أخبار العالم العربي

حرب الممرات البحرية.. كيف تتحول مضائق هرمز وباب المندب وقناة السويس إلى أوراق ضغط في الاقتصاد العالمي؟

من هرمز إلى باب المندب وملقا وبنما.. الممرات البحرية لم تعد مجرد طرق للتجارة، بل أصبحت نقاط اختناق استراتيجية تتحكم في كلفة الطاقة والشحن وسلاسل الإمداد العالمية

شمس اليوم – اقتصاد وجيوبوليتيك

لم تعد الممرات البحرية مجرد خطوط جغرافية تعبرها السفن بين القارات، بل تحولت إلى ركائز أساسية في الاقتصاد العالمي وأدوات مؤثرة في موازين القوة الدولية.

فمن مضيق هرمز وباب المندب إلى قناة السويس ومضيقي ملقا والبوسفور وقناة بنما، تمر الطاقة والسلع والمواد الأولية التي تغذي المصانع والأسواق، فيما تعتمد عليها سلاسل الإمداد التي تربط مراكز الإنتاج بمليارات المستهلكين حول العالم.

ولهذا فإن أي اضطراب يصيب أحد هذه الممرات لا يبقى محصورًا في موقعه الجغرافي، بل يمكن أن ينتقل سريعًا إلى أسعار النفط والغاز، وتكاليف الشحن والتأمين، وأسعار السلع، وأمن الغذاء، والتضخم واستقرار الأسواق الدولية.

وهنا تبرز معادلة جديدة في الاقتصاد السياسي العالمي: من لا يملك السيطرة على التجارة العالمية قد يمتلك القدرة على رفع كلفتها.

جيوبوليتيك الاختناق.. عندما تصبح الجغرافيا أداة اقتصادية

تنبع القوة الاستراتيجية للممرات البحرية من اجتماع ثلاثة عناصر: ضيق المساحة، وكثافة التدفقات العابرة، وصعوبة إيجاد بدائل بالسرعة والكفاءة والكلفة نفسها.

ومن هذه المعادلة ظهر ما يمكن وصفه بـ**«جيوبوليتيك الاختناق»**، حيث تنتقل أهمية القوة من السيطرة على المساحات البحرية الواسعة إلى امتلاك القدرة على حماية نقاط العبور الحيوية أو تهديدها أو التأثير في حركة التدفقات التي تمر عبرها.

وقد ركزت النظريات الجيوبوليتيكية الكلاسيكية على العلاقة بين الجغرافيا والقوة.

فقد رأى ألفريد ماهان أن القوة البحرية والأساطيل والقواعد والموانئ تمثل أساسًا لصعود الدول، بينما ركز هالفورد ماكيندر على قلب أوراسيا، في حين أعطى نيكولاس سبيكمان أهمية كبرى للمناطق الساحلية المحيطة بالقلب القاري.

لكن القرن الحادي والعشرين أضاف عنصرًا جديدًا إلى هذه المعادلة: نقاط الاختناق التي تتجمع عندها حركة الاقتصاد العالمي.

وهكذا لم تعد القوة البحرية تقاس بعدد السفن الحربية فقط، بل بقدرة الدولة على حماية التدفقات التجارية والطاقة، وتأمين الموانئ والبنية التحتية، وإدارة المخاطر التي يمكن أن تعطل حركة الاقتصاد.

مضيق ملقا.. شريان الطاقة لشرق آسيا

يمثل مضيق ملقا واحدًا من أبرز الأمثلة على أهمية نقاط الاختناق البحرية.

فالمضيق يربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ، ويشكل أحد أهم طرق نقل النفط والمنتجات البترولية إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى.

وبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بلغت التدفقات النفطية عبر المضيق نحو 24 مليون برميل يوميًا عام 2023.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة بسبب اعتماد اقتصادات كبرى، وعلى رأسها الصين واليابان، على هذا الطريق الحيوي.

ولهذا تنظر بكين إلى ملقا ليس باعتباره ممرًا تجاريًا فحسب، وإنما باعتباره أيضًا نقطة ضعف محتملة في أمنها الاقتصادي والطاقوي.

مضيق هرمز.. عندما يتحول التهديد إلى تكلفة

إذا كان ملقا يمثل عقدة رئيسية في تجارة الطاقة الآسيوية، فإن مضيق هرمز يحتل موقعًا أكثر حساسية في سوق الطاقة العالمي.

