منوعات

صراع الاستنزاف الكبير: هل نحن أمام ولادة متعثرة لنظام عالمي جديد؟

 ما وراء المواجهات العابرة لم يعد العالم يشهد مجرد “أزمات دورية”، بل نحن بصدد مسار صراعي ممتد يتجاوز الجغرافيا السياسية التقليدية.
إن المشهد الراهن، الذي يتميز بتعدد الأطراف وتشابك المصالح، يشير إلى أننا دخلنا مرحلة “الحرب الطويلة” التي لا تنتهي باتفاقيات حاسمة، بل بمحطات تفاوضية هشة تهدف لإعادة ترتيب الأوراق لا لإنهاء النزاع.
أولاً: استراتيجية “اللاحسم” واتساع الرقعة تعد ضربات “جس النبض” المتبادلة وإدخال أبعاد تكنولوجية وعسكرية جديدة جزءاً من استراتيجية لإبقاء الصراع مفتوحاً. هذا الانفتاح لا يهدف للوصول لنتائج فاصلة ميدانياً بقدر ما يهدف إلى استنزاف الخصم نفسياً ومادياً. ومن هنا، يبرز التوقع بأن الجولة القادمة قد تنزاح من بؤر التوتر الحالية (أوروبا والشرق الأوسط) لتستقر في جنوب بحر الصين، حيث المواجهة الكبرى على “سيادة القرن”.
ثانياً: التحالفات الباردة والمواجهة غير المباشرة يتضح من سلوك القوى الكبرى (روسيا والصين) ميلٌ واضح لعدم الانخراط العسكري المباشر في بؤر النزاع الحالية. بالنسبة للصين، يمثل الاقتصاد “خط الدفاع الأول”، فاتفاقياتها الممتدة مع قوى إقليمية كإيران تجعلها تفضل الدعم الاستراتيجي والسياسي على التورط الميداني. أما روسيا، فترى في هذه الصراعات تشتيتاً للقوى الغربية، مما يمنحها هامش مناورة أوسع دون الحاجة لفتح جبهات مباشرة جديدة.
ثالثاً: الاقتصاد كساحة معركة فاصلة رغم ضجيج السلاح، فإن النتائج الاقتصادية والاجتماعية هي التي سترسم الملامح النهائية للنظام العالمي. نحن أمام ثلاثة مسارات استنزافية كبرى: استنزاف الموارد: القدرة على تأمين الغذاء والطاقة ستحدد الدول “الصامدة” من “المنهارة”. تآكل الهيمنة المالية: بروز التوجه نحو “إلغاء الدولرة” (De-dollarization) كأداة للتمرد على العقوبات الغربية. الشرخ الاجتماعي: التضخم والكساد ليسا مجرد أرقام، بل هما وقود للاضطرابات الداخلية التي قد تُسقط أنظمة من الداخل قبل أن تُهزم عسكرياً.
 القراءة الثالثة للمستقبل إن “النظام العالمي الجديد” لن يولد بانتصار عسكري كاسح، بل سيبرز من بين ركام الدول التي استطاعت الحفاظ على تماسكها الداخلي واكتفائها الذاتي وسط عاصفة الاستنزاف.
المستقبل يبقى مفتوحاً على احتمالات مرعبة، لكنها تحمل في طياتها فرصاً للدول القادرة على قراءة المشهد ببراعة “اللاعب الثالث” الذي يراقب، يستعد، ولا ينجر خلف المعارك العبثية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى