تونسفن و ثقافة

صدور كتاب جديد حول تمكين المرأة للناشطة الحقوقية الدكتورة عقيلة بالطيب يفتح آفاق التغيير أمام المرأة و يعيد طرح سؤال التمكين في زمن التحولات

 

في سياق التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم، وما تفرضه من إعادة ترتيب للأولويات التنموية، برزت قضايا تمكين المرأة كإحدى الركائز الأساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة. وفي هذا الإطار، صدر مؤخراً كتاب بعنوان “تمكين المرأة: بداية التغيير” للباحثة والدكتورة عقيلة بالطيب، القيادية ضمن شبكة إعلام المرأة العربية، والمكلفة بملف تمكين المرأة، إضافة إلى مهامها كمنسق عام للشبكة في تونس. وقد راكمت الكاتبة تجربة مهنية وميدانية ثرية في مجالات المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن والعمل الاجتماعي، مما أضفى على هذا الإصدار بعداً تطبيقياً يستند إلى واقع الممارسة والتجربة.
ويأتي هذا المؤلَّف في لحظة تاريخية تتزايد فيها التحديات المرتبطة بقضايا المساواة بين الجنسين، حيث لم يعد تمكين المرأة يُنظر إليه كمسألة قطاعية أو مطلب فئوي، بل أصبح خياراً استراتيجياً يندرج ضمن السياسات الكبرى للدول .
ومن هذا المنطلق، يُعد هذا العمل محاولة جادة لتفكيك إشكاليات التمكين في أبعادها المختلفة، من خلال مقاربة شمولية تجمع بين التحليل النظري والاستقراء الميداني.
وتتناول الكاتبة مفهوم تمكين المرأة باعتباره عملية مركبة تتداخل فيها الأبعاد الحقوقية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مؤكدة أن التمكين الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون إعادة النظر في المنظومات الفكرية والسياسات العمومية التي تحدد وتشكل وضعية المرأة داخل المجتمع. كما تبرز أن التمكين لا يقتصر على سنّ التشريعات، بل يتطلب تفعيلها وضمان نفاذها على أرض الواقع، بما يحقق تكافؤ الفرص ويعزز مشاركة المرأة في مختلف مجالات الحياة.
ويتميّز هذا الإصدار بتبنّيه مقاربة تحليلية معمّقة، حيث تسلط الكاتبة الضوء على آليات التمكين الاقتصادي، من خلال دعم المبادرات النسائية وتعزيز ريادة الأعمال والاستثمار وبعث المشاريع ، إلى جانب التمكين الاجتماعي الذي يقوم على تحسين ظروف العيش وضمان الحماية الاجتماعية، إضافة إلى التمكين الثقافي الذي يسعى إلى تغيير الصور النمطية وتعزيز مكانة المرأة في الوعي المجتمعي.

كما تتناول الكاتبة التمكين السياسي باعتباره أحد المرتكزات الجوهرية في مسار تحقيق المساواة الفعلية، من خلال التأكيد على ضرورة تعزيز حضور المرأة في مواقع اتخاذ القرار، وتوسيع نطاق مشاركتها في الحياة السياسية والعامة على أسس تكافؤ الفرص والعدالة التمثيلية. بما يضمن قدرة المرأة على التأثير في صياغة السياسات العمومية وصناعة القرار. كما تربط الكاتبة بين التمكين السياسي ومفهوم المواطنة الكاملة، باعتبارهما عنصرين متلازمين يهدفان إلى إعادة التوازن داخل البنية المجتمعية، وتعزيز مقومات الديمقراطية التشاركية، بما يكرّس حضور المرأة كشريك استراتيجي في مسارات الحكم والتنمية وصياغة المستقبل.