فقد عبر المضيق، وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، نحو 21 مليون برميل يوميًا خلال النصف الأول من عام 2025.

لكن أهمية هرمز لا ترتبط فقط بحجم النفط الذي يمر عبره، بل بقدرته على التأثير في الأسواق حتى قبل حدوث إغلاق كامل.

فالسوق لا تنتظر دائمًا وقوع الخطر.

مجرد ارتفاع احتمالات استهداف السفن أو تعطيل الملاحة أو زرع الألغام يمكن أن يدفع شركات التأمين إلى رفع أقساط المخاطر، وشركات الشحن إلى إعادة تقييم المسارات، والأسواق إلى تسعير احتمال نقص الإمدادات.

بعبارة أخرى، يمكن للخطر الجيوسياسي أن يتحول إلى تكلفة اقتصادية قبل أن يتحول إلى أزمة مادية.

وقد أثبتت حرب الناقلات خلال الحرب العراقية الإيرانية أن استهداف السفن ورفع مخاطر الملاحة يمكن أن يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين والطاقة، ويدفع القوى الدولية إلى تعزيز وجودها العسكري في المنطقة.

أما خلال أزمة 2026، فقد دخل الاضطراب في هرمز مرحلة أكثر حدة، مع تراجع تدفقات النفط عبر المضيق، وفق البيانات المشار إليها في الدراسة، من نحو 21.6 مليون برميل يوميًا في الربع الأخير من 2025 إلى 4.9 ملايين برميل يوميًا في الربع الثاني من 2026.

وتكشف هذه التطورات حقيقة أساسية:

لا يحتاج المضيق إلى الإغلاق الكامل حتى يصبح سلاحًا اقتصاديًا؛ يكفي أحيانًا رفع مستوى المخاطر لإعادة تسعير حركة التجارة والطاقة.

لكن هذه القوة تظل سلاحًا ذا حدين.

فإيران نفسها تعتمد على هرمز في جزء مهم من صادراتها وحركة موانئها، ما يعني أن استخدام المضيق كأداة ضغط يفرض عليها موازنة دقيقة بين رفع تكلفة خصومها وتجنب إلحاق ضرر مباشر باقتصادها.

باب المندب.. عندما تنتقل الأزمة من البحر الأحمر إلى قناة السويس

يمثل باب المندب الحلقة الجنوبية في واحدة من أهم منظومات الملاحة العالمية، إذ يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي ويشكل بوابة رئيسية نحو قناة السويس والبحر المتوسط.

وبلغت التدفقات النفطية عبره نحو 9.3 ملايين برميل يوميًا عام 2023 قبل أن تتراجع إلى نحو 4.1 ملايين برميل يوميًا عام 2024 بفعل اضطراب الملاحة والهجمات على السفن.

لكن التأثير الأكبر ظهر في مكان أبعد: قناة السويس.

فاضطراب الملاحة في باب المندب دفع عددًا من شركات الشحن إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.

وبحسب البيانات الواردة في الدراسة، تراجع عدد السفن العابرة لقناة السويس من نحو 25.9 ألف سفينة في العام المالي 2022-2023 إلى 20.1 ألف سفينة في العام التالي، فيما انخفضت الإيرادات من نحو 9.4 مليارات دولار إلى 7.2 مليارات دولار.

في المقابل، ارتفعت التدفقات عبر رأس الرجاء الصالح.

وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص الاقتصاد البحري الحديث:

تعطيل ممر لا يعني بالضرورة توقف التجارة، لكنه يفرض عليها طريقًا أطول وأكثر تكلفة.

فالسفن تستطيع البحث عن مسارات بديلة، لكن البديل يعني استهلاكًا أكبر للوقود، ورحلات أطول، وتأخرًا في التسليم، وزيادة في تكاليف التأمين والشحن.

وهكذا تتحول الأزمة الأمنية في منطقة محدودة إلى تكلفة اقتصادية عالمية.

قناة السويس.. الاختناق الذي يحدث من خارج القناة

تكشف تجربة قناة السويس مفهومًا مهمًا في أمن سلاسل الإمداد: «الاختناق عن بُعد».

فالقناة قد تكون مفتوحة وآمنة، لكن اضطراب الممر الذي يسبقها يمكن أن يدفع شركات الملاحة إلى تجنبها.

