أخبار العالم العربي

واشنطن وطهران بين التصعيد وشروط التفاوض.. هل تفتح الدبلوماسية باب الخروج من الحرب؟

رسائل متناقضة بين التهديد العسكري والوساطات.. ومضيق هرمز يتحول إلى مفتاح أساسي في معركة الضغط والتفاوض

في اليوم الـ95 من توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، وبعد أكثر من 200 يوم على اندلاع الحرب بين الجانبين، لا تزال المواجهة تتحرك على أكثر من مسار في وقت واحد: تصعيد عسكري متواصل، ضغوط اقتصادية متزايدة، تحركات إقليمية متسارعة، وفي المقابل اتصالات دبلوماسية تحاول إبقاء باب التسوية مفتوحًا.

المشهد لا يبدو مستقيمًا نحو الحرب أو السلام؛ فبينما تصدر من طهران رسائل تؤكد الاستعداد لما تصفه بـ”الحرب الحاسمة”، تتواصل في الوقت نفسه الاتصالات عبر الوسطاء، ولا سيما قطر وباكستان، لنقل المقترحات والردود بين الطرفين.

طهران ترفع سقف التهديد.. لكنها لا تغلق باب التفاوض

في أحدث الرسائل الإيرانية، قال أمين مجلس الأمن القومي الإيراني محسن رضائي إن طهران غيّرت نهجها التفاوضي بعد الانسحاب الأمريكي من التفاهمات، مشيرًا إلى أن بلاده سلّمت شروطها إلى الوسيطين القطري والباكستاني.

وفي الوقت نفسه، تحدث رضائي عن استعداد إيران لخوض ما وصفها بـ”حرب حاسمة”، وكشف عن اختبار صاروخ مضاد للسفن، في رسالة عسكرية تتزامن مع الرسالة السياسية التي تحملها الاتصالات مع الوسطاء.

وتكشف هذه المعادلة عن محاولة إبقاء مسارين مفتوحين في آن واحد: رفع كلفة التصعيد عسكريًا، مع عدم إسقاط الخيار الدبلوماسي.

شروط إيرانية تنتظر الرد الأمريكي

بحسب ما ورد في النص الأصلي، قال رضائي إن طهران على تواصل مع الوسيط القطري الذي نقل شروطها إلى واشنطن بهدف وقف الحرب، وإنها تنتظر رد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عليها.

وهنا تبدو الوساطة عنصرًا أساسيًا في المشهد؛ فالمفاوضات المباشرة ليست وحدها التي تحدد مسار العلاقة بين الطرفين، بل أصبحت الرسائل المتبادلة عبر دول وسيطة جزءًا من عملية التفاوض نفسها.

وتؤكد التطورات الأخيرة استمرار هذا المسار؛ إذ أفادت تقارير في 19 سبتمبر بأن إيران نقلت عبر قطر شروطًا لإنهاء الحرب، في وقت بقيت فيه قضايا مثل الحصار والموانئ والأصول الإيرانية ضمن الملفات المطروحة.

مضيق هرمز.. ساحة المواجهة الأخطر

بعيدًا عن التصريحات السياسية، يبقى مضيق هرمز أحد أكثر الملفات حساسية في المواجهة.

فالممر البحري لا يمثل مجرد نقطة جغرافية ضيقة، بل شريانًا رئيسيًا لحركة الطاقة والتجارة العالمية. ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في الملاحة عبره ينعكس سريعًا على الأسواق وأسعار الطاقة وتكاليف النقل والتأمين.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن حركة السفن في المضيق لا تزال تواجه قيودًا ومخاطر، بينما تواصل الولايات المتحدة محاولة تأمين مسارات العبور، في حين تتمسك طهران بموقفها من الملاحة في المنطقة. وقد أكدت تقارير حديثة أن إيران أعلنت استهداف ناقلة نفط أثناء محاولتها عبور المضيق، مع تعذر التحقق المستقل فورًا من الرواية الإيرانية.

واشنطن تحاول إبقاء خطوط الملاحة مفتوحة

في المقابل، قال قائد القيادة المركزية الأمريكية براد كوبر إن القوات الأمريكية أمّنت عبور نحو ألفي سفينة وناقلة نفط، إضافة إلى أكثر من مليار برميل من النفط عبر المسارات التي تؤمّنها في منطقة مضيق هرمز.

وتعكس هذه التصريحات أهمية البعد البحري في الصراع، إذ لم تعد المعركة محصورة في الضربات العسكرية، بل امتدت إلى قدرة كل طرف على التأثير في حركة السفن والطاقة والتجارة.

وتتحدث تقارير حديثة كذلك عن استمرار انخفاض حركة الملاحة مقارنة بالمعدلات المعتادة، وهو ما يعكس حجم المخاطر التي تواجه شركات الشحن والطاقة حتى مع وجود محاولات لتأمين الممر.

الحرب لا تتوقف عند الخليج

المشهد الإقليمي لا يقتصر على إيران والولايات المتحدة.

فالتصعيد امتد إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مع استمرار هجمات الحوثيين على السعودية وتهديد طرق الملاحة والمنشآت المرتبطة بالطاقة.

وفي 19 سبتمبر، أعلنت السعودية اعتراض صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه الرياض، بينما تحدث الحوثيون عن استهداف منشآت نفطية سعودية لم يتم التحقق من هذه المزاعم بشكل مستقل.

كما أعلنت تركيا استعدادها لدعم السعودية عسكريًا في إطار اتفاق دفاعي مشترك، في تطور يوضح كيف بدأت الحرب تأخذ أبعادًا أمنية إقليمية أوسع.

الرسالة الإيرانية: الحرب والتفاوض في الوقت نفسه

من أبرز ما يميز الموقف الإيراني الحالي الجمع بين خطاب التصعيد ورسائل التفاوض.

ففي حين يؤكد المسؤولون الإيرانيون الاستعداد لمواجهة عسكرية طويلة، تستمر الاتصالات مع الوسطاء وتبادل المقترحات بشأن وقف الحرب.

وهذا التناقض الظاهري قد يكون في الواقع جزءًا من طبيعة التفاوض خلال الأزمات العسكرية: كل طرف يحاول تحسين موقعه التفاوضي عبر إظهار قدرته على الاستمرار، وفي الوقت نفسه يترك نافذة مفتوحة أمام التسوية.

وفي هذا السياق، نقل النص الأصلي عن خبراء أن تصريحات رضائي تعكس تمسك طهران بمكتسبات مذكرة التفاهم، مع وجود مرونة مشروطة بتغير الموقف الأمريكي.

داخل واشنطن.. ترقب للخطوات المقبلة

على الجانب الأمريكي، عادت الأنظار إلى البيت الأبيض مع قطع الرئيس دونالد ترمب إجازته في كامب ديفيد وعودته إلى واشنطن، في وقت كانت إدارته تدرس فيه خطواتها المقبلة بشأن الحرب مع إيران.

وقد ربطت تقارير أمريكية عودته المبكرة بالتطورات المتسارعة، دون أن يكشف البيت الأبيض سببًا رسميًا واضحًا لتقليص مدة إقامته في كامب ديفيد.

وفي ظل استمرار الحرب، أصبحت الإدارة الأمريكية أمام مجموعة من الملفات المتشابكة: الوضع العسكري، أمن الملاحة، أسعار الطاقة، حماية القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة، ومسار الاتصالات السياسية مع طهران.

الصين تدخل على خط التهدئة

ولم تبقَ القوى الكبرى بعيدة عن المشهد.

ففي 16 سبتمبر، دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي إيران والولايات المتحدة إلى ضبط النفس والعودة إلى اتفاق السلام المؤقت الموقع في يونيو، مؤكدًا أهمية استئناف المشاورات وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة.

وتحاول بكين من خلال هذا الموقف الدفع باتجاه احتواء التصعيد، خصوصًا أن استمرار اضطراب المضيق يمس مباشرة أمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

الاقتصاد يدفع فاتورة الحرب

كلما طال أمد المواجهة، أصبحت الكلفة الاقتصادية أكثر وضوحًا.

