تونس : من عجز الطاقة إلى رهانات الإنتاج والسيادة الاقتصادية: أيّ استراتيجية لتأمين المستقبل؟
ليست أخطر الأزمات الاقتصادية تلك التي تظهر في الأرقام وحدها، بل تلك التي تتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتُضعف قدرة المؤسسات على الإنتاج، وتُضيّق هامش الحركة أمام الدولة، وتؤجّل أحلام الاستثمار والتنمية. وملف الطاقة في تونس ينتمي إلى هذا النوع من التحديات؛ فهو لا يتعلق فقط بكلفة الكهرباء والوقود، بل بمستقبل الاقتصاد، وبقدرة البلاد على إنتاج ثروتها بدل استنزاف مواردها في تغطية حاجاتها الأساسية.
حين تضطر دولة إلى تخصيص موارد متزايدة لتأمين الطاقة التي تحتاجها، فإن المسألة تتجاوز حدود القطاع نفسه. فالأموال التي تُنفق على التوريد لا يمكن توجيهها في الوقت ذاته إلى تحديث المصانع، وتطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات، وتمويل المشاريع المنتجة. كما أن ارتفاع كلفة الطاقة ينعكس على المؤسسة الصناعية والفلاحية، وعلى النقل والخدمات، ويؤثر في الأسعار والقدرة التنافسية وفرص العمل.
وهنا تكمن المفارقة التونسية: البلاد تمتلك إمكانات مهمة في الطاقة الشمسية والرياح، وتتوفر فيها كفاءات قادرة على تطوير الحلول التقنية، كما تحتل موقعًا جغرافيًا يتيح لها فرصًا للتعاون الطاقي مع محيطها الأوروبي والإفريقي. ومع ذلك، ما زالت تواجه فجوة متزايدة بين حاجاتها من الطاقة وما تستطيع توفيره من موارد محلية.
وتؤكد المؤشرات الرسمية حجم التحدي. فقد بلغت نسبة الاستقلالية الطاقية في تونس 32 بالمائة في موفى أوت 2026، مقابل 36 بالمائة خلال الفترة نفسها من السنة السابقة، فيما وصل إجمالي القدرة الكهربائية المركزة من الطاقات المتجددة إلى 1186 ميغاواط. كما سجل ميزان الطاقة الأولية عجزًا بنحو 6.3 ملايين طن مكافئ نفط خلال سنة 2025، وفق بيانات المرصد الوطني للطاقة والمناجم.
هذه الأرقام ليست مجرد معطيات تقنية تُقرأ في التقارير، بل إشارات إلى ضرورة مراجعة الخيارات الاقتصادية وطريقة إدارة الموارد والاستثمارات. وهي تطرح سؤالًا يتجاوز كيفية توفير الطاقة إلى كيفية توظيفها في بناء اقتصاد أكثر إنتاجًا وقدرة على الصمود.
فالتحدي الحقيقي أمام تونس ليس أن تدفع أقلّ مقابل الطاقة فحسب، بل أن تجعل كل استثمار في هذا القطاع خطوة نحو خلق الثروة، وتطوير الصناعة، وتأمين مستقبل الأجيال القادمة.
الطاقة مرآة الاقتصاد.. وليست ملفًا معزولًا
لا يمكن فهم أزمة الطاقة بمعزل عن الوضع الاقتصادي العام. فالبلاد تحتاج إلى دفع عجلة الإنتاج ورفع نسق الاستثمار وتحسين التوازنات المالية، لكنها تواجه في الوقت نفسه كلفة متزايدة لتأمين جزء من حاجاتها الطاقية من الخارج.
وتتضاعف آثار هذه المعادلة عندما ترتفع الأسعار العالمية أو تضطرب الإمدادات بفعل الأزمات الجيوسياسية. عندها لا تكون تونس مجرد متلقٍّ لتقلبات السوق، بل اقتصادًا تتأثر حساباته التجارية والمالية بما يحدث خارج حدوده.
ولا يعني ذلك أن التوريد في حد ذاته خطأ؛ فكل اقتصاد يحتاج إلى تبادل تجاري وعلاقات متوازنة مع الخارج. لكن الخطر يكمن في الاعتماد المفرط على مصادر يصعب التحكم في أسعارها أو ضمان استقرارها، من دون امتلاك بدائل محلية كافية أو منظومة قادرة على تقليص أثر الصدمات.
