
تشهد تونس خلال السنوات الأخيرة انفلاتاً متسارعاً في سوق الإيجارات، سواء تعلق الأمر بالسكن أو بالمحلات التجارية والفضاءات المهنية، في مشهد بات يضغط بقوة على القدرة الشرائية للمواطنين ويخنق المؤسسات الصغرى والمتوسطة. ولم تعد أزمة الكراء مجرد إشكال اجتماعي مرتبط بالسكن، بل تحولت إلى معضلة اقتصادية وتنموية تمسّ الاستثمار، والتشغيل، والاستقرار الاجتماعي، وحتى التوازن العمراني داخل المدن.
وفي ظل تأكيد الدولة التونسية على البعد الاجتماعي للإصلاحات الاقتصادية، برزت دعوات متزايدة إلى ضرورة تدخل حكومي شامل لتنظيم هذا القطاع، ووضع حد للمضاربة والفوضى التي تهدد الأمن السكني والإنتاجي في البلاد.
الجزء الأول: كيف انفلتت أسعار الإيجار؟
في المدن الكبرى مثل تونس وصفاقس وسوسة، أصبحت كلفة الإيجار تستنزف في عديد الحالات ما بين 40 و60 بالمائة من دخل العائلات المتوسطة. ورغم هذا الارتفاع الحاد، فإن جودة السكن والخدمات لم تشهد تطوراً يبرر هذه الأسعار.
التحقيق في واقع السوق يكشف أن الأزمة لا ترتبط فقط بندرة العقارات، بل بوجود آليات مضاربة غير منظمة تتحكم في العرض والأسعار. وقد لعبت بعض شبكات الوساطة العقارية والسماسرة دوراً محورياً في تضخيم الأسعار، مستفيدة من غياب رقابة فعلية ومن هشاشة الإطار القانوني المنظم للقطاع.
اقتصاد الريع العقاري
المفارقة الصادمة أن آلاف المساكن تبقى شاغرة في الوقت الذي يعاني فيه المواطن من صعوبة العثور على سكن بأسعار معقولة. هذا التناقض يعكس بوضوح وجود “احتكار غير مباشر” للسوق، حيث يتم الاحتفاظ بالعقارات الفارغة بهدف رفع الأسعار وتحقيق أرباح سريعة.
ويؤكد مختصون أن غياب قاعدة بيانات وطنية دقيقة حول العقارات الشاغرة والإيجارات الحقيقية فتح المجال أمام “اقتصاد ريعي عشوائي” قائم على المضاربة لا على الحاجيات الحقيقية للسوق.
الجزء الثاني: الإيجار المرتفع يخنق المؤسسات الصغرى والمتوسطة
الأزمة لا تتوقف عند السكن، بل تمتد بقوة إلى القطاع الاقتصادي، وخاصة المؤسسات الصغرى والمتوسطة والحرفيين وأصحاب المشاريع الناشئة.
ففي عدد من الأحياء التجارية والصناعية، تضاعفت أسعار كراء المحلات خلال أقل من خمس سنوات، وهو ما جعل كلفة الإيجار تبتلع جزءاً كبيراً من رأس المال التشغيلي للمؤسسات قبل انطلاق النشاط الفعلي.
نتائج اقتصادية خطيرة
- إضعاف المبادرة الخاصة: كثير من الشباب يعزفون عن بعث مشاريع جديدة بسبب ارتفاع كلفة الكراء.
- تراجع التشغيل: المؤسسات تضطر إلى تقليص عدد العمال لتغطية المصاريف الثابتة.
- ارتفاع الأسعار: التجار يحمّلون المستهلك النهائي كلفة الإيجار المرتفعة، ما يساهم في تغذية التضخم.
- إفلاس المشاريع الناشئة: العديد من المؤسسات الصغيرة تغلق أبوابها في أشهرها الأولى بسبب الضغط المالي.
ويرى خبراء اقتصاد أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى إضعاف الدورة الاقتصادية المحلية وتعميق الفوارق الاجتماعية بين المناطق والفئات.
