منوعات

الصين تهيمن على بطاريات تخزين الطاقة.. معركة جديدة على قلب التحول العالمي للكهرباء

نحو 95% من سوق بطاريات التخزين تحت النفوذ الصيني، فيما تتحرك واشنطن وبروكسل لتنويع سلاسل الإمداد وسط فجوة كلفة تجعل منافسة الصناعة الصينية أكثر تعقيداً

شمس اليوم 

لم تعد المنافسة العالمية على مستقبل الطاقة النظيفة تدور فقط حول من ينتج أكبر قدر من الكهرباء من الشمس والرياح، بل باتت تمتد إلى سؤال أكثر حساسية: من يملك القدرة على تخزين هذه الكهرباء والتحكم في التكنولوجيا التي تحفظها وتعيد ضخها إلى الشبكة عند الحاجة؟

وفي هذا السباق، تظهر الصين في موقع مركزي للغاية، بعدما أصبحت تهيمن على الجزء الأكبر من صناعة بطاريات تخزين الطاقة، من تصنيع الخلايا إلى المواد الأولية والمكونات التي تتحكم في تشغيل الأنظمة.

ووفق تقدير عرضه أستاذ من جامعة تسينغهوا في مايو/أيار 2026، تستحوذ الصين على نحو 95% من السوق العالمية لبطاريات الليثيوم المخصصة لتخزين الطاقة. كما تشير بيانات Benchmark Mineral Intelligence إلى أن أكبر عشرة مورّدين لخلايا بطاريات التخزين في عام 2025 كانوا جميعاً شركات صينية، واستحوذوا مجتمعين على نحو 90% من الشحنات العالمية.

من الكهرباء المتقطعة إلى كهرباء عند الطلب

تكتسب البطاريات أهمية متزايدة مع توسع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لأن إنتاجهما يرتبط بالطقس وساعات النهار ولا يتطابق دائماً مع لحظة ارتفاع الطلب على الكهرباء.

وهنا يأتي التخزين ليؤدي وظيفة استراتيجية: تُشحن البطاريات عندما يكون إنتاج الكهرباء مرتفعاً أو الطلب منخفضاً، ثم تُفرغ الطاقة المخزنة عندما يرتفع الاستهلاك أو ينخفض الإنتاج.

وتوضح وكالة الطاقة الدولية أن البطاريات أصبحت إحدى أهم أدوات المرونة قصيرة الأجل للشبكات الكهربائية، خصوصاً في نقل الكهرباء من وقت إنتاجها إلى وقت استخدامها.

ولم يعد هذا الاستخدام هامشياً؛ فقد أضاف العالم 108 غيغاوات من قدرات التخزين بالبطاريات خلال عام 2025، بزيادة 40% على أساس سنوي، بينما أصبحت القدرة المركبة عالمياً تعادل نحو 11 ضعف مستواها في عام 2021.

الصين.. سوق ضخمة تصنع الصناعة

لم تأتِ الهيمنة الصينية من التصنيع وحده، بل من بناء سوق محلية ضخمة دعمت في الوقت نفسه تطوير التكنولوجيا وسلاسل الإنتاج.

فقد وضعت الصين منذ عام 2021 هدفاً يتجاوز 30 غيغاوات من قدرات التخزين الجديدة بحلول 2025، قبل أن تتجاوز النتائج ذلك الهدف بفارق كبير.

وبحلول نهاية 2025، وصلت قدرة التخزين في الصين إلى نحو 136 غيغاوات، بسعة طاقية تبلغ 351 غيغاوات ساعة، بينما بلغت قدرة التخزين ببطاريات الليثيوم وحدها نحو 131 غيغاوات.

وساعد اتساع السوق على تطوير التكنولوجيا وخفض تكاليفها، كما ارتفع العمر التشغيلي المقاس بدورات الشحن والتفريغ لخلايا التخزين التجارية من نحو 5 آلاف دورة في 2021 إلى نحو 15 ألف دورة في 2025، وفق البيانات الواردة في المادة.

انخفاض الأسعار يسرّع سباق التخزين

أصبح انخفاض الكلفة عاملاً حاسماً في انتشار البطاريات.