فاضطراب حركة السفن يرفع مخاطر النقل والتأمين، وأي نقص في إمدادات الطاقة يمكن أن ينتقل سريعًا إلى الأسواق العالمية، ثم إلى تكلفة النقل والصناعة والغذاء.

وفي هذا السياق، قال مسؤول سابق في حملة ترمب بولاية ديلاوير، روب أرليت، إن السياسات الإيرانية تؤثر سلبًا في الاقتصاد الدولي، في تصريح يعكس جانبًا من الجدل الأمريكي حول الكلفة الاقتصادية للمواجهة.

لكن التأثير لا يقع على طرف واحد فقط؛ فالحرب الطويلة تفرض تكاليف مباشرة وغير مباشرة على جميع الاقتصادات المرتبطة بالطاقة والتجارة البحرية.

الشرق الأوسط أمام دائرة تصعيد أوسع

القلق لا يقتصر على الخليج.

فالسفارات الأجنبية في المنطقة رفعت مستوى التحذير من احتمالات التصعيد، فيما حذرت السفارة الأمريكية في العراق مواطنيها من احتمال حدوث تطورات غير متوقعة وإغلاق محتمل للمجال الجوي وإلغاء بعض الرحلات.

وفي الوقت نفسه، تتقاطع التطورات في الخليج مع ما يجري في البحر الأحمر ولبنان وغزة، بما يجعل أي توسع إضافي في الحرب قادرًا على خلق أزمات متزامنة في أكثر من جبهة.

السؤال الأصعب: من يملك قرار الحرب والسلام؟

مع استمرار تبادل التهديدات والرسائل، يعود السؤال الأساسي: من يملك بالفعل القدرة على اتخاذ قرار الانتقال من التصعيد إلى التسوية؟

فالحرب بين واشنطن وطهران لم تعد ملفًا ثنائيًا صرفًا؛ إذ ترتبط بها حسابات دول الخليج، وأمن الملاحة الدولية، ومصالح الصين، ومواقف القوى الأوروبية، إلى جانب الملفات الإقليمية الممتدة من اليمن إلى البحر الأحمر ولبنان وغزة.

ولهذا فإن أي اتفاق محتمل لن يكون مجرد إعلان لوقف إطلاق النار، بل سيكون بحاجة إلى ترتيبات أكثر تعقيدًا تتعلق بالأمن والملاحة والعقوبات والطاقة والملفات النووية والضمانات المتبادلة.

بين صاروخ ورسالة دبلوماسية

المشهد الحالي يحمل مفارقة واضحة: كلما ارتفعت نبرة التهديد العسكري، ازدادت أهمية القنوات الدبلوماسية.

إيران ترسل رسائل تؤكد قدرتها على مواصلة المواجهة، والولايات المتحدة تحاول حماية مصالحها وممرات الملاحة، بينما تتحرك قطر وباكستان ودول أخرى لنقل الرسائل، وتدعو الصين إلى العودة إلى التفاوض.

وفي ظل هذا الواقع، لا تبدو التسوية مسارًا سهلًا أو مضمونًا، كما أن استمرار الحرب يحمل تكاليف متزايدة على المنطقة والاقتصاد العالمي.

المؤكد حتى الآن أن مضيق هرمز أصبح جزءًا أساسيًا من معادلة التفاوض نفسها؛ ففتح الممر البحري وتأمين حركة الطاقة لن يكونا مجرد قضية اقتصادية، بل أحد المفاتيح التي يمكن أن تؤثر في شكل أي تفاهم مستقبلي بين واشنطن وطهران.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح الوساطات في تحويل الرسائل المتبادلة إلى اتفاق قابل للتنفيذ، أم أن التصعيد الميداني سيواصل فرض إيقاعه على الدبلوماسية؟

في هذه المرحلة، لا تزال الإجابة رهينة بما ستقدمه واشنطن وطهران من تنازلات، وبمدى قدرة الوسطاء على تحويل الاتصالات غير المباشرة إلى ترتيبات عملية توقف الحرب وتعيد فتح طرق التجارة والطاقة.

شمس اليوم – قلم من ذهب ✍️ سعادة

مقالات ذات صلة