مقالاتالرئيسيةالسعوديةاليمن

اتفاق مكة وإعادة رسم التوازنات الإقليمية…من مضيق هرمز إلى الشراكة مع أوروبا

كتب سعيد فارس السعيد

 

اتفاق مكة وإعادة رسم التوازنات الإقليمية…

 

من مضيق هرمز إلى الشراكة مع أوروبا

 

 

تدخل المنطقة مرحلة دقيقة قد تفتح الباب أمام إعادة صياغة التوازنات الأمنية والسياسية، في ظل تصاعد التحديات الإقليمية والدولية، وتزايد الحاجة إلى منظومة أمنية تضمن استقرار المنطقة وتحمي مصالح دولها، بعيدًا عن الارتهان الكامل للقوى الخارجية.

 

وفي هذا السياق، تبرز فكرة اتفاق مكة بوصفها إطارًا استراتيجيًا محتملًا قد ينطلق من تفاهمات بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، ثم يتوسع، إذا توافرت الإرادة السياسية، ليشمل إيران والعراق وسورية، وصولًا إلى صيغة إقليمية أوسع لإدارة الملفات الأمنية والاقتصادية المشتركة.

 

إن أهمية هذا المسار، إن تحقق، لا تقتصر على جمع دول إقليمية مؤثرة حول طاولة واحدة، بل قد تمتد إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن الإقليمي، وفي طبيعة الوجود العسكري الأجنبي، وفي العلاقة المستقبلية بين دول المنطقة والولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا.

 

___آلية الانتقال الأمني التدريجي

 

إن الانتقال من واقع أمني يعتمد بدرجة كبيرة على الوجود العسكري الأجنبي إلى منظومة أمنية إقليمية مستقلة لا يمكن أن يتم بقرارات مفاجئة أو بخطوات أحادية، بل يحتاج إلى مسار تدريجي واضح، يستند إلى التفاهمات والضمانات المتبادلة، ويمكن تصوره عبر أربع مراحل مترابطة:

 

المرحلة الأولى:

بناء الثقة والتفاهمات السياسية والأمنية.

 

تبدأ بتوافق الدول المعنية على مبادئ أساسية، في مقدمتها احترام السيادة ووحدة الأراضي، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتسوية الخلافات بالوسائل السياسية.

ويُفترض أن تترافق هذه الخطوة مع إنشاء قنوات اتصال دائمة، وآليات لتبادل المعلومات، وتنسيق الإجراءات التي تحد من احتمالات سوء التقدير والتصعيد العسكري.

 

المرحلة الثانية: تأسيس منظومة أمن إقليمي مشتركة.

 

تتطلب هذه المرحلة إنشاء آليات عملية للتنسيق بين دول المنطقة، تشمل الإنذار المبكر، والتواصل عند وقوع الأزمات، وحماية المنشآت الحيوية، وأمن الطاقة والممرات البحرية، والتعاون في عمليات الإنقاذ والاستجابة للحوادث.

كما تحتاج إلى قواعد واضحة للتحقق من الالتزامات، بما يجعل الضمانات المتبادلة قابلة للتطبيق، لا مجرد إعلانات سياسية.

 

المرحلة الثالثة:

إعادة تنظيم الوجود العسكري الأجنبي وتقليصه تدريجيًا.

 

عندما تتقدم التفاهمات الإقليمية، وتصبح المنظومة المشتركة قادرة على أداء مهام أمنية ملموسة، يمكن فتح مفاوضات مع الولايات المتحدة وبريطانيا بشأن إعادة تنظيم وجودهما العسكري، وصولًا إلى تقليصه تدريجيًا، وفق اتفاقات واضحة وجداول زمنية متفق عليها.

ولا ينبغي أن يكون هذا التقليص هدفًا منفصلًا عن بقية المسار، بل نتيجة لتقدم الضمانات الأمنية الإقليمية. ويمكن مراجعة التنفيذ دوريًا، مثل كل ستة أشهر، استنادًا إلى مؤشرات عملية، منها انخفاض الحوادث العسكرية، واستمرار حرية الملاحة، وقدرة دول المنطقة على احتواء الأزمات، والالتزام بمبادئ عدم الاعتداء واحترام السيادة.

 

المرحلة الرابعة:

تثبيت المسؤولية الإقليمية وتطوير الشراكات الدولية.

 

بعد بناء القدرات المشتركة وترسيخ الثقة، تصبح دول المنطقة أكثر قدرة على تولي مسؤولية أمنها بصورة مباشرة، مع استمرار التعاون مع الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي وسائر الشركاء الدوليين في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والتدريب والتبادل الدبلوماسي، وفق احتياجات الدول المعنية واتفاقاتها السيادية.

وبذلك لا يكون التحول قطيعة مع الغرب، ولا استبدال نفوذ خارجي بآخر، بل إعادة توازن للعلاقات على أساس المصالح المتبادلة واحترام استقلال القرار الإقليمي.