فوفق وكالة الطاقة الدولية، تراجع متوسط أسعار أنظمة تخزين البطاريات عالمياً في 2025 إلى نحو ثلث مستواه في 2020، مدفوعاً بتطور التصنيع وتحسن التقنيات وزيادة المنافسة ووفرة المعروض.

وتبرز هنا بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم LFP، التي استحوذت على أكثر من 90% من تركيبات التخزين الثابت عالمياً في 2025.

وتتمتع هذه التقنية بكثافة طاقة أقل من بعض بطاريات السيارات الكهربائية، لكنها تتميز بكلفة أقل وقدرة مناسبة على تحمل دورات الشحن والتفريغ المتكررة، وهو ما يجعلها ملائمة بصورة خاصة لتخزين الكهرباء على مستوى الشبكات.

الهيمنة لا تبدأ عند الخلية

لكن حجم التفوق الصيني لا يمكن قياسه بعدد مصانع البطاريات فقط.

فالجزء الأكثر حساسية من سلسلة الإمداد يوجد أيضاً في المواد والمكونات التي تسبق تصنيع الخلية.

وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الصين تمتلك نحو 97% من القدرة الإنتاجية لمواد الأقطاب السالبة، كما يتركز تصنيع المواد الفعالة للأقطاب الموجبة ومدخلاتها الوسيطة الخاصة ببطاريات LFP إلى حد كبير داخل الصين.

وهذا يعني أن إنشاء مصانع بطاريات جديدة في الولايات المتحدة أو أوروبا لا يؤدي تلقائياً إلى الاستقلال عن الصين، إذا ظلت المواد والمكونات الأساسية مستوردة من السوق الصينية.

وتقول وكالة الطاقة الدولية إن جميع البطاريات المستخدمة تقريباً في شبكات الكهرباء تعتمد على الصين في مرحلة واحدة على الأقل من سلسلة التوريد.

واشنطن تنظر إلى البطاريات باعتبارها قضية أمن

انتقلت القضية تدريجياً من الاقتصاد الصناعي إلى الأمن الاستراتيجي.

ففي الولايات المتحدة، أظهر تقييم لوزارة الطاقة نُشر في يناير/كانون الثاني 2025 أن موردي أنظمة التخزين الذين شملتهم الدراسة كانوا يعتمدون على مورد صيني في أحد مكونات إدارة البطارية أو تحويل الطاقة أو العاكس الكهربائي.

ولا تتعلق المخاوف الأميركية بسلاسل التوريد فقط، بل تمتد إلى الأمن السيبراني والتحكم عن بُعد وتحديث البرمجيات، نظراً إلى اتصال أنظمة التخزين بالشبكات الكهربائية.

وفي فبراير/شباط 2026، أصدرت السلطات الأميركية توجيهات تربط الاستفادة من بعض الحوافز الضريبية لمشروعات تخزين الطاقة والتصنيع بمستوى الاعتماد على مدخلات مرتبطة بما تصفه القواعد الأميركية بالكيانات الأجنبية المحظورة.

أوروبا تدخل سباق التنويع

ولا تتحرك الولايات المتحدة وحدها.

فالاتحاد الأوروبي أدرج البطاريات والتخزين ضمن التقنيات التي يستهدف تطوير قدراتها الصناعية محلياً، مع هدف بأن تغطي القدرة التصنيعية الأوروبية ما لا يقل عن 40% من الاحتياجات السنوية لنشر التقنيات المشمولة بالقانون بحلول 2030.

وفي يوليو/تموز 2026، نشرت المفوضية الأوروبية توجيهات جديدة بشأن المشتريات العامة ومزادات الطاقة المتجددة، تتضمن معايير تتجاوز السعر، مثل تنويع الإمدادات والاستدامة والأمن السيبراني.

وتعكس هذه السياسات تحولاً في النظرة إلى الطاقة النظيفة: فالأولوية لم تعد فقط لخفض الانبعاثات أو الحصول على الكهرباء بأقل سعر، وإنما أيضاً لضمان مرونة سلاسل التوريد وقدرتها على الصمود أمام الأزمات.