الجزء الثالث: ما الذي يجب أن تفعله الدولة؟
يرى متابعون أن المعالجات الحالية، القائمة أساساً على لجان النزاعات أو التسويات الفردية، لم تعد كافية أمام اتساع الأزمة. لذلك تبرز الحاجة إلى استراتيجية وطنية شاملة تعالج جذور المشكلة بدل الاكتفاء بالحلول الظرفية.
أولاً: وضع نظام وطني لتقنين الإيجارات
أصبح من الضروري وضع إطار تنظيمي واضح يعتمد أسعاراً مرجعية للإيجار حسب المناطق، وجودة البناء، والمساحة، والخدمات المحيطة.
ويقوم هذا النظام على:
- تحديد سقوف معقولة للإيجارات.
- مراجعة الأسعار دورياً وفق مؤشرات اقتصادية رسمية.
- فرض عقوبات مالية على التجاوزات والمضاربة غير القانونية.
- رقمنة عقود الإيجار لضمان الشفافية.
هذا التوجه معمول به في عدة دول لحماية التوازن الاجتماعي ومنع انفلات السوق العقارية.
ثانياً: تنظيم قطاع الوساطة العقارية
من بين أبرز الإصلاحات المطلوبة:
- إصدار كراس شروط صارم لمهنة الوساطة العقارية.
- ضبط العمولة القانونية للوسطاء.
- إلزام الوكالات بالشفافية في عرض الأسعار.
- سحب الرخص من الوكالات المتورطة في المضاربة أو التلاعب بالسوق.
كما يدعو مختصون إلى إنشاء هيئة رقابية مستقلة لمتابعة قطاع الإيجار والعقارات.
ثالثاً: برنامج وطني لترميم المباني المهجورة
تملك تونس رصيداً عمرانياً مهماً من المباني القديمة غير المستغلة، خاصة داخل المراكز الحضرية التاريخية.
ويتمثل أحد الحلول الاستشرافية في:
- إطلاق مشاريع ترميم واسعة بالشراكة بين القطاعين العام والخاص.
- تحويل المباني المهجورة إلى مساكن اجتماعية أو فضاءات عمل مشتركة.
- دعم الحرفيين والمؤسسات الصغرى عبر فضاءات مهنية منخفضة الكلفة.
هذا الخيار لا يساهم فقط في توسيع العرض العقاري، بل يعيد الحياة إلى الأحياء القديمة ويخلق مواطن شغل في قطاع البناء والترميم.
رابعاً: استغلال العقارات العمومية غير المستغلة
يشدد خبراء على ضرورة إجراء جرد وطني شفاف للعقارات التابعة للدولة والبلديات غير المستغلة، مثل:
- المستودعات المهجورة،
- المقرات الإدارية غير المستعملة،
- الشقق والمساكن التابعة للمؤسسات العمومية.
ويمكن توظيف هذه العقارات في:
- السكن الاجتماعي،
- دعم المؤسسات الناشئة،
- فضاءات اقتصادية للشباب والحرفيين.
وهو ما يساهم في كسر الاحتكار وتقليص الضغط على السوق الخاصة.
خاتمة: الأمن السكني جزء من الأمن القومي
تكشف أزمة الإيجارات في تونس عن خلل عميق في التوازن بين الحق في السكن ومتطلبات السوق الحرة. فحين يتحول الإيجار إلى عبء يستنزف دخل العائلات ويمنع المؤسسات من النمو، تصبح المسألة قضية تنموية وسيادية لا مجرد ملف عقاري.
إن تنظيم سوق الإيجار، ومحاربة المضاربة، وإعادة إدماج العقارات المهجورة في الدورة الاقتصادية، تمثل اليوم خطوات ضرورية لإعادة الثقة بين المواطن والدولة، ولضمان حق الجميع في السكن والعمل والاستثمار.
وفي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، تبدو الحاجة ملحّة إلى رؤية حكومية استشرافية تجعل من “الأمن السكني والإنتاجي” أولوية وطنية، باعتباره شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية والاستقرار والعدالة الاجتماعية.








