
كتب د. وسيم جابر
قراءة استشرافية في الخطوة الإقليمية القادمة
حين سحب الشرع البساط من تحت وعوده، وحين استبعدت خرائط السكك الحديدية الجديدة “مركزية تل أبيب” ، هل يبحث نتنياهو عن جبهة بديلة يُسوّق فيها “إنجازاً” غاب عنه في لبنان؟
المقدمة
القائد الذي يخرج من معركة بلا إنجاز لا يتوقف عن البحث عن معركة أخرى ، هذا ليس تكهناً، بل نمط سلوكي وثّقته كل مراحل هذه الحرب. واليوم، بينما يتآكل رهان نتنياهو في الجنوب اللبناني أمام تلة واحدة، تتقاطع مؤشرات عدة تستحق القراءة بحذر: مشروع إقليمي ضخم يُعاد فيه ترسيم خرائط النقل والنفوذ دون تل أبيب، وتحرك سوري بدا للحظة أنه يفتح جبهة، ثم تبخّر فجأة تاركاً حسابات نتنياهو معلّقة في الهواء. هذه ليست أحداثاً منفصلة بقدر ما هي خيوط يمكن أن تتشابك في الأسابيع القادمة.
أولاً: نظرية “اللطمة بلا رصاصة” ، كيف استدرج الشرع نتنياهو؟
يرى عدد من المراقبين أن أحمد الشرع نجح في توريط نتنياهو بحسابات خاطئة: تعزيزات عسكرية سورية محدودة قرب الحدود اللبنانية، وخطاب رسمي مرتفع النبرة، أوحيا لتل أبيب بأن دمشق تتجه لمواجهة مع حزب الله تخدم الرؤية الإسرائيلية. هذا الانطباع، بحسب هذا التحليل، دفع نتنياهو لرفع سقف وعوده أمام جمهوره بحسم ملف حزب الله نزعاً لسلاحه. لكن دمشق سحبت تعزيزاتها ووصفتها بأنها “إجراءات روتينية”، تاركة نتنياهو أمام توقعات مرتفعة بلا غطاء واقعي ، إما التراجع وتحمّل الكلفة السياسية، أو المضي في مغامرة غير مضمونة النتائج.
ثانياً: خريطة بلا تل أبيب ، رسالة المشروع السككي
توقيع مذكرة التفاهم السعودية-التركية للربط السككي عبر سوريا والأردن، مع إمكانية انضمام العراق لاحقاً، يحمل رسالة جيوسياسية أعمق من بُعدها الاقتصادي: لا ذِكر لتل أبيب في هذا الممر الاستراتيجي الجديد بين الخليج وأوروبا. هذا يتناقض جذرياً مع الرؤية الإسرائيلية المعلنة بأن تكون تل أبيب “مركز التجارة والبيانات والقرار” في الشرق الأوسط الجديد. وبقدر ما يبدو هذا الاستبعاد تفصيلاً تقنياً، فهو مؤشر على أن دول المنطقة بدأت ترسم مستقبلها الاقتصادي بمعزل عن الحسابات الإسرائيلية ، وهذا بحد ذاته إنذار استراتيجي لنتنياهو الباحث عن موقع مركزي لكيانه.
ثالثاً: جنوب سوريا ، الساحة المرشحة للاستثمار القادم؟
الإشارات إلى استمرار توغلات إسرائيلية متكررة في ريف القنيطرة، إلى جانب خطاب يربط — كما كشف النائب حسن فضل الله نقلاً عن مسؤول بنك الأهداف الإسرائيلي ، بين مخطط قديم يمتد “من جنوب سوريا إلى جنوب لبنان”، تفتح احتمالاً جدياً: إن تعذّر على نتنياهو تسويق إنجاز في لبنان، فقد يبحث عن “ساحة بديلة” في الجنوب السوري يقدّمها لجمهوره كتعويض رمزي، مستغلاً الفراغ الأمني هناك. هذا سيناريو مرجّح بناءً على المؤشرات الحالية، لا حدثاً وقع بعد ، لكنه يستحق المراقبة الدقيقة في الأسابيع المقبلة.
رابعاً: تركيا في المعادلة ، من شريك ضمني إلى خصم محتمل
تصاعد حملات التحريض ضد تركيا في الصحف الإسرائيلية يتزامن مع دور تركي متنامٍ في كل من الملف السوري (منع انخراط دمشق في التطورات اللبنانية) والمشروع السككي الجديد. هذا التقاطع يجعل أنقرة لاعباً يصعب على نتنياهو تجاوزه، وقد يفسّر جزءاً من التوتر الإعلامي المتصاعد تجاهها كمحاولة استباقية لتحجيم نفوذها الإقليمي المتنامي.
الخاتمة
نتنياهو الخارج من الجنوب اللبناني بلا إنجاز يبحث، وفق كل المؤشرات المتاحة، عن مسرح بديل يُعيد فيه تظهير صورة “القائد الحاسم” أمام جمهوره المتصدع. سواء كان ذلك عبر جنوب سوريا أو عبر تصعيد لفظي مع تركيا، فإن المشترك في كل هذه السيناريوهات أن إسرائيل تتحرك اليوم من موقع رد الفعل لا المبادرة ، تبحث عن جبهة تُخفي بها هزيمة معلنة في جبهة أخرى.
..من يخسر معركته الأولى لا يصبح أكثر حكمة في الثانية، بل أكثر تهوراً. ومن يُستبعد من خرائط المستقبل الاقتصادي، يبحث غالباً عن خرائط الحرب ليثبت حضوراً افتقده على طاولة السلام. والإقليم الذي وحّد ساحاته بالدم، لن يسمح بسهولة بفتح ساحة جديدة.
قولوا يا رب
وسيم جابر