من هنا، يصبح أمن الطاقة جزءًا من الأمن الاقتصادي. فتوفر الطاقة بأسعار معقولة واستقرار الإمدادات شرطان أساسيان لاستقطاب المستثمرين، وتوسيع النشاط الصناعي، وتحسين مردودية المؤسسات، وحماية القدرة الشرائية.
لكن معالجة هذا الوضع لا تتم بقرار منفرد أو مشروع واحد. إنها تتطلب سياسة متكاملة تربط بين إنتاج الطاقة واستهلاكها، وبين الاستثمار في البنية التحتية وتطوير الصناعة، وبين الإصلاح المالي والحاجة إلى حماية الفئات التي لا تستطيع تحمّل ارتفاع الكلفة.
الطاقات المتجددة.. فرصة يجب أن تتحول إلى قيمة مضافة
تملك تونس مقومات حقيقية لتطوير الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لكن هذه الميزة الطبيعية لن تتحول تلقائيًا إلى ثروة اقتصادية. فالأمر يتوقف على كيفية استغلالها، وعلى مدى قدرة البلاد على بناء نشاط اقتصادي محلي حول المشاريع الجديدة.
إن تركيب محطات للطاقة الشمسية أو الرياح يمكن أن يساهم في تنويع مصادر الكهرباء وتقليص الحاجة إلى الوقود المستورد. غير أن العائد الوطني سيكون أكبر إذا رافق هذه المشاريع تطوير للمؤسسات التونسية، وتكوين للكفاءات، ونقل للتكنولوجيا، وتوسيع لخدمات الصيانة والهندسة وإدارة الشبكات.
ولا يتعلق الأمر بفرض تصنيع جميع التجهيزات محليًا مهما كانت كلفتها، بل باختيار المجالات التي تستطيع فيها المؤسسات التونسية بناء قدرات تنافسية. فقد تبدأ الفرصة من تصنيع الهياكل المعدنية والكابلات، أو من خدمات التركيب والصيانة، أو من تطوير البرمجيات وأنظمة مراقبة الاستهلاك، ثم تتوسع تدريجيًا كلما اكتسبت المؤسسات الخبرة وارتفع حجم الطلب.
بهذه المقاربة، لا تصبح تونس مجرد سوق لشراء التجهيزات، بل شريكًا في إنتاج القيمة الاقتصادية المرتبطة بالتحول الطاقي.
ويحتاج ذلك إلى ربط الاستثمار في الطاقة بسياسة صناعية واضحة، وإلى تشجيع الشراكات التي تتيح للمؤسسات المحلية اكتساب المعرفة، وإلى جعل التكوين المهني والجامعي جزءًا من المشاريع منذ مرحلة التخطيط.
فالثروة لا تُقاس فقط بكمية الكهرباء المنتجة، بل أيضًا بما يرافق إنتاجها من وظائف وخبرات ومؤسسات وقدرة على التصدير.
الدولة مطالبة برؤية طويلة المدى
من الصعب بناء قطاع طاقي قوي في ظل قرارات متفرقة أو إجراءات تتأخر بين مرحلة الإعلان ومرحلة التنفيذ. فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى وضوح في القواعد، واستقرار في التوجهات، وتنسيق بين الهياكل، وقدرة على تجاوز التعطيلات الإدارية والفنية.
وهنا يبرز دور الدولة، لا باعتبارها الجهة التي ينبغي أن تتحمل وحدها جميع كلفة الاستثمار، بل باعتبارها الطرف المسؤول عن رسم الاتجاه وضمان المصلحة العامة وتهيئة الظروف التي تسمح للاستثمار المنتج بالنمو.
ويقتضي ذلك تحديد الأولويات على أساس الحاجات الفعلية للاقتصاد، وتوضيح شروط إنتاج الكهرباء وبيعها وربط المشاريع بالشبكة، وتسريع الإجراءات من دون التفريط في الرقابة والشفافية، إلى جانب ضمان المنافسة العادلة ومتابعة الالتزامات.