وهذا يعني أن أمن القنوات والمضائق لا يمكن التعامل معه بصورة منفصلة.

فالممرات البحرية تعمل ضمن شبكات مترابطة، وأي خلل في إحدى حلقاتها يمكن أن ينتقل إلى الحلقات الأخرى.

وهنا تتجاوز الجغرافيا حدود الدولة، لأن تأثير الاضطراب لا يتوقف عند المياه الإقليمية للدولة التي يقع فيها الممر.

قناة بنما.. السيطرة على اللوجستيات أهم من السيطرة على المياه

تقدم قناة بنما نموذجًا آخر للقوة الجيوسياسية للممرات البحرية.

فالقناة تمرر نحو 5% من التجارة العالمية، وتعبرها آلاف السفن سنويًا، فيما تحقق إيرادات بمليارات الدولارات.

لكن الصراع حولها لا يتعلق بالممر المائي وحده، بل يمتد إلى الموانئ والمنشآت اللوجستية والاستثمارات والبنية التحتية المحيطة بالقناة.

وهنا تتغير طبيعة النفوذ.

ففي الاقتصاد العالمي الحديث، قد لا تحتاج الدولة إلى السيطرة العسكرية المباشرة على الممر حتى يكون لها تأثير فيه؛ إذ يمكن أن تصبح الاستثمارات والموانئ وشبكات الخدمات اللوجستية أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن القوة البحرية.

البوسفور والدردنيل.. عندما تقيد الجغرافيا بالقانون

تقدم مضايق البوسفور والدردنيل حالة مختلفة، إذ ترتبط إدارة المرور فيهما بنظام قانوني دولي خاص، في مقدمه اتفاقية مونترو لعام 1936.

وتكشف هذه الحالة أن الموقع الاستراتيجي لا يمنح صاحبه حرية مطلقة في استخدامه.

فالقوة البحرية تعمل داخل شبكة من القانون الدولي والسيادة والاتفاقيات والمصالح الاقتصادية.

ومن ثم، فإن النفوذ الحقيقي في الممرات لا ينتج عن الموقع وحده، وإنما عن قدرة الدولة على الجمع بين الجغرافيا والقوة والقانون والاقتصاد.

«حرب المضائق».. شكل جديد من الصراع الاقتصادي

لم تعد حرب المضائق تعني بالضرورة احتلال مضيق أو إغلاقه بالكامل.

فهي يمكن أن تبدأ من تهديد السفن، أو رفع مخاطر العبور، أو استهداف ناقلات، أو استخدام الألغام والطائرات المسيّرة والصواريخ، أو حتى دفع شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها.

والأهم أن آثارها لا تصيب طرفًا واحدًا فقط.

فالسفينة التي تغير مسارها قد ترفع تكلفة سلعة في أوروبا.

والناقلة التي تدفع قسط تأمين أعلى قد تنقل تلك التكلفة إلى المستورد.

والرحلة الأطول قد تعني استهلاكًا أكبر للوقود وتأخرًا في وصول المواد الأولية.

وهكذا يتحول الصراع البحري إلى سلسلة من التداعيات الاقتصادية غير المباشرة.

من القوة المهدِّدة إلى «القوة الضابطة»

بالنسبة للدول العربية، فإن الموقع الجغرافي الاستراتيجي للممرات البحرية يمثل فرصة، لكنه يمثل أيضًا مسؤولية.

فالقيمة الحقيقية لا تكمن في تحويل الممرات إلى أدوات تعطيل، بل في تطويرها إلى أصول استراتيجية آمنة ومستقرة وقادرة على جذب التجارة والاستثمارات والخدمات اللوجستية.

ومن هنا يمكن طرح مفهوم «القوة الضابطة»، وهي القوة التي لا تسعى إلى احتكار الممر، وإنما إلى حماية حرية الملاحة وضمان استمرار التدفقات.

وتملك الدول العربية مقومات مهمة لبناء هذا الدور، بالنظر إلى إشرافها على البحر الأحمر والخليج العربي والبحر المتوسط، واحتضانها قناة السويس، ومجاورتها لمضائق استراتيجية مثل هرمز وباب المندب.

وتبرز في هذه المعادلة أهمية التعاون بين القوى العربية الرئيسية، وفي مقدمتها السعودية ومصر، إلى جانب الدول المشاطئة الأخرى.

