فضيحة تهز مدارس باريس.. 179 بلاغاً بالاعتداءات الجنسية وتعليق عمل 74 مشرفاً
شبهات اعتداءات جنسية على أطفال تكشف ثغرات خطيرة في الرقابة والتوظيف.. وتحقيقات تطال مسؤولين في العاصمة الفرنسية
تواجه المدارس الحكومية في العاصمة الفرنسية باريس أزمة متصاعدة على خلفية اتهامات باعتداءات جنسية على أطفال، وسط تحقيقات تشمل عشرات القضايا وتعليق عمل 74 مشرفاً منذ بداية العام، وفق ما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز».
وبحسب التقرير، يحقق الادعاء العام في باريس في 179 ادعاءً بالاعتداء الجنسي داخل المدارس حتى أكتوبر/تشرين الأول 2026. وشملت الإجراءات تعليق عمل 74 مشرفاً من أصل نحو 14 ألفاً و400 عامل يتولون الإشراف على الأطفال خلال فترات الغداء والاستراحة والأنشطة التي تلي الدوام المدرسي.
ولا تشمل هذه الأرقام المعلمين، كما أن معظم الموقوفين عن العمل لم يمثلوا أمام القضاء حتى الآن، في حين أُدين اثنان منهم بالاعتداء الجنسي على أطفال.
قضية طفلة تفجّر الأزمة
بدأت إحدى أبرز القضايا عندما تقدّم والد طفلة تبلغ ثلاث سنوات بشكوى إلى الشرطة، بعدما أخبرته ابنته بأن أحد العاملين في مدرسة «سان دومينيك» وسط باريس اعتدى عليها جنسياً داخل الحمام.
وتوسعت التحقيقات لاحقاً، بعد أن تقدّم أولياء أمور في ثلاث مدارس بالمنطقة نفسها باتهامات مماثلة ضد عاملين، ما دفع السلطات إلى استجواب 44 طفلاً.
وفي مايو/أيار، أوقفت السلطات 16 موظفاً حالياً وسابقاً للاشتباه في تورطهم في القضية، فيما وُضع اثنان منهم قيد الاحتجاز للاشتباه في ارتكاب جرائم جنسية.
وأعادت هذه التطورات فتح ملف الرقابة على العاملين في المؤسسات التعليمية، وسط اعترافات رسمية بوجود نقائص في التثبت من خلفيات الموظفين والتعامل مع الشكاوى.
ثغرات في التوظيف تثير المخاوف
تسلط القضية الضوء على طبيعة نظام الإشراف على الأطفال في فرنسا، حيث تتولى البلديات تعيين العاملين المسؤولين عن فترات الغداء والاستراحة والأنشطة بعد انتهاء الدروس في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية.
وتواجه السلطات صعوبات في استقطاب موظفين مؤهلين لشغل هذه الوظائف الجزئية، التي تبلغ أجورها نحو 870 دولاراً شهرياً، فضلاً عن تشتت ساعات العمل، وهو ما يجعل الجمع بينها وبين وظائف أخرى أمراً صعباً.
ووفق تقرير برلماني نُشر في أكتوبر/تشرين الأول، تلجأ بعض السلطات إلى الاستعانة بعمال مؤقتين لا يتلقون تدريباً كافياً، وأحياناً يجري توظيفهم في اللحظات الأخيرة، وسط مخاوف من عدم إخضاع جميع العاملين للفحوص اللازمة بشأن خلفياتهم.
وفي باريس، يمثل الموظفون المؤقتون نحو ثلاثة أرباع العاملين في أنشطة ما بعد المدرسة، وفق الأرقام الواردة في تقرير «نيويورك تايمز».
تحذيرات سابقة لم تمنع تكرار الانتهاكات
لم تكن المخاوف بشأن سلامة الأطفال جديدة؛ إذ كشف تقرير أُعد عام 2015 بتكليف من بلدية باريس عن 18 حالة اعتداء جنسي خلال عام واحد، كان معظمها مرتبطاً بعاملين مؤقتين.
وقدم التقرير آنذاك 50 توصية لتحسين إجراءات الوقاية والتعامل مع الاعتداءات، لكن الصحيفة أشارت إلى أن تنفيذ هذه التوصيات استغرق سنوات طويلة.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أعلنت السلطات الباريسية إجراءات جديدة لتحسين التوظيف والتدريب والتحقيق في الشكاوى، بعد تزايد بلاغات أولياء الأمور.
تحقيقات تطال مسؤولين في البلدية
لم تقتصر التداعيات على العاملين في المدارس، إذ يحقق الادعاء العام أيضاً في شبهات إهمال تطال مسؤولين في العاصمة، من بينهم رئيس البلدية إيمانويل غريغوار وسلفته آن هيدالغو.
وخلال جلسة استماع برلمانية في سبتمبر/أيلول، أعرب المسؤولان عن أسفهما لما تعرض له الأطفال، وأقرا بوجود ما وصفاه بإخفاق جماعي في منع أشخاص متهمين بجرائم جنسية من العمل في المدارس.
كما أقر غريغوار بوجود قصور في التعامل مع البلاغات، نافياً في الوقت نفسه محاولة السلطات التستر على أي حالات. وأكد مكتبه العمل على إصلاحات عميقة لتفادي تكرار هذه الوقائع.
أزمة تتجاوز حدود باريس
تأتي هذه القضية في سياق نقاش أوسع في فرنسا حول العنف الجنسي ضد الأطفال ومدى قدرة المؤسسات على حمايتهم والاستجابة للبلاغات.
وتشير تقديرات لجنة مستقلة عيّنها الرئيس إيمانويل ماكرون إلى أن نحو 160 ألف طفل في فرنسا يتعرضون للاعتداء الجنسي سنوياً.
وفي ظل تصاعد المطالب بتعزيز حماية القاصرين، دعت السيناتورة أغنيس إيفران إلى ما وصفته بـ«صحوة جماعية»، محذرة من استمرار الصمت والإنكار إزاء هذه الانتهاكات.
وتعيد التطورات في باريس طرح أسئلة ملحّة بشأن مسؤولية المؤسسات العامة، وفاعلية آليات التوظيف والرقابة، ومدى قدرة الإجراءات المتخذة على ضمان بيئة آمنة للأطفال داخل المدارس وخارج ساعات الدروس.
المصدر: صحيفة نيويورك تايمز










