سياحة

الجالية السودانية في الأحساء.. حين تتحول الرحلة إلى جسر بين الإنسان والمكان

بقلم: م. ماجد ناصر الذيابي

قبل أن أحدثكم عن الرحلة السياحية التي جمعتني بعدد من أبناء الجالية السودانية في محافظة الأحساء، أود أن أتوقف عند جانب أراه جديراً بالذكر، وهو الحضور الذي تركه أبناء هذه الجالية في المجتمع المحلي، من خلال مشاركتهم في مجالات متعددة، من الإدارة والاستشارات إلى الزراعة والتجارة وغيرها من الأنشطة المهنية والاجتماعية.

وقد عُرف كثير من أبناء الجالية السودانية بحسن التعامل والبساطة وروح التعاون، وهي صفات أسهمت في بناء علاقات اجتماعية طيبة بينهم وبين سكان الأحساء والمقيمين فيها. وهذه ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل انطباع تكوّن لدي خلال سنوات من التعامل والاحتكاك.

لكن حديثنا اليوم ليس عن الجالية فقط، وإنما عن تجربة سياحية وإنسانية جمعتنا في رحلة لاكتشاف جانب من تاريخ الأحساء وطبيعتها.

من الصباح الباكر تبدأ الحكاية

عندما يبدأ يومك في الصباح الباكر بعيداً عن الرسميات والمظاهر، وبين مجموعة من الشباب الذين يحبون البساطة وروح المرح والاستكشاف، تتغير طبيعة الرحلة.

في مثل هذه الأجواء، لا تكون مجرد مرشد سياحي، بل تجد نفسك أخاً وصديقاً ومعلماً في الوقت نفسه، تشارك الآخرين تفاصيل المكان وقصصه، وتكتشف معهم ما قد لا تراه في الزيارات السريعة.

ومن المهم هنا التأكيد على أن الإرشاد السياحي في المملكة العربية السعودية يخضع لتنظيم وترخيص، وأن المرشد السياحي المرخص يمر ببرامج تدريبية تساعده على أداء مهمته بصورة مهنية، بما في ذلك جوانب تتعلق بالسلامة والإسعافات الأولية.

برنامج يجمع التاريخ بالطبيعة

حرصت خلال هذه الرحلة على إعداد برنامج سياحي متنوع يجمع بين الماضي والحاضر، وبين المعالم التاريخية والطبيعة والصحراء.

وتتميز محافظة الأحساء بتنوع جغرافي وثقافي لافت؛ فهي تحتضن واحة واسعة تشتهر بالنخيل والمياه، وتمتد مناطقها إلى بيئات صحراوية، كما تقع بالقرب من الخليج العربي.

وكانت محطات الرحلة متنوعة، من الأسواق التاريخية والقصور القديمة إلى المزارع والجبال والبحيرات والميناء التاريخي.

سوق القيصرية.. ذاكرة تجارية حية

كانت البداية من سوق القيصرية في الهفوف، أحد أبرز الأسواق التاريخية في الأحساء، والذي يمثل جزءاً من الذاكرة التجارية والعمرانية للمنطقة.

وتمنح أزقة السوق ودكاكينه الصغيرة الزائر فرصة للتعرف على جانب من الحياة التجارية التقليدية التي ارتبطت بتاريخ الأحساء وموقعها الاقتصادي.

قصر إبراهيم.. التاريخ في قلب الهفوف

ثم انتقلنا إلى قصر إبراهيم، المعروف أيضاً بقلعة إبراهيم أو قصر القبة، وهو من أبرز المعالم التاريخية في الأحساء.

ويمثل القصر شاهداً على مراحل مهمة من تاريخ المنطقة، بما يجمعه من عناصر دفاعية ومعمارية ودينية، ويظل واحداً من المواقع التي تستوقف الزائر بما تحمله جدرانه من ذاكرة تاريخية.

قصر صاهود.. قلعة تحمل اسم مدفع

كانت المحطة التالية قصر صاهود، وهو حصن تاريخي ارتبط اسمه بمدفع كبير كان موجوداً في الموقع، ومنه جاءت التسمية المتداولة للقصر.

ويعكس هذا المعلم جانباً من طبيعة التحصينات التي كانت تعتمد عليها مدن المنطقة في مراحل تاريخية مختلفة.

