الرئيسيةتونس

تونس تستقبل عامها الدراسي الجديد.. حين تصبح المدرسة امتحانًا للدولة والمجتمع

أكثر من مليوني تلميذ يعودون إلى الأقسام.. تجهيزات جديدة وانتدابات وإصلاح معلن، لكن الرهان الحقيقي يبدأ مع أول جرس

في صباح الثلاثاء 15 سبتمبر 2026، ستفتح المدارس التونسية أبوابها من جديد أمام أكثر من مليوني تلميذ، لتبدأ سنة دراسية أخرى بما تحمله من آمال الأسر وانتظارات المدرسين وتحديات المؤسسات التربوية.

لكن العودة المدرسية ليست مجرد موعد يتكرر كل عام.

فخلف الحقائب الجديدة والملابس والأدوات المدرسية، توجد قصة مجتمع كامل يراهن على المدرسة باعتبارها الطريق الأكثر استدامة نحو المستقبل. وفي المقابل، تكشف كل عودة مدرسية حجم ما تستطيع الدولة إنجازه، وما لا تزال عاجزة عن حسمه، في مؤسسة يفترض أن تمنح أبناء تونس فرصًا متقاربة في التعلم والنجاح، مهما اختلفت جهاتهم وظروفهم الاجتماعية.

سباق مع 15 سبتمبر

تقول وزارة التربية إن مختلف الهياكل المركزية والجهوية والمحلية تعمل على مدار الساعة لاستكمال الاستعدادات وتذليل الصعوبات.

وتتضمن هذه الاستعدادات إحداث 23 مؤسسة تربوية جديدة، إلى جانب أكثر من 1400 تدخل للصيانة والتوسعة، وتوفير نحو 73 ألف طاولة مزدوجة جديدة.

وهي أرقام تعكس حجم العمل المطلوب قبل أن يستقبل القسم أول تلميذ، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا أعمق: هل تكفي زيادة عدد المؤسسات والتجهيزات وحدها لبناء مدرسة قادرة على مواجهة تحديات التعليم في تونس؟

الإجابة لن تكون في يوم الافتتاح، وإنما في قدرة هذه المؤسسات على توفير ظروف مستقرة وآمنة للتعلم طوال السنة.

المدرس.. قلب الإصلاح

ولا يمكن لأي إصلاح تربوي أن ينجح من دون العنصر البشري.

وفي هذا الإطار، قامت الوزارة بانتدابات جديدة في أصناف مختلفة، من بينها سلك الأساتذة، فيما صدرت النتائج النهائية للانتدابات يوم السبت 12 سبتمبر، على أن يباشر المنتدبون الجدد مهامهم بمؤسساتهم يوم الاثنين 14 سبتمبر.

فالمدرس ليس مجرد عنصر في جدول الموارد البشرية. إنه الطرف الذي يحول البرنامج الدراسي إلى معرفة، والكتاب إلى فهم، والقسم إلى مساحة للتفكير.

ولهذا فإن نجاح الانتدابات لا يقاس فقط بعدد المنتدبين، بل بقدرة المنظومة على ضمان الاستقرار وسد الشغورات وتوفير الظروف التي تسمح للمدرس بأداء دوره.

الكتاب المدرسي.. وميزانية الأسرة

في المنازل، لا تقل الاستعدادات أهمية عما يحدث داخل المؤسسات.

أولياء يواصلون اقتناء ما تبقى من الأدوات والملابس والكتب، فيما تتواصل عملية طباعة الكتب المدرسية وتوزيعها وبيعها بمختلف الجهات.

وبلغت نسبة التلاميذ الذين أتموا عملية الترسيم عن بعد عبر منظومة “الحياة المدرسية” 100 بالمائة من إجمالي المستهدفين، في حين دفع 2.014 مليون تلميذ معلوم الترسيم، أي 96 بالمائة من مجموع التلاميذ.

وتكشف هذه الأرقام جانبًا من التحول الرقمي في الإدارة المدرسية، لكنها تكشف أيضًا حجم المسؤولية الواقعة على الدولة في ضمان ألا تصبح الكلفة المدرسية أو الظروف الاجتماعية عائقًا أمام استمرار الطفل في التعليم.

عندما يصبح الفقر عائقًا أمام المدرسة

من هنا تكتسب الدعوة إلى توفير المعدات المدرسية والغذاء مجانًا للتلاميذ الذين يحتاجون إلى ذلك أهمية خاصة.

