طائرات ورقية تشعل التصعيد في غزة.. بين المخاوف الأمنية والحسابات السياسية

تحقيق – شمس اليوم
هل يمكن لطائرات ورقية، لم يثبت احتواؤها على متفجرات، أن تتحول إلى شرارة لتصعيد عسكري جديد في قطاع غزة؟ السؤال يفرض نفسه بعد حالة الاستنفار التي أعلنتها إسرائيل، وما رافقها من تهديدات بتكثيف العمليات العسكرية وتنفيذ اغتيالات وإخلاء مناطق سكنية في القطاع.
فقد أثارت الطائرات الورقية التي قيل إنها أطلقت من قطاع غزة باتجاه المناطق الإسرائيلية المحاذية للقطاع، ردود فعل سياسية وعسكرية واسعة في إسرائيل، وصلت إلى حد وصف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عمليات إطلاقها بأنها «عمل حربي».
وفي المقابل، أفادت تقارير إعلامية إسرائيلية بأن عدداً من الطائرات الورقية التي عُثر عليها في محيط المستوطنات لم تكن مزودة بمتفجرات أو مواد حارقة، وأن المعلومات التي عُرضت على المستوى السياسي تشير إلى أن بعضها أطلقه أطفال ومراهقون.
من لعبة أطفال إلى قضية أمنية
أعادت التطورات الأخيرة إلى الواجهة قضية الطائرات الورقية التي استخدمت خلال احتجاجات غزة عام 2018، عندما أطلقت طائرات ورقية وبالونات حمل بعضها مواد حارقة، ما أدى آنذاك إلى اندلاع حرائق في مناطق زراعية إسرائيلية قريبة من القطاع.
غير أن المشهد الحالي يختلف، وفق المعطيات المتداولة، إذ لم يثبت وجود عبوات حارقة أو متفجرة على الطائرات الورقية التي جرى العثور عليها مؤخراً.
ورغم ذلك، تعاملت المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية مع الظاهرة باعتبارها مؤشراً أمنياً يستوجب المتابعة، وسط تقديرات إسرائيلية بإمكانية أن تكون عمليات الإطلاق محاولة لاختبار رد الجيش الإسرائيلي ومدى استعداده للتعامل معها.
وفي هذا السياق، اتجه الخطاب الإعلامي والسياسي الإسرائيلي إلى استخدام تعبيرات ذات طابع أمني شديد، من بينها «إرهاب الطائرات الورقية»، الأمر الذي ساهم في تحويل ظاهرة محدودة إلى قضية حاضرة بقوة في النقاش السياسي والعسكري.
تهديدات إسرائيلية بتوسيع العمليات
التصعيد لم يتوقف عند الخطاب الإعلامي، إذ أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس أن إسرائيل قد تلجأ إلى إجراءات عسكرية أكثر شدة، بما في ذلك تنفيذ عمليات اغتيال وإخلاء مناطق في قطاع غزة، في حال استمرار إطلاق الطائرات الورقية والمسيّرات، وفق ما أوردته تقارير إعلامية إسرائيلية.
كما أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن الجيش يستعد لاحتمال تلقي توجيهات سياسية لتكثيف العمليات العسكرية في القطاع.
وتثير هذه التهديدات تساؤلات حول مدى ارتباط الإجراءات المرتقبة بالطائرات الورقية نفسها، خصوصاً في ظل عدم ثبوت حملها مواد متفجرة، وما إذا كانت القضية تُستخدم باعتبارها مدخلاً لتوسيع العمليات العسكرية في غزة.
بين الأمن والسياسة
ويرى محللون أن فهم التصعيد الأخير لا يمكن فصله عن المشهد السياسي الإسرائيلي، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.
ويعتقد الخبير في الشؤون الإسرائيلية عادل شديد أن الحكومة الإسرائيلية قد تكون أمام محاولة لإيجاد مبررات تسمح بإعادة طرح الملف الأمني في صدارة المشهد، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية بشأن مستقبل الحرب في غزة والمرحلة المقبلة من اتفاق وقف إطلاق النار.
وبحسب هذا التقييم، فإن إعادة تقديم نتنياهو باعتباره السياسي القادر على التعامل مع «التهديدات الأمنية» قد تخدمه داخلياً، ولا سيما في ظل المنافسة السياسية والانتقادات التي تواجه حكومته.
لكن هذه القراءة تبقى في إطار التحليل السياسي، ولا يمكن الجزم بأن التصعيد الحالي مرتبط حصراً بالانتخابات أو بالأزمة السياسية الداخلية الإسرائيلية.
اتفاق وقف إطلاق النار أمام اختبار جديد
يأتي التصعيد في وقت تتواصل فيه المساعي الدولية والإقليمية للتوصل إلى تفاهمات بشأن المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.
وتشير التطورات السياسية الأخيرة إلى وجود خلافات بشأن تنفيذ بنود الاتفاق، خصوصاً ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي، وإدخال المساعدات، وإعادة الإعمار، ومستقبل السلاح في القطاع.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن أي تصعيد عسكري جديد قد يعقد جهود الوسطاء ويدفع المنطقة إلى جولة جديدة من المواجهة، خصوصاً إذا تحولت قضية الطائرات الورقية إلى ذريعة لتوسيع نطاق العمليات.
حماس: ذريعة لمواصلة الحرب
من جانبها، رفضت حركة حماس الرواية الإسرائيلية، واعتبرت التهديدات باستهداف مناطق في قطاع غزة وتهجير سكانها تحت ذريعة الطائرات الورقية مؤشراً على وجود توجه لاستمرار العمليات العسكرية.
وقالت الحركة إن الطائرات الورقية المتداولة في بعض المناطق هي ألعاب يستخدمها الأطفال في مخيمات النزوح، وإن تحويلها إلى قضية عسكرية لا يبرر استهداف السكان أو تهجيرهم.
كما دعت الوسطاء والإدارة الأميركية إلى تحمل مسؤولياتهم والضغط من أجل تثبيت وقف إطلاق النار ومنع التصعيد.
هل أصبحت «الطائرة الورقية» عنواناً لمعركة أكبر؟
بعيداً عن الجدل حول الجهة التي تقف وراء إطلاق الطائرات الورقية، فإن التطور الأبرز يتمثل في الفجوة بين طبيعة الظاهرة وحجم الرد السياسي والعسكري الذي رافقها.
فإذا كانت الطائرات التي عُثر عليها خالية فعلاً من المتفجرات والمواد الحارقة، فإن السؤال لا يتعلق فقط بالخطر الذي تمثله، وإنما بكيفية توظيف حادث أمني محدود في خطاب سياسي وعسكري أوسع.
وتبقى الاحتمالات مفتوحة بين تفسير إسرائيلي يرى في عمليات الإطلاق اختباراً للجاهزية الأمنية، وتفسير فلسطيني يعتبرها ذريعة للتصعيد والتهجير، بينما تشير القراءة السياسية إلى أن توقيت الأزمة، بالتزامن مع المفاوضات حول مستقبل وقف إطلاق النار والاستحقاقات السياسية الإسرائيلية، يمنحها أبعاداً تتجاوز الطائرات الورقية نفسها.
وفي جميع الأحوال، فإن تحويل لعبة أطفال إلى عنوان لمواجهة عسكرية جديدة يكشف هشاشة الوضع في قطاع غزة، حيث يمكن لأي حادث محدود أن يتحول سريعاً إلى أزمة أمنية وسياسية تهدد ما تبقى من فرص التهدئة.