 

__لماذا قد يكون هذا التحول في مصلحة الولايات المتحدة أيضًا؟

 

إن إعادة النظر في الوجود العسكري الأجنبي لا تعني بالضرورة الدخول في مواجهة مع واشنطن أو لندن.

 

فقد تجد الولايات المتحدة، في مرحلة معينة، أن دعم منظومة أمن إقليمي موثوقة، تقوم فيها دول المنطقة بدور أكبر في حماية مصالحها، يتيح لها إعادة توزيع مواردها العسكرية، وتقليل أعباء الانتشار طويل الأمد، مع الحفاظ على علاقاتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.

 

ومن هذا المنطلق، فإن توسع أي تفاهم إقليمي ليشمل السعودية وتركيا وباكستان، ثم إيران والعراق وسورية، قد يدفع واشنطن إلى مراجعة حساباتها، إذا اقتنعت بأن المنظومة الجديدة قادرة على الحد من النزاعات وحماية الممرات الحيوية ومنع تهديد المصالح الدولية.

 

لكن ذلك يبقى احتمالًا استراتيجيًا مشروطًا، وليس نتيجة حتمية؛

 

فالقرار الأمريكي سيتأثر بطبيعة التفاهمات، ومدى تماسكها، والضمانات التي تقدمها، وموقف الدول المعنية منها.

 

_أوروبا شريك اقتصادي واستراتيجي.

 

إن توسيع الشراكة مع الاتحاد الأوروبي يمكن أن يشكل امتدادًا مهمًا لأي منظومة أمن إقليمي ناجحة. فأوروبا معنية باستقرار أسواق الطاقة، وسلامة طرق التجارة، وأمن الملاحة، كما أن لديها مصالح اقتصادية واستثمارية واسعة مع دول الخليج والشرق الأوسط.

ومن هنا، يمكن العمل على صيغة تعاون إقليمي–أوروبي تضمن حماية المصالح المشتركة، وتدعم التنمية والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة، وتوفر قنوات للتنسيق السياسي والدبلوماسي عند الأزمات.

ولا يتعارض هذا المسار مع استمرار العلاقات مع الولايات المتحدة وبريطانيا؛

 

بل يمكن أن يفتح الباب أمام شراكات أكثر توازنًا، تتراجع فيها الحاجة إلى الاعتماد الدائم على القواعد العسكرية الأجنبية، كلما تعززت قدرة دول المنطقة على إدارة شؤونها الأمنية.

 

___مضيق هرمز… الاختبار العملي.

 

يبقى مضيق هرمز أحد أبرز الاختبارات لأي منظومة أمنية إقليمية مقترحة، نظرًا إلى أهميته في حركة التجارة وإمدادات الطاقة العالمية، وانعكاس أمنه المباشر على اقتصادات دول المنطقة وأوروبا والعالم.

إن حماية الملاحة في هذا الممر لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة دائمة للتوتر أو إلى مجال للتنافس العسكري، بل يمكن أن تكون نقطة انطلاق لتعاون إقليمي ودولي يضمن حرية الملاحة، ويحترم القانون الدولي، ويمنع استخدام الممرات البحرية وسيلة للضغط السياسي أو التصعيد العسكري.

ويمكن لدول المنطقة، بالتعاون مع الشركاء الدوليين، تطوير آليات للتنسيق البحري، وتبادل المعلومات، والاستجابة للحوادث، بما يحمي التجارة والطاقة ويحد من مخاطر المواجهة.

من التبعية الأمنية إلى الشراكة المتوازنة

إن جوهر الفكرة لا يكمن في الانسحاب الأجنبي بحد ذاته، بل في بناء قدرة إقليمية حقيقية على حماية الاستقرار، وإدارة الخلافات، ومنع الحروب، وصون السيادة الوطنية.

فالأمن الذي يقوم على تفاهمات إقليمية راسخة، ومصالح اقتصادية مشتركة، وآليات فعالة لاحتواء الأزمات، يمكن أن يمنح دول المنطقة مساحة أوسع لاتخاذ قراراتها بصورة مستقلة، مع الحفاظ على علاقاتها الدولية وتطويرها.

وقد يشكل اتفاق مكة، إذا تبلور واتسع نطاقه، مدخلًا لمناقشة هذه الرؤية، شريطة ألا يبقى عنوانًا سياسيًا عامًا، بل يتحول إلى مسار عملي يقوم على الالتزامات المتبادلة، والشفافية، واحترام سيادة الدول، والقدرة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

إن مستقبل أمن المنطقة ينبغي أن يكون مسؤولية دولها أولًا، وأن تُبنى علاقاتها الدولية على الشراكة والمصالح المتبادلة، لا على الاعتماد الدائم على الوجود العسكري الأجنبي. أما الانتقال إلى هذا الواقع، فلا يتحقق بالشعارات أو القرارات المتسرعة، بل بخطوات تدريجية مدروسة، تضمن الأمن والاستقرار وتحمي مصالح الجميع.

 

 

سعيد فارس السعيد

كاتب باحث استراتيجي مستقل، متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني

صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام

23 تشرين الأول/أكتوبر 2026

أ

مقالات ذات صلة