فالرهان لا يتعلق ببناء قوة عسكرية فقط، وإنما بإقامة منظومة متكاملة للأمن البحري تشمل تبادل المعلومات، والإنذار المبكر، وتأمين الموانئ، وحماية البنية التحتية، والتدريب المشترك، والاستجابة السريعة للأزمات.

لماذا يحتاج العالم العربي إلى مرصد لأمن الممرات؟

في عالم أصبحت فيه المعلومات جزءًا من القوة، لا تكفي القدرة على إرسال السفن والطائرات.

تحتاج الدول أيضًا إلى القدرة على فهم الخطر قبل وقوعه.

ومن هنا تبرز أهمية إنشاء مرصد عربي متخصص في أمن الممرات البحرية، تكون مهمته مراقبة المخاطر وتحليل حركة الملاحة وأسعار الشحن والتأمين والطاقة، وإعداد سيناريوهات مبكرة للأزمات المحتملة.

فالذي يستطيع تحديد مستوى الخطر يستطيع التأثير في مستوى الاستجابة.

وبذلك يصبح الأمن البحري قائمًا على ثلاثة عناصر مترابطة:

قوة تنفيذية في البحر، ومؤسسات إقليمية للتنسيق، وقدرة تحليلية على قراءة المخاطر.

من يسيطر على المضيق لا يسيطر على الاقتصاد العالمي

تؤكد تجارب هرمز وباب المندب والسويس وملقا وبنما أن امتلاك القدرة على تهديد ممر بحري يمنح صاحبه نفوذًا استراتيجيًا كبيرًا، لكنه لا يعني امتلاك السيطرة الكاملة على الاقتصاد العالمي.

فالأسواق تستطيع البحث عن البدائل، وتستخدم المخزونات الاستراتيجية، وخطوط الأنابيب، وتعيد توزيع الشحنات، وتغير مسارات السفن.

لكن هذه المرونة لها تكلفة.

فكل طريق بديل يعني وقتًا إضافيًا، وكل منطقة خطر تعني تأمينًا أعلى، وكل اضطراب طويل يمكن أن يتحول إلى تضخم وضغط على الشركات والمستهلكين والحكومات.

لذلك فإن المعادلة الأدق ليست:

«من يسيطر على المضيق يسيطر على العالم».

بل:

«من يستطيع التأثير في الممرات يستطيع التأثير في كلفة الاقتصاد العالمي».

وهنا يكمن جوهر جيوبوليتيك الاختناق.

فالقوة الحديثة لا تتمثل فقط في القدرة على إغلاق الطريق، وإنما في القدرة على رفع تكلفة استخدامه، أو دفع التجارة إلى طريق آخر، أو إعادة تسعير المخاطر المحيطة به.

أما بالنسبة للعالم العربي، فإن التحدي الأكبر يتمثل في تحويل الجغرافيا من مصدر هشاشة إلى مصدر قوة مستدامة.

فالممر الآمن يجذب التجارة.

والميناء الفعال يجذب الاستثمار.

والاستقرار البحري يدعم سلاسل الإمداد.

والقدرة على حماية الملاحة تمنح الدولة نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا أكبر.

وبذلك لا تصبح الدول العربية مجرد منطقة تعبر من خلالها التجارة العالمية، بل تتحول إلى شريك في حماية وتنظيم حركة الاقتصاد الدولي وصياغة مستقبلها.

الخلاصة

في القرن الحادي والعشرين، لم تعد المعركة على الممرات البحرية معركة للسيطرة على المياه فقط، بل أصبحت معركة على الوقت والكلفة والمخاطر وسلاسل الإمداد.

ومن هرمز إلى باب المندب، ومن السويس إلى ملقا وبنما، تثبت الجغرافيا أن بعض النقاط الصغيرة على الخريطة يمكن أن تمتلك تأثيرًا يتجاوز حجمها بكثير.

لكن امتلاك القدرة على التعطيل ليس هو نفسه امتلاك القدرة على السيطرة.

والرهان الأكثر استدامة للدول العربية لا يكمن في إغلاق الممرات، بل في أن تصبح القوة التي تحميها وتؤمنها وتدير مخاطرها وتستثمر موقعها الاستراتيجي اقتصاديًا.

ففي عالم يعتمد على التدفقات، قد تكون أعظم قوة ليست في إيقاف الطريق، بل في ضمان استمراره.

مقالات ذات صلة