كما تبرز أهمية السياسات العمومية في دعم هذه المسارات، من خلال اعتماد استراتيجيات مندمجة تراعي خصوصيات النساء والفتيات واحتياجاتهن.
وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة عقيلة بالطيب في أحد مقاطع الكتاب أن:
“إن تمكين المرأة ليس خياراً ثانوياً، بل هو المدخل الحقيقي لبناء مجتمعات عادلة وقادرة على تحقيق التنمية المستدامة.”
وهو تصريح يعكس رؤية استراتيجية تعتبر أن تحقيق التنمية لا يمكن أن يتم بمعزل عن إدماج المرأة كفاعل أساسي في مختلف المجالات.
كما تشير في موضع آخر إلى أن:
“بداية التغيير تنطلق من وعي المرأة بذاتها، ومن قدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، بدعم من سياسات عادلة وإرادة مجتمعية صادقة.”
وهو طرح يبرز أهمية التمكين الذاتي إلى جانب التمكين المؤسساتي، في إطار علاقة تكاملية تضمن استدامة التغيير.
ولا تغفل الكاتبة عن التحديات البنيوية التي لا تزال تعيق مسارات التمكين، حيث تؤكد على ضرورة مناهضة العقلية الذكورية التي تُكرّس التمييز وتحدّ من فرص النساء والفتيات في المشاركة الفاعلة. وتعتبر أن هذه العقلية ليست مجرد سلوك فردي، بل هي منظومة ثقافية متجذرة تتطلب معالجة عميقة وشاملة، من خلال التربية والتعليم والإعلام والسياسات العمومية.
وفي المقابل، تشدد الكاتبة على أهمية مساندة الرجال ودعمهم لمسارات التمكين، باعتبارهم شركاء أساسيين في إرساء ثقافة المساواة. وترى أن تحقيق التمكين لا يمكن أن يتم في إطار صراع بين الجنسين، بل من خلال شراكة قائمة على الاحترام المتبادل والإيمان المشترك بقيم العدالة وتكافؤ الفرص.
ويرتكز هذا الأثر الفكري على مجموعة من المفاهيم الأساسية، من بينها الحوكمة الرشيدة، والمشاركة الفاعلة، وبناء القدرات، حيث تعتبر الكاتبة أن هذه المفاهيم تمثل الأساس لأي سياسة ناجعة في مجال تمكين المرأة. كما تؤكد على أهمية التعليم والتكوين كرافعة استراتيجية لإحداث التغيير، مشددة على أن الاستثمار في رأس المال البشري النسائي يُعد من أبرز عوامل تحقيق التنمية المستدامة.
كما يطرح الكتاب تساؤلات عميقة حول فعالية السياسات الحالية، ومدى قدرتها على الاستجابة للتحديات الراهنة، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية العالمية، وارتفاع نسب البطالة، واتساع الفجوة بين الجنسين في بعض المجالات. وفي هذا السياق، تدعو الكاتبة إلى اعتماد مقاربات مبتكرة تتجاوز الحلول التقليدية، وتستند إلى معطيات علمية وتحليل دقيق للواقع.
ويكتسي هذا المؤلَّف أهمية خاصة بالنظر إلى المسار المهني للكاتبة، التي جمعت بين العمل المؤسساتي والنشاط المدني، حيث تقلدت عدة مسؤوليات في مجالات المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن ، وأسهمت في تنفيذ برامج ومبادرات تهدف إلى تحسين أوضاع الفئات الهشة. وقد انعكس هذا التراكم المعرفي والمهني على مضمون الكتاب، الذي جاء مشبعاً بروح التجربة والممارسة.
ولا يقتصر هذا العمل على الجانب التحليلي، بل يتضمن أيضاً بعداً استشرافياً، حيث تقدم الكاتبة جملة من التوصيات العملية التي تهدف إلى تعزيز مسارات التمكين، من بينها دعم السياسات الداعمة للمرأة، وتطوير برامج التكوين والتأهيل، وتعزيز مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار، إضافة إلى تشجيع المبادرات الاقتصادية النسائية.
وقد تم عرض هذا الإصدار ضمن فعاليات المعرض الدولي للكتاب، في فضاء دار الأطرش لنشر الكتاب المختص، حيث لقي اهتماماً من قبل الزوار والمهتمين بالشأن الثقافي والفكري. كما تم تقديمه خلال حفل توقيع مميز بحضور نخبة من المثقفين والإعلاميين، من بينهم الشاعر القدير السيد لطفي عبد الواحد، والصحفي صاحب القلم الحر السيد عبد الكريم اللواتي، اللذان أثريا اللقاء بمداخلات قيّمة أشادت بمضمون الكتاب وأهميته في المرحلة الراهنة.
وقد أكد المتدخلون أن هذا الإصدار يمثل إضافة نوعية للمكتبة العربية، لما يتضمنه من طرح علمي رصين يجمع بين النظرية والتطبيق، ويساهم في إثراء النقاش حول قضايا المرأة من منظور شمولي. كما اعتبروا أن هذا العمل يعكس التزام الكاتبة بقضايا المجتمع، وسعيها إلى إحداث تأثير إيجابي من خلال الإنتاج الفكري.
ويُعد هذا المؤلَّف إضافة نوعية للمكتبة العربية في مجال قضايا المرأة، حيث يعكس تجربة الكاتبة الغنية ومسيرتها الطويلة في خدمة المجتمع، كما يمثل دعوة مفتوحة للنساء من أجل تعزيز ثقتهن بأنفسهن والانخراط في مسارات التغيير. ويُنتظر أن يحظى باهتمام واسع من قبل القرّاء والباحثين وصناع القرار، نظراً لما يتضمنه من أفكار عميقة ورؤية متكاملة.
وفي الختام، يمكن القول إن كتاب “تمكين المرأة: بداية التغيير” لا يندرج فقط ضمن الإصدارات الفكرية، بل يمثل مشروعاً مجتمعياً متكاملاً يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين المرأة والمجتمع، ويؤكد أن تمكين المرأة هو المدخل الأساسي لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة، قائمة على العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، بما يضمن بناء مستقبل أكثر توازناً وإنصافاً للأجيال القادمة. ويأتي هذا العمل أيضاً في انسجام مع الأدوار التي تضطلع بها شبكة إعلام المرأة العربية في دعم قضايا النوع الاجتماعي، وإبراز الجهود الفكرية والميدانية الهادفة إلى تعزيز حضور المرأة في مختلف المجالات، بما يعكس التزاماً جماعياً متواصلاً بترسيخ ثقافة المساواة وتمكين المرأة كفاعل أساسي في مسارات التنمية والتحول المجتمعي العربي .

الدكتورة عقيلة بالطيب
مستشارة وقيادية ضمن شبكة اعلام المرأة العربية بمصر ومنسقة عامة للشبكة في تونس
مديرة إقليم الشمال الشرقي لشؤون المرأة والاسرة والطفولة وكبار السن بوزارة المرأة سابقا

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى