أخبار العالم العربيالرئيسيةتونسمقالات

معركة تونس الاقتصادية: إصلاح الإدارة واستعادة الإنتاجية

حين تصبح الكفاءة والإنتاجية والتصدير شروطًا لبناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة

 

بقلم: أم السعد نصر – شمس اليوم

لم تعد تونس تملك رفاهية تأجيل الإصلاح الاقتصادي، لكن الإصلاح المطلوب اليوم لا يمكن أن يقتصر على معالجة الاختلالات المالية أو البحث عن موارد إضافية. التحدي الأعمق يتعلق بقدرة الاقتصاد نفسه على إنتاج القيمة وتحويل الموارد المتاحة إلى ثروة وفرص عمل واستثمارات وصادرات. فالدولة يمكن أن تمتلك الكفاءات والمؤسسات والبنية التحتية والموقع الجغرافي، لكن هذه العناصر تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها عندما تعمل داخل منظومة بطيئة، معقدة، ضعيفة التنسيق، ولا تقيس نتائجها بصورة منتظمة.

من هنا يصبح إصلاح الإدارة جزءًا أساسيًا من الإصلاح الاقتصادي، وليس ملفًا إداريًا منفصلًا عنه. فالمستثمر الذي ينتظر طويلًا للحصول على ترخيص يدفع ثمن الوقت، والمؤسسة التي تواجه إجراءات معقدة تتحمل كلفة إضافية، والمشروع العمومي الذي يتأخر سنوات لا يخسر فقط موعد إنجازه، وإنما يخسر أيضًا فرصًا اقتصادية كان يمكن أن يولدها. ولذلك فإن سرعة القرار، ووضوح المسؤوليات، وتبسيط الإجراءات، ومتابعة تنفيذ المشاريع، أصبحت كلها عناصر مباشرة في القدرة التنافسية للاقتصاد.

ولا يعني إصلاح الإدارة زيادة الرقابة والإجراءات، بل على العكس، المطلوب هو رقابة أكثر ذكاءً وفعالية وأقل تعطيلًا للعمل. تفعيل التفقديات ومراجعة الحسابات والمتابعة الدورية يجب أن تتحول إلى آليات للوقاية وتصحيح الأخطاء قبل تضخم كلفتها، مع ربط المسؤولية بالنتائج. فالمؤسسة التي تنجز في الآجال وبالكلفة المحددة وبالجودة المطلوبة يجب أن تُكافأ، بينما ينبغي أن تكون حالات التعطيل المتكرر أو سوء التصرف محل تقييم ومساءلة وفق قواعد واضحة.

وهنا تبرز مسألة الإنتاجية باعتبارها واحدة من أهم القضايا التي يجب أن تحتل موقعًا مركزيًا في النقاش الاقتصادي التونسي. فزيادة الإنفاق لا تعني بالضرورة زيادة الثروة، وارتفاع عدد المشاريع لا يعني بالضرورة تحسن الأداء. السؤال الحقيقي هو: كم قيمة اقتصادية نخلق بكل دينار نستثمره، وبكل ساعة عمل، وبكل مورد نستخدمه؟ عندما تصبح الإنتاجية معيارًا، يتغير أسلوب إدارة المؤسسات، وتصبح التكنولوجيا والتكوين والرقمنة وتحسين التنظيم والاستثمار في الكفاءات عناصر اقتصادية أساسية وليست مجرد خيارات تقنية.

وتحتاج تونس في هذا السياق إلى إعادة النظر في طريقة التعامل مع الكفاءات الوطنية. فالكفاءات ليست تكلفة على الاقتصاد، بل رأس مال بشري يمكن أن يرفع إنتاجية المؤسسات ويدعم الابتكار ويفتح أسواقًا جديدة. كما أن وجود آلاف الكفاءات التونسية في الخارج يمكن أن يتحول إلى فرصة اقتصادية إذا تم بناء آليات حقيقية لربطها بالمؤسسات والمشاريع داخل تونس، من خلال الاستثمار ونقل التكنولوجيا والخبرة والشراكات والبحث والتطوير. وليس المطلوب بالضرورة أن يعود الجميع، وإنما أن تبقى الصلة الاقتصادية والعلمية قائمة بين هذه الطاقات والاقتصاد الوطني.

أما الاستثمار الأجنبي، فلا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم الأموال التي تدخل البلاد، بل بقدرته على رفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد. الاستثمار الأكثر فائدة هو الذي يخلق وظائف ذات جودة، ويدمج المؤسسات المحلية في سلاسل الإنتاج، وينقل المعرفة والتكنولوجيا، ويفتح أسواقًا جديدة أمام المنتجات والخدمات التونسية. فالمنافسة اليوم لا تقوم فقط على جذب رأس المال، وإنما على القدرة على تحويل رأس المال إلى إنتاج وتكنولوجيا وتصدير.