محاولة لبناء بدائل أميركية

وتظهر محاولات عملية لتقليص الاعتماد على الصين.

فقد أعلنت شركة LG Energy Solution الكورية في أغسطس/آب 2026 بدء الإنتاج في مصنعها بمدينة لانسينغ الأميركية، مع خطة للوصول إلى قدرة تتجاوز 50 غيغاوات ساعة سنوياً لإنتاج خلايا LFP في أميركا الشمالية بنهاية العام.

لكن بناء البديل ليس مسألة إنشاء مصانع جديدة فقط.

فوفق وكالة الطاقة الدولية، يمكن أن تكون تكاليف الإنتاج في أوروبا والولايات المتحدة أعلى بنحو 50% من الصين حتى قبل احتساب الدعم الحكومي، وهو فارق يجعل المنافسة السعرية تحدياً كبيراً أمام أي محاولة لإعادة بناء سلسلة توريد كاملة خارج الصين.

الفجوة ليست في التكنولوجيا وحدها

وتكمن إحدى نقاط القوة الصينية في تراكم الخبرة الصناعية وكفاءة الإنتاج.

ففي المصانع الصينية، تتجاوز نسبة الإنتاج الصالح للبيع في المتوسط 90%، بينما تواجه المصانع الجديدة عادة معدلات أعلى من الإنتاج غير القابل للبيع خلال مراحل التشغيل الأولى، ما يضغط على الكلفة والربحية.

ولهذا فإن نقل صناعة البطاريات إلى مناطق أخرى لا يعني بالضرورة نقل المنظومة الصناعية بأكملها.

فالمنافسة تتطلب توفير المواد الوسيطة، والمكونات، والخبرات الهندسية، وسلاسل اللوجستيات، والسوق القادرة على استيعاب الإنتاج، إضافة إلى استثمارات طويلة الأجل.

المعركة المقبلة.. من يملك التخزين يملك جزءاً من مرونة الشبكة

تكشف صناعة بطاريات تخزين الطاقة عن تحول أعمق في الاقتصاد العالمي.

فالشمس والرياح توفران مورداً طبيعياً محلياً في كثير من الدول، لكن تحويل هذا المورد إلى كهرباء يمكن الاعتماد عليها على مدار الساعة يحتاج إلى بنية تخزين قادرة على التعامل مع تقلب الإنتاج والطلب.

ومن هنا تتحول البطارية من مجرد منتج صناعي إلى عنصر من عناصر البنية التحتية للطاقة.

وتشير المعطيات إلى أن الصين لا تهيمن فقط على الخلايا النهائية، بل تمتلك حضوراً واسعاً في المواد والمكونات وسلاسل التصنيع، ما يجعل تقليص الاعتماد عليها تحدياً يتجاوز بناء مصانع منافسة.

الطاقة النظيفة تدخل عصر المنافسة على سلاسل الإمداد

وبينما يتسارع العالم نحو توسيع الطاقة المتجددة، تظهر مفارقة جديدة: قد تكون الشمس والرياح موارد متاحة محلياً، لكن التكنولوجيا التي تجعل الكهرباء الناتجة عنهما قابلة للتخزين والاستعمال عند الحاجة تظل مرتبطة بسلاسل توريد دولية شديدة التركّز.

ولهذا تتحول بطاريات التخزين إلى واحدة من ساحات المنافسة الصناعية والاستراتيجية في السنوات المقبلة.

فالسؤال لم يعد فقط من ينتج الطاقة النظيفة؟، بل أصبح أيضاً: من يملك القدرة على تخزينها، ومن يسيطر على المواد والتكنولوجيا التي تجعلها متاحة عندما تحتاجها الشبكات؟

وفي هذه المعادلة، تبدو الصين متقدمة بفارق كبير، بينما تبدأ الولايات المتحدة وأوروبا سباقاً طويلاً لإعادة توزيع مراكز الإنتاج وتنويع سلاسل الإمداد، في سوق يُتوقع أن يصبح أحد المفاتيح الرئيسية لمستقبل الكهرباء العالمي.

مقالات ذات صلة