من التراث إلى الحياة الحديثة

ولم تقتصر الرحلة على المواقع التاريخية، بل شملت أيضاً العثيم مول، في صورة تعكس الانتقال من الأسواق التقليدية إلى مراكز التسوق الحديثة التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية في الأحساء.

وهنا تظهر مفارقة جميلة في الرحلة: في اليوم نفسه يمكن للزائر أن ينتقل من سوق تاريخي عمره عقود طويلة إلى مركز تجاري حديث، فيرى كيف تعيش ذاكرة المكان إلى جانب مظاهر الحياة المعاصرة.

مزارع الأحساء وجبل القارة

ومن أجمل محطات الرحلة زيارة مزارع الأحساء، التي تمنح الزائر صورة حية عن طبيعة الواحة وأهمية النخيل والزراعة في تاريخ المنطقة واقتصادها.

كما كانت هناك زيارة إلى جبل القارة، المعروف أيضاً باسم جبل الشبعان، وهو أحد المعالم الطبيعية البارزة في الأحساء، ويتميز بتكويناته الصخرية ومغاراته وإطلالاته التي جعلته من الوجهات المعروفة لدى الزوار.

بحيرة الأصفر.. مشهد مختلف للأحساء

ثم جاءت محطة بحيرة الأصفر، المعروفة أيضاً ببحيرة هَجَر، وهي من المواقع الطبيعية التي تمنح الأحساء بعداً مختلفاً عن الصورة التقليدية للواحة.

فبين النخيل والصخور والبيئات الصحراوية، تظهر البحيرة باعتبارها أحد المشاهد الطبيعية اللافتة في المنطقة.

العيون الساخنة

ومن المحطات التي أثارت اهتمام المشاركين أيضاً العيون الساخنة، وهي من الظواهر الطبيعية التي ارتبطت بالأحساء منذ زمن طويل.

وتُعرف بعض هذه العيون بمياهها الدافئة، وقد ارتبطت شعبياً باستخدامات استشفائية، مع أهمية التمييز بين المعتقدات والاستخدامات الشعبية وبين أي ادعاءات طبية تحتاج إلى دليل متخصص.

العقير.. ذاكرة البحر والتجارة

ولم تكتمل الرحلة من دون زيارة ميناء العقير، أحد أبرز المواقع التاريخية المرتبطة بتاريخ الأحساء وصلاتها التجارية والبحرية.

ويحمل العقير ذاكرة طويلة تتصل بالتجارة والنقل البحري والعلاقات الاقتصادية التي ربطت المنطقة بمحيطها.

كما شملت الزيارة قلعة العقير أو الحصن، الذي ارتبط بوظائف إدارية ودفاعية داخل الميناء، إلى جانب عدد من المنشآت التاريخية الأخرى التي تعكس أهمية العقير في فترات مختلفة.

التنوع الديني والثقافي جزء من ذاكرة المكان

ومن الجوانب التي تستحق التأمل في الأحساء أيضاً تنوع معالمها الدينية والثقافية، بما في ذلك المساجد التاريخية والمدارس المرتبطة بالمذاهب الفقهية السنية، إلى جانب الحسينيات والمعالم المرتبطة بالمجتمع الشيعي في المنطقة.

وهذا التنوع جزء من النسيج الاجتماعي والتاريخي للأحساء، ويمنح الزائر فرصة لفهم المكان بعيداً عن الصورة السياحية التقليدية، باعتباره مساحة تراكمت فيها طبقات متعددة من التاريخ والمجتمع والثقافة.

رحلة قصيرة.. وذاكرة طويلة

كانت هناك معالم أخرى كثيرة، لكنني ذكرت هنا بعض المحطات التي زرناها خلال الرحلة.

والسؤال الذي ظل يرافقني في نهايتها: كيف مرت هذه الأيام بهذه السرعة؟

لا أعرف.

لكنني أعرف شيئاً واحداً: كانت رحلة موفقة، جمعت بين السياحة والمعرفة والصداقة، وأتاحت لنا أن نرى الأحساء من أكثر من زاوية.

وربما تكون أجمل الرحلات تلك التي لا تنتهي بانتهاء الطريق، بل تترك في الذاكرة أشخاصاً جددًا، ومواقف جميلة، وصوراً تجعلنا نرغب في العودة مرة أخرى.

الأحساء ليست مجرد وجهة تُزار، بل حكاية تُكتشف.

مقالات ذات صلة