أخبار العالم العربي

 إيران وإعادة رسم خريطة الاصطفاف الدولي

خاص موقع صحيفة شمس اليوم

بقلم/ محمد الصالحي

باحث في العلاقات الدولية والإقليمية

لم يكن إعلان الحرس الثوري الإيراني أن أي دولة تطرد سفيري الولايات المتحدة وإسرائيل من أراضيها ستتمتع ابتداءً من الغد بكامل السلطة والحرية في المرور عبر مضيق هرمز مجرد تصريح عابر في سياق التصعيد السياسي القائم، بل يمكن قراءته باعتباره مؤشراً على تحول أعمق في الطريقة التي تعيد بها إيران تعريف علاقاتها مع العالم.
فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بإدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بل بمحاولة صياغة معيار جديد للعلاقات الدولية من وجهة النظر الإيرانية. فبدلاً من أن تُبنى العلاقات على المصالح الثنائية التقليدية، يبدو أن طهران تتجه إلى ربطها بالموقف من الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تنظر إليهما باعتبارهما مركز المشروع المعادي لها ولمحور الجهاد والمقاومة.
وبهذا المعنى تسعى إيران إلى نقل الصراع مع واشنطن وتل أبيب من كونه صراعاً ثنائياً محدوداً إلى كونه معياراً فاصلاً في تحديد طبيعة العلاقات مع بقية الدول. فعندما تعلن أن الدول التي تحافظ على علاقاتها الطبيعية مع الولايات المتحدة وإسرائيل ستُعامل بالمعاملة نفسها التي تُعامل بها هاتان الدولتان، فهي عملياً توسّع دائرة الخصومة لتشمل كل دولة ترى أنها توفر لهما غطاءً سياسياً أو دعماً اقتصادياً أو عسكرياً.
في المقابل، فإن عرضها منح معاملة تفضيلية للدول التي تقطع علاقاتها مع واشنطن وتل أبيب وتطرد سفيريهما يعكس محاولة واضحة لبناء شبكة اصطفاف مضاد تقوم على قاعدة سياسية وأيديولوجية مشتركة، قوامها مواجهة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة. وهو منطق يعيد إلى الأذهان طبيعة التحالفات التي تشكلت في مراحل الاستقطاب الحاد في النظام الدولي، حين كانت الدول تُصنَّف في معسكرات متقابلة تبعاً لموقفها من القوى الكبرى.
ومن هنا يمكن فهم هذا التوجه باعتباره تطوراً لافتاً في السلوك السياسي الإيراني، لأنه ينقل إيران من موقع الدولة التي تدير صراعاً مع خصوم محددين إلى موقع الدولة التي تسعى إلى إعادة تشكيل خريطة التحالفات في محيطها الإقليمي والدولي انطلاقاً من هذا الصراع. فالعلاقة مع طهران لم تعد مسألة ترتبط فقط بالمصالح الاقتصادية أو التمثيل الدبلوماسي، بل أصبحت مرتبطة بدرجة القرب أو البعد عن المشروع الأمريكي الإسرائيلي.
كما يحمل هذا الطرح رسالة ردع وضغط سياسي في آن واحد، إذ يضع الدول الأخرى أمام خيار واضح: إما الاستمرار في الاصطفاف ضمن المعسكر الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل وتحمل تبعات ذلك في العلاقة مع إيران، أو الابتعاد عنهما والدخول في علاقة أكثر تقارباً مع طهران.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذا التوجه تكمن في أنه يكشف عن محاولة إيرانية لتحويل الصراع الدائر في المنطقة إلى معيار جديد لإعادة فرز المواقف الدولية. فبدلاً من أن يكون الصراع مجرد مواجهة عسكرية أو سياسية محدودة، تسعى طهران إلى جعله قاعدة لإعادة رسم خريطة الاصطفافات في النظامين الإقليمي والدولي. وإذا ما استمر هذا المسار، فإن العالم والمنطقة قد يكونا أمام مرحلة تتشكل فيها معادلة جديدة تقوم على محورين متقابلين: محور يدور في فلك الولايات المتحدة وإسرائيل، ومحور آخر يسعى إلى بناء موقعه خارج هذه المنظومة أو في مواجهتها.

باحث في العلاقات الدولية والإقليمية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى