منوعات
القهوة البلدى.. من هناك تبتدي الحكاية!

بقلم د. قياتي عاشور
في كل زقاق وحي مصري، ثمة “رقعة” جغرافية مميزة تفوح منها رائحة “المعسل” ويعلو فيها ضجيج “الديمنو”؛ إنها “القهوة البلدي”. وإذا نظرنا لهذا الحيز المكاني بعين السوسيولوجيا المجردة، سنكتشف أننا لسنا أمام مشروع تجاري بدائي لبيع المشروبات الساخنة، بل نحن أمام “مؤسسة اجتماعية راسخة” تمارس أدواراً وظيفية تفوق في تعقيدها وأهميتها بعض المؤسسات الرسمية.
سوسيولوجياً، تُجسد القهوة المصرية النموذج الأمثل لما أطلق عليه عالم الاجتماع “راي أولدنبرج” مصطلح “المكان الثالث”؛ ذلك الملاذ الوسيط الذي يهرب إليه الإنسان من صرامة “المكان الأول” (المنزل بمتطلباته العائلية) وجدية “المكان الثاني” (العمل بضغوطه الهرمية). لكن القهوة في مصر تكتسب خصوصية ثقافية مدهشة، إذ تتحول إلى “فضاء ديمقراطي” نادر، تذوب فيه الفوارق الطبقية وتتفكك فيه التراتبية الاجتماعية.
على “القهوة”، تسقط الألقاب الرسمية. يجلس “الأفندي” ببدلته الرسمية ملاصقاً لـ “الأسطى” بملابس عمله، يجمعهما “حجر شيشة” واحد ونقاش محتدم حول السياسة أو كرة القدم. في هذا المربع، لا تُقاس المكانة بالرصيد البنكي أو الدرجة الوظيفية، بل بـ “خفة الظل”، و”قوة الحجة”، والقدرة على إدارة الحديث. إنها حالة فريدة من “التجانس الاجتماعي” التي تسمح بتدفق الأفكار والهموم بين طبقات قد لا تلتقي أبداً في أي مكان آخر.
وعلى مستوى الوظيفة الاجتماعية، تلعب القهوة دور “البرلمان الشعبي غير الرسمي”. ففي رحابها يتشكل ما نسميه بـ “الرأي العام”؛ حيث يتم تداول الأخبار، وتشريح القرارات الحكومية، وصياغة التوجهات الشعبية بذكاء فطري. كما أنها تمارس دور “المحكمة العرفية”؛ فكم من منازعات بين الجيران، وخلافات مالية وعائلية، تم حلها ودياً على طاولة القهوة بكلمة شرف وكوب شاي، بعيداً عن أروقة المحاكم وأقسام الشرطة، مما يجعلها إحدى أهم آليات “الضبط الاجتماعي” وحفظ السلم الأهلي في الأحياء الشعبية.
أما البعد الأكثر عمقاً، فهو الدور النفسي. فالقهوة هي “العيادة النفسية” للرجل المصري. في ثقافة لا تعترف كثيراً بالطب النفسي، يذهب الرجال للقهوة لممارسة آلية “التفريغ الانفعالي”. هناك، يجدون آذاناً صاغية، ومشاركة وجدانية من غرباء يصبحون بمرور الوقت أقرب من الأهل. هذا “الضجيج الحميم” يوفر لهم الحماية من الاكتئاب ومن مشاعر العزلة والاغتراب التي تفرضها الحياة الحديثة.
ورغم الهجمة الشرسة لـ “الكافيهات الغربية” بديكوراتها الباردة وخدماتها الفندقية، تظل القهوة البلدي صامدة وعصية على الانقراض. والسر يكمن في فلسفة المكان؛ فالكافيهات الحديثة تبيع لك “الخصوصية” (حيث تدفع لتعزل نفسك)، بينما القهوة البلدي تبيع لك “الأُنس” (حيث تدفع لتندمج مع البشر). ونحن، كشعوب عاطفية، لا نزال نؤمن بأن “الونس” هو السلعة الأغلى التي لا تقدر بمال، وأن الحياة لا تطاق بدون تلك “اللمة” التي تذكرنا دائماً بأننا لسنا وحدنا في هذا العالم.