ومن هنا تأتي أهمية التصدير. فالسوق التونسية، مهما تطورت قدرتها الاستهلاكية، لا يمكن أن تكون وحدها قاعدة كافية لبناء نمو قوي ومستدام. الاقتصاد يحتاج إلى مؤسسات تنظر إلى الخارج منذ مرحلة الإنتاج، وتعمل على تطوير منتجات وخدمات قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية. ويمكن لتونس أن توسع حضورها في قطاعات متعددة، من الصناعات الغذائية والتحويلية إلى الخدمات الرقمية والهندسية والبرمجيات والسياحة والخدمات المهنية، خصوصًا إذا تم الجمع بين الخبرة المحلية والشبكات الدولية للكفاءات التونسية.

وتقدم تجارب دول آسيوية مثل ماليزيا وإندونيسيا درسًا مهمًا في هذا المجال. القيمة الأساسية لهذه التجارب لا تكمن في إمكانية نسخها حرفيًا، وإنما في فهم الطريقة التي استطاعت بها هذه الاقتصادات تطوير قدراتها الإنتاجية، وجذب الاستثمارات، وتوسيع صادراتها، وربط التنمية بالاستثمار في البنية التحتية والموارد البشرية وتحسين بيئة الأعمال. والدرس بالنسبة إلى تونس بسيط في جوهره: الموارد وحدها لا تصنع التنمية؛ الذي يصنعها هو حسن تنظيم الموارد وتحويلها إلى إنتاج قابل للمنافسة.

ولا يمكن أن تكتمل هذه الرؤية من دون إعادة التفكير في التنمية المحلية. فالتنمية لا يجب أن تعني فقط توزيع الاعتمادات بين الجهات، بل ينبغي أن تعني اكتشاف المزايا الاقتصادية لكل منطقة وتحويلها إلى مشاريع منتجة. جهة تمتلك إمكانات فلاحية يمكن أن تتجه نحو الصناعات الغذائية ذات القيمة المضافة، وأخرى تملك مقومات سياحية يمكن أن تطور منتجًا أكثر تنوعًا، فيما تستطيع مناطق أخرى الاستثمار في الخدمات الرقمية أو اللوجستيك أو الصناعات التصديرية. بهذه الطريقة تصبح التنمية المحلية جزءًا من استراتيجية الاقتصاد الوطني، لا مجرد إنفاق عمومي موزع جغرافيًا.

وفي كل هذه الملفات، يبقى الوقت أحد أهم الموارد الاقتصادية. المشروع المتأخر هو رأس مال مجمد، والإجراء البطيء هو كلفة إضافية، والقرار الذي يستغرق وقتًا طويلًا قد يجعل فرصة الاستثمار أو التصدير أقل جاذبية. لذلك فإن تسريع الإدارة والمشاريع ليس مسألة تقنية فقط، بل سياسة اقتصادية بامتياز. الاقتصاد الحديث لا ينافس فقط بالسعر والجودة، وإنما ينافس أيضًا بالسرعة والقدرة على الاستجابة.

إن الإصلاح الاقتصادي الذي تحتاجه تونس لا يقوم على إجراء واحد أو قرار منفرد، وإنما على تغيير تدريجي في طريقة إدارة الاقتصاد: رقابة فعالة، إدارة تقاس نتائجها، استثمار منتج، كفاءات مستثمرة، مشاريع أسرع، إنتاجية أعلى، وتنمية محلية مرتبطة بخلق القيمة والتصدير. هذه العناصر مترابطة؛ فإذا تحسن أداء الإدارة تحسن مناخ الاستثمار، وإذا ارتفعت الإنتاجية تحسنت القدرة التنافسية، وإذا تطورت المؤسسات زادت فرص التصدير، وإذا توسع التصدير أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على خلق الثروة.

وفي النهاية، لا تحتاج تونس إلى أن تبحث دائمًا عن موارد جديدة قبل أن تتعلم كيف تستخدم بكفاءة أكبر الموارد التي تملكها. فالثروة ليست فقط في المال أو الأرض أو رأس المال، وإنما أيضًا في الوقت والكفاءة والمعرفة والتنظيم والقدرة على التنفيذ. ولذلك فإن المعركة الاقتصادية الحقيقية خلال السنوات المقبلة يجب أن تكون معركة رفع الإنتاجية وتقليص الهدر وتسريع الاستثمار وتحويل الكفاءات إلى قوة اقتصادية.

فالسؤال الذي يجب أن يحكم المرحلة المقبلة ليس فقط: كم أنفقنا؟ وإنما: ماذا أنتجنا، ماذا صدّرنا، وما القيمة التي أضفناها؟

ومن هذا السؤال يبدأ الإصلاح الاقتصادي الحقيقي.

 

مقالات ذات صلة