التي أخفيناها.

ومن فهم الأقنعة التي ارتديناها طويلًا.

ومن إدراك أن ما حمانا في الماضي ليس بالضرورة ما نحتاج إليه اليوم.

التكامل لا يعني أن تصبح شخصًا جديدًا.

قد يعني ببساطة أن تتوقف عن ترك أجزاء منك خلفك.

وربما، بعد سنوات من محاولة أن نكون الشخص الذي يحتاجه الآخرون، تكون أجمل رحلة هي أن نعود أخيرًا إلى أنفسنا كاملة.

— الكوتش سعادة

مقالات ذات صلة