كما ينبغي ألا يتحول استقطاب الاستثمار الخاص إلى هدف مستقل عن المصلحة الوطنية. فالمشروع الناجح ليس بالضرورة المشروع الأكبر أو الأكثر كلفة، بل المشروع الذي يقدم طاقة موثوقة بسعر مناسب، ويحقق مردودية اقتصادية، ويساهم في تقليص التبعية، ويوفر فرصًا للعمل، ويحترم التوازنات المالية والبيئية.
ومن المهم أيضًا تقييم الأعباء والمخاطر التي قد تتحملها الدولة في كل شراكة، حتى لا تتحول الحلول المعلنة لمعالجة الأزمة إلى التزامات مالية طويلة الأمد يصعب التحكم فيها.
إن الدولة القادرة على قيادة التحول الطاقي هي التي تجمع بين التخطيط والتنفيذ والمحاسبة، وتمنح المستثمرين وضوحًا في القواعد، وتضمن للمجتمع أن تكون نتائج المشاريع ملموسة وقابلة للقياس.
قبل إنتاج المزيد.. يجب أن نستهلك بذكاء أكبر
يتركز جزء كبير من النقاش حول الطاقة على بناء محطات جديدة وزيادة القدرة الإنتاجية، لكن هناك موردًا لا يحتاج إلى استيراد ولا إلى اكتشاف حقول جديدة: الطاقة التي يمكن توفيرها عبر تحسين الاستهلاك.
فالمؤسسة التي تحدّث معداتها وتقلّص ضياع الطاقة تخفّض كلفة إنتاجها. والمبنى الذي يحسن العزل الحراري يحتاج إلى طاقة أقل للتبريد والتدفئة. والنقل العمومي الأكثر فاعلية يمكن أن يخفف استهلاك الوقود والضغط على ميزانيات الأسر.
ولا ينبغي أن يُختزل ترشيد الاستهلاك في دعوات عامة للمواطنين، لأن جانبًا مهمًا من المشكلة يرتبط بجودة التجهيزات، وتصميم المباني، وتنظيم النقل، وطبيعة العمليات الصناعية.
لذلك تحتاج تونس إلى برامج عملية تساعد المؤسسات، وخاصة الصغرى والمتوسطة، على إجراء تدقيق طاقي وتحديث المعدات، مع توفير آليات تمويل مناسبة ومرافقة فنية تضمن تحقيق وفورات حقيقية.
كما يمكن للإدارات والمنشآت العمومية أن تكون مثالًا في هذا المجال من خلال تحسين إدارة المباني والتجهيزات، وقياس الاستهلاك، واعتماد أهداف سنوية واضحة للتوفير.
إن كل كمية من الطاقة يتم توفيرها من دون الإضرار بالإنتاج تخفف الضغط على منظومة التزود، وتقلل الحاجة إلى الاستثمار الإضافي، وتمنح المؤسسات موارد يمكن توجيهها إلى التوسع والتطوير.
الشبكة والتخزين.. الحلقة التي تحدد نجاح التحول
قد تنجح البلاد في استقطاب مشاريع جديدة لإنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، لكن أثرها سيظل محدودًا إذا لم تتطور شبكة النقل والتوزيع بما يسمح باستيعاب الإنتاج ونقله إلى مناطق الاستهلاك.
فالتحول الطاقي لا يقوم على بناء محطات الإنتاج وحدها، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الشبكات، والصيانة، وإدارة الطلب، والتخزين، والتخطيط لمواجهة فترات الذروة.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع ارتفاع حصة المصادر المتجددة، لأن إنتاجها يتأثر بالظروف الطبيعية. لذلك يصبح تطوير حلول التخزين وإدارة الشبكة ضروريًا للاستفادة من الطاقة المنتجة وتحسين استقرار الإمدادات.
لكن هذه الاستثمارات يجب أن تخضع بدورها إلى دراسات دقيقة، حتى لا تُوجَّه الموارد إلى تجهيزات لا تتناسب مع حاجات المنظومة أو تكون كلفتها أعلى من البدائل المتاحة.
والأولوية هنا هي تحقيق أفضل استخدام ممكن للبنية التحتية الموجودة، وصيانة وحدات الإنتاج، وتقليص الضياع، وتحديد نقاط الاختناق في الشبكة، ثم توجيه الاستثمارات الجديدة وفق الحاجات الأكثر إلحاحًا.
الربط مع أوروبا.. فرصة لا بد من إدارتها بذكاء
يمثل مشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا، المعروف باسم «إلميد»، فرصة مهمة لتطوير التعاون الطاقي بين ضفتي المتوسط. وقد أُسند في جوان 2026 عقد بقيمة تقارب 770 مليون يورو لإنجاز محطتي التحويل المرتبطتين بالمشروع في تونس وإيطاليا.
ويفتح هذا المشروع المجال أمام تبادل الكهرباء وتعزيز الربط بين الشبكتين، لكنه لا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره حلًا سحريًا لمشكلات القطاع التونسي.
فالمكاسب الفعلية ستتوقف على كيفية استغلال الربط، وعلى جاهزية الشبكة الوطنية، وعلى تطور الإنتاج المحلي، وعلى الشروط الاقتصادية والتنظيمية التي تحكم التبادل. كما أن نجاحه بالنسبة إلى تونس يجب أن يُقاس بما يضيفه إلى أمن التزود، وبما يتيحه من فرص استثمار وخبرة وتطوير للقدرات المحلية.
والأهم ألا يتحول الانفتاح على الأسواق الخارجية إلى بديل عن معالجة الاختلالات الداخلية. فالشراكات الدولية تكون أكثر فائدة عندما تدعم استراتيجية وطنية واضحة، لا عندما تعوض غيابها.
إن الموقع الجغرافي لتونس يمكن أن يكون مصدر قوة، شرط أن يتحول إلى قيمة اقتصادية حقيقية عبر مشاريع متوازنة، وتفاوض واضح، واستثمار يراعي الأولويات الوطنية.
من الطاقة إلى الصناعة والتشغيل
لا ينبغي أن ينتهي أثر السياسة الطاقية عند حدود إنتاج الكهرباء. فالمكسب الأكبر هو أن تساعد هذه السياسة على بناء اقتصاد أكثر قدرة على التصنيع، وتطوير الخدمات، وخلق فرص العمل، وتوسيع الصادرات.
ويمكن لتونس أن تطور خبرات محلية في تركيب الأنظمة الشمسية وصيانتها، والتدقيق الطاقي، وإدارة الشبكات، والحلول الرقمية لمراقبة الاستهلاك. كما يمكن للمؤسسات التي تكتسب خبرة في السوق المحلية أن تبحث عن فرص في الأسواق المجاورة، متى توفرت الجودة والكلفة التنافسية.
لكن ذلك يتطلب تنسيقًا بين حاجات المشاريع وبرامج التكوين. فلا يكفي إعداد الكفاءات من دون ربطها بفرص العمل، ولا يمكن للمؤسسات أن تتطور إذا لم تجد الخبرات الفنية التي تحتاج إليها.
كما يتطلب الأمر سياسة صناعية واقعية، تختار المجالات التي يمكن لتونس أن تنافس فيها، وتدعم الابتكار ونقل التكنولوجيا، وتربط الحوافز الاستثمارية بنتائج ملموسة في الإنتاج والتشغيل والتطوير المحلي.
بهذا المعنى، يصبح قطاع الطاقة مجالًا لتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد، وليس مجرد قطاع يستهلك الموارد المالية.
استراتيجية 2027.. من الأهداف المعلنة إلى النتائج
حددت الحكومة التونسية هدفًا يتمثل في رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 35 بالمائة من إنتاج الكهرباء بحلول سنة 2030. وهو هدف يتطلب تسريع إنجاز المشاريع، وتطوير الشبكة، وتحسين شروط الاستثمار، وتجاوز العقبات التي قد تؤخر الانتقال من التخطيط إلى التشغيل.
لكن نجاح الاستراتيجية لا يقاس بالأهداف المعلنة وحدها. المطلوب هو متابعة ما أُنجز فعليًا، وما دخل حيز الإنتاج، وما تأخر، والأسباب التي حالت دون التنفيذ.
ومن الضروري أن تكون هناك مؤشرات دورية واضحة تشمل تطور الاستقلالية الطاقية، وكلفة الواردات، وحجم الاستثمار المنجز، والقدرات الجديدة التي دخلت الخدمة، ونسبة مساهمة الطاقات المتجددة، والوفورات الناتجة عن تحسين الاستهلاك.
