الرئيسيةالرئيسيةمقالات

الأمن البيئي في الشرق الأوسط: الحروب، التحولات الجيوسياسية، وإعادة تعريف مفهوم الأمن في القرن الحادي والعشرين

 

مقدمة

 

 

 

شهد مفهوم الأمن خلال العقود الأخيرة تحوّلاً جذرياً؛ فلم يعد مقتصراً على حماية الحدود وصون السيادة العسكرية، بل اتسع ليشمل الأمن الاقتصادي والغذائي والمائي والصحي والبيئي. وفي الشرق الأوسط، حيث تتقاطع النزاعات المسلحة مع هشاشة الموارد الطبيعية والتغيرات المناخية، برز مفهوم الأمن البيئي بوصفه أحد أكثر أبعاد الأمن القومي والاستراتيجي تأثيراً في مستقبل الدول والمجتمعات.

 

فالحروب الحديثة لا تنتهي عند خطوط التماس، بل تترك آثاراً ممتدة على الأنظمة البيئية والبنى الاقتصادية والصحة العامة وقدرة الدولة على الاستمرار. ومن هنا، لم يعد التدهور البيئي مجرد نتيجة جانبية للصراع، بل بات أحد مكوناته البنيوية وعاملاً مؤثراً في مساراته ونتائجه.

 

 

 

الإطار المفاهيمي: من الأمن التقليدي إلى الأمن البيئي

 

 

 

ظهر مفهوم الأمن البيئي في سياق التحولات النظرية التي وسّعت مفهوم الأمن بعد انتهاء الحرب الباردة، ولا سيما مع إسهامات مدرسة كوبنهاغن التي دعت إلى تجاوز المقاربة العسكرية الضيقة للأمن نحو مقاربة متعددة الأبعاد تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والمجتمعية والبيئية.

 

ويرى الباحث باري بوزان أن الأمن لا يقتصر على الحماية العسكرية للدولة، بل يشمل قدرة الدولة والمجتمع على المحافظة على شروط البقاء والاستقرار والاستمرار. أما أولريش بيك فقد قدّم مفهوم “مجتمع المخاطر”، الذي تصبح فيه التهديدات البيئية والتكنولوجية عابرة للحدود وغير قابلة للاحتواء عبر