فالمساواة في التعليم لا تعني أن يجلس جميع الأطفال في أقسام متشابهة فحسب، وإنما أن يحصل الطفل الذي يعيش في ظروف صعبة على الدعم الذي يسمح له بالبقاء داخل المدرسة ومواصلة التعلم.

والتلميذ الذي يجد صعوبة في الوصول إلى مدرسته، أو يفتقر إلى الأدوات الأساسية، أو يذهب إلى القسم جائعًا، لا يبدأ من نقطة الانطلاق نفسها التي يبدأ منها طفل آخر أكثر حظًا.

وهنا تتحول المدرسة من مؤسسة تعليمية إلى أداة للعدالة الاجتماعية.

إصلاح لا يحتمل الخطأ

وتأتي هذه العودة المدرسية في ظرف أعيد فيه وضع إصلاح التربية والتعليم في صدارة الأولويات الوطنية.

وخلال اجتماع بقصر قرطاج يوم 10 سبتمبر، أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن إصلاح التربية والتعليم قد انطلق، وأنه سيستغرق من الوقت ما تقتضيه عملية الإصلاح، مشددًا على أن الأخطاء في هذا المجال قد تكون كلفتها طويلة الأمد، لأن نتائج الاختيارات التربوية لا تظهر دائمًا في الحاضر، وإنما قد تتكشف بعد سنوات.

وهذه النقطة تحديدًا تجعل إصلاح التعليم مختلفًا عن كثير من الإصلاحات الأخرى.

فالطريق أو المبنى يمكن إصلاحه خلال سنوات قليلة، أما جيل كامل من التلاميذ فلا يمكن إعادة الزمن إليه إذا تلقى تعليمًا غير قادر على مواكبة المستقبل.

المدرسة تبدأ قبل باب القسم

ولذلك شملت التوجيهات المتعلقة بالعودة المدرسية جوانب تتجاوز العملية التعليمية نفسها: النقل، والصحة، وسلامة التلاميذ في محيط المؤسسات، وفي الطريق إليها وعند مغادرتها.

وهذا تصور أكثر شمولًا للمدرسة.

فالتلميذ لا يعيش داخل القسم فقط؛ إنه يصل إليه عبر طريق، ويغادره إلى محيط اجتماعي، ويحتاج إلى نقل آمن ورعاية صحية وبيئة تحميه.

ومن ثم، فإن جودة التعليم لا يمكن فصلها عن جودة البيئة التي تحيط به.

أكثر من عودة.. بداية اختبار جديد

تعود المدارس، إذن، وتعود معها الأسئلة القديمة والجديدة.

هل تستطيع المؤسسات الجديدة تخفيف الضغط؟
هل تنجح الانتدابات في سد الشغورات وتحقيق الاستقرار؟
هل يصل الكتاب المدرسي في الوقت المناسب إلى كل تلميذ؟
وهل تتحول الرقمنة إلى خدمة حقيقية للأسرة؟
وهل يصبح الإصلاح التربوي مشروعًا طويل المدى، لا مجرد إجراءات مرتبطة بكل موسم دراسي؟

هذه الأسئلة لن تجيب عنها الأرقام وحدها.

فالنجاح الحقيقي للعودة المدرسية سيقاس بعد أشهر، عندما يتحول الاستعداد إلى تعلم فعلي، وانضباط، وأمان، ومردودية، وفرص أكثر عدلًا بين التلاميذ.

الرهان على الإنسان

في النهاية، لا تبدأ السنة الدراسية يوم 15 سبتمبر فقط.

إنها تبدأ كلما شعر طفل بأن المدرسة مكان آمن له، وكلما وجد مدرسًا قادرًا على تعليمه، وكلما تمكنت عائلة محدودة الدخل من إرسال أبنائها إلى المدرسة دون خوف من كلفة التعليم، وكلما حصل تلميذ في منطقة بعيدة على الفرصة نفسها التي يحصل عليها زميله في المدن.

ذلك هو الاختبار الحقيقي.

فتونس لا تستثمر في المدارس فقط، بل تستثمر في الإنسان الذي سيصنع تونس الغد.

ولهذا فإن إصلاح التعليم ليس ملفًا إداريًا، ولا موسمًا يبدأ وينتهي مع العودة المدرسية؛ إنه استثمار في جيل كامل، وأحد أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل البلاد.

مقالات ذات صلة