كما ينبغي ربط هذه المؤشرات بأثرها الاقتصادي والاجتماعي: هل انخفضت كلفة الطاقة على المؤسسات؟ هل تحسنت قدرة الاقتصاد على المنافسة؟ هل تطورت الخبرات المحلية؟ هل خلقت المشاريع فرص عمل مستدامة؟ وهل ساهمت الوفورات في تخفيف الضغط على المالية العمومية؟
هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تحدد نجاح السياسة الطاقية، لأن الإعلان عن مشروع لا يعادل إنجازه، والقدرة المركبة لا تعني بالضرورة أن كل الطاقة المتوقعة تُنتج وتُستغل بكفاءة.
وإذا كانت سنة 2027 تمثل محطة في إدارة التوازنات الاقتصادية، فمن الأفضل أن تكون أيضًا بداية مرحلة تقوم على أهداف قابلة للقياس، ومواعيد واضحة، ومسؤوليات محددة، ومراجعة دورية للنتائج.
تونس لا تحتاج إلى إدارة التبعية.. بل إلى صناعة القوة الاقتصادية
في نهاية المطاف، لا تكمن معضلة الطاقة في تونس في نقص الإمكانات وحده، بل في القدرة على تحويل ما هو متاح إلى نتائج اقتصادية مستدامة. فالموارد الطبيعية لا تصنع الثروة بمفردها، والمشاريع لا تغيّر الواقع بمجرد الإعلان عنها، والاستراتيجيات لا تكتسب قيمتها إلا عندما تتحول إلى إنتاج واستثمار وفرص عمل.
إن المطلوب اليوم هو تغيير زاوية النظر إلى هذا القطاع: من ملف تُدار كلفته عامًا بعد عام، إلى رافعة تُبنى حولها سياسة اقتصادية متكاملة. سياسة تجعل من الطاقة المتجددة فرصة لتطوير الصناعة، ومن النجاعة وسيلة لتوفير الموارد، ومن الاستثمار أداة لخلق القيمة، ومن الدولة ضامنًا للتخطيط والحوكمة، ومن الشراكات الدولية وسيلة لتعزيز القدرات الوطنية.
وهذا التحول لن يتحقق بقرار واحد، بل بسلسلة من الخيارات الواضحة: تسريع المشاريع القابلة للتنفيذ، وتحديث الشبكة، وتطوير التخزين، ومساندة المؤسسات في خفض استهلاكها، وتشجيع التصنيع والخبرات المحلية، وربط التمويل بالنتائج، ومحاسبة المسؤولين عن التنفيذ.
كما أن حماية المستقبل الاقتصادي لا تعني تجاهل كلفة التحول أو تحميل المالية العمومية أعباء لا تحتملها. بل تعني اختيار الاستثمارات وفق مردوديتها، وترتيب الأولويات، وتوزيع الموارد على ما يحقق أكبر منفعة للبلاد، مع ضمان انتقال طاقي يراعي حاجات المواطنين وقدرة المؤسسات على الاستمرار.
إن تونس أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء علاقتها بالطاقة، لا باعتبارها مجرد حاجة يجب توفيرها، بل باعتبارها أحد مفاتيح الإنتاج والسيادة والتنافسية. والنجاح في هذا المسار سيظهر عندما تصبح المؤسسات أكثر قدرة على الإنتاج، ويقلّ تعرض الاقتصاد للصدمات الخارجية، وتتطور الكفاءات المحلية، وتتحول الاستثمارات إلى قيمة مضافة وفرص عمل.
فالمعركة ليست فقط من أجل كهرباء متوفرة أو فاتورة أقل، بل من أجل اقتصاد يمتلك قدرة أكبر على إنتاج ثروته، وحماية قراره، وصناعة مستقبله.
وتونس لا تحتاج إلى أن تظل أسيرة إدارة أزمة الطاقة، بل إلى رؤية تجعل من تجاوزها مدخلًا لإصلاح أوسع، يربط أمن الطاقة بأمن الاقتصاد، ويحوّل الإمكانات إلى إنجازات، والموارد إلى فرص، والاستثمار إلى تنمية ملموسة.
في النهاية، لن تُقاس قوة تونس بما تملكه من إمكانات فحسب، بل بما تنجح في بنائه انطلاقًا منها. وبين طاقة تستنزف الموارد وطاقة تصنع الثروة، يبقى الفارق في وضوح الرؤية، وجرأة القرار، وجودة التنفيذ.