اليمن يدخل مرحلة تصعيد جديدة.. 474 عملية عسكرية وتعز في قلب المعارك وتحذيرات من كارثة غذائية
معارك متصاعدة على جبهات تعز وغارات تطال صنعاء وصعدة، فيما يتجاوز عدد النازحين 152 ألفاً وتواجه ثلاثة أرباع الأسر في مناطق حكومية صعوبات في تأمين احتياجاتها الغذائية الأساسية

اليمن – شمس اليوم
اليمن – شمس تتسع رقعة المواجهات في اليمن مع دخول المعارك مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ مئات العمليات العسكرية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، بالتزامن مع اشتداد القتال في محافظة تعز وامتداد الضربات إلى مناطق في صنعاء وصعدة ومحافظات أخرى.
وأعلنت القوات الحكومية اليمنية، الجمعة، تنفيذ 474 عملية عسكرية استهدفت مواقع وتحركات وتعزيزات وقدرات عسكرية تابعة للحوثيين على عدد من الجبهات، وقالت إن معظم العمليات تركزت في تعز. كما أعلنت لاحقاً تنفيذ 71 عملية استهداف في تعز وحدها خلال يوم السبت. وهذه الأرقام تمثل بيانات صادرة عن القوات الحكومية ولم تُتحقق منها بشكل مستقل.
تعز.. مركز الثقل في المعارك
تتركز المواجهات الأشد في محافظة تعز، حيث تدور اشتباكات على عدة محاور، بينها الأقروض وسما والأحكوم والأكبوش وجبل راسن وجبل جرداد وبني عمر وبني بكاري والكعوش والعواوير، وفق ما أعلنته القوات الحكومية.
وقالت القوات الحكومية إن عملياتها استهدفت تجمعات وتعزيزات ومواقع للحوثيين، إضافة إلى مركبات نقل ودعم، فيما لم تقدم حصيلة مستقلة للضحايا الناتجين عن تلك العمليات.
وكانت القوات الحكومية قد أعلنت في اليوم السابق تنفيذ 20 غارة جوية خلال ثلاث ساعات في تعز، استهدفت، بحسب روايتها، أفراداً وتحركات ومركبات ومعدات عسكرية تابعة للحوثيين. وتحدثت مصادر محلية نقلت عنها وكالة رويترز عن انتشار القتال على نطاق واسع في المحافظة وإغلاق طرق عدة أمام الحركة.
وتبرز أهمية تعز في موقعها الجغرافي وصلاتها بالطرق التي تربط شمال اليمن بجنوبه وبالساحل الغربي، ما يجعل تطورات القتال فيها ذات تأثير يتجاوز حدود المحافظة.
من تعز إلى صنعاء وصعدة
وبالتوازي مع المعارك البرية، امتدت المواجهة إلى المجال الجوي، مع تقارير عن غارات وانفجارات في صنعاء ومناطق أخرى.
وأفادت تقارير اليوم السبت بسماع انفجارات في العاصمة صنعاء، بينما أعلنت وسائل إعلام حوثية أن غارات سعودية استهدفت مناطق في العاصمة، كما تحدثت عن ضربات طالت شبكة الاتصالات في محافظة صعدة. ولم تتوافر، في المصادر المستقلة التي راجعتها، حصيلة موثوقة للضحايا أو تأكيد مستقل لجميع المواقع التي استهدفتها تلك الضربات.
وفي المقابل، قالت وسائل إعلام حوثية إن 94 غارة استهدفت مناطق عدة خلال 24 ساعة، وهي حصيلة تبقى منسوبة إلى الجماعة ولم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة.
القوات الحكومية تتحدث عن 1540 قتيلاً وجريحاً في صفوف الحوثيين
وفي تطور آخر، أعلنت القوات الحكومية اليمنية أنها نفذت 474 عملية خلال 24 ساعة، وقال المتحدث العسكري مجيد عبدالله النزيلي إن العمليات أدت، وفق تقديرات الجيش، إلى مقتل أو إصابة 1540 من عناصر الحوثيين، معظمهم في جبهات تعز.
وتشمل هذه الحصيلة، بحسب الإعلان العسكري، عمليات بالطائرات المسيّرة والمدفعية والصواريخ والطيران، واستهدفت مواقع وتحركات وتعزيزات ومراكز قيادة وسيطرة.
ولا توجد حتى الآن جهة مستقلة تؤكد هذه الحصيلة، ولذلك تبقى في إطار التقديرات التي أعلنتها القوات الحكومية.
وفي المقابل، أفادت مصادر على جانبي القتال لوكالة فرانس برس بأن المعارك في منطقة تعز خلال يوم واحد خلفت عشرات القتلى من المقاتلين، وقدرت تلك المصادر العدد الإجمالي بنحو 80 مقاتلاً، من دون أن يكون الرقم قابلاً للتحقق المستقل الكامل.
التوتر يمتد إلى السعودية
ولا تتوقف تداعيات التصعيد عند الأراضي اليمنية، إذ تواصلت الهجمات الصاروخية باتجاه الأراضي السعودية.
وأعلنت السلطات السعودية اعتراض صاروخ باليستي في منطقة عسير، وقال الدفاع المدني إن شظايا الاعتراض سقطت في محافظة أحد رفيدة، ما أدى إلى إصابة شخص وأضرار مادية.
ويأتي ذلك في سياق تصعيد إقليمي متزامن مع اتساع العمليات على الجبهات اليمنية، ما يضيف بعداً إقليمياً إلى المواجهات الداخلية المستمرة.
أكثر من 152 ألف نازح خلال أسابيع
وخلف التصعيد العسكري موجة نزوح واسعة.
وقالت الأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي إن أكثر من 152 ألف شخص نزحوا خلال الأسابيع الأخيرة نتيجة تجدد القتال، فيما تشير بيانات منظمة الهجرة الدولية إلى أن أكثر من 149 ألف شخص نزحوا خلال الفترة نفسها، مع وجود أعداد كبيرة من الأسر التي سبق أن تعرضت للنزوح.
وفي تعز ولحج ومحيط عدن، تصل عائلات نازحة إلى مناطق جديدة وهي تفتقر إلى الغذاء والمياه، فيما اضطرت بعض الأسر إلى الفرار للمرة الثانية أو الثالثة وحتى الرابعة بسبب استمرار القتال.
وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من 3700 شخص فروا من اليمن إلى جيبوتي عبر باب المندب منذ تصاعد المواجهات، ما يعكس امتداد التداعيات الإنسانية إلى خارج الحدود.
74% من الأسر عاجزة عن تأمين احتياجاتها الغذائية
وفي أخطر المؤشرات الإنسانية، أعلن برنامج الأغذية العالمي أن 74% من الأسر في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية التي تمكن البرنامج من الوصول إليها لم تعد قادرة على تأمين احتياجاتها الغذائية الأساسية، وهي أعلى نسبة يسجلها البرنامج خلال العام الحالي.
ويرتبط هذا التدهور بالنزوح وتعطل الأسواق وارتفاع الأسعار وصعوبة وصول المساعدات إلى مناطق المواجهات. كما ارتفعت أسعار دقيق القمح في أجزاء من تعز بنحو 10% خلال أسبوعين، وفق بيانات نقلتها وكالات الأمم المتحدة.
ويواجه اليمن بصورة عامة 18.3 مليون شخص حالة انعدام حاد في الأمن الغذائي، بينهم نحو 2.2 مليون طفل دون الخامسة يعانون سوء التغذية الحاد، وفق أحدث بيانات برنامج الأغذية العالمي.
الطرق والإمدادات تحت ضغط المعارك
وتضاعف المعارك الضغط على حركة المدنيين والإمدادات الإنسانية، خصوصاً في تعز.
وكانت السلطات قد أغلقت، وفق مصادر عسكرية تحدثت إلى رويترز، نحو 19 طريقاً مؤدياً إلى المحافظة، بينها الطريق الرئيسي الرابط بين جنوب صنعاء وتعز، بعدما جرى تصنيفها مناطق عمليات عسكرية.
ويعني استمرار إغلاق الطرق أو صعوبة المرور فيها أن الأزمة لا تتعلق فقط بوصول السكان إلى مناطق آمنة، بل أيضاً بقدرة المنظمات الإنسانية على نقل الغذاء والدواء والوقود إلى المناطق المتضررة.
وقال برنامج الأغذية العالمي إن القتال أدى بالفعل إلى قطع الوصول إلى أجزاء من تعز والحديدة، ما يحول دون وصول المساعدات إلى نحو 350 ألف شخص كانوا ضمن نطاق عمليات الإغاثة.
أزمة اليمن تتجاوز الجبهة العسكرية
وتكشف التطورات الأخيرة أن التصعيد في اليمن لم يعد يقاس فقط بعدد الغارات أو خطوط التماس، بل بقدرته على إعادة تشكيل حياة ملايين المدنيين.
فمع كل توسع في العمليات العسكرية، تتقلص قدرة الأسر على الوصول إلى الغذاء والمياه والخدمات الصحية، وتتزايد أعداد النازحين، بينما تتعرض طرق الإمداد والأسواق لضغوط إضافية.
ويحذر برنامج الأغذية العالمي من أن استمرار القتال قد يؤدي إلى اتساع أزمة الجوع، في بلد يعتمد على استيراد نحو 90% من احتياجاته الغذائية، ما يجعل اضطراب التجارة والنقل والموانئ والممرات البحرية عاملاً مباشراً في الأمن الغذائي.
باب المندب.. البعد الإقليمي للأزمة
وتكتسب التطورات أهمية إضافية بسبب موقع اليمن على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، وهو باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
وحذر برنامج الأغذية العالمي من أن استمرار الاضطراب حول باب المندب، بالتزامن مع التوتر في مضيق هرمز واضطرابات ممرات بحرية أخرى، يمكن أن يرفع تكاليف الغذاء والطاقة ويزيد الضغوط على الأسواق خارج اليمن أيضاً.
اليمن أمام معادلة عسكرية وإنسانية مفتوحة
وبينما تتواصل المعارك في تعز وتمتد الضربات إلى صنعاء وصعدة، تبدو الكلفة الإنسانية للتصعيد أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
474 عملية عسكرية معلنة، و71 عملية في تعز، وأكثر من 152 ألف نازح، و74% من الأسر غير القادرة على تأمين احتياجاتها الغذائية الأساسية؛ أرقام ترسم صورة لصراع يتجاوز الحسابات الميدانية ليضغط مباشرة على حياة السكان وعلى قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة.
وفي ظل استمرار القتال وصعوبة الوصول إلى مناطق عدة، يبقى المسار العسكري مفتوحاً على مزيد من التطورات، فيما تتحرك الأزمة الإنسانية بسرعة أكبر من قدرة الاستجابة على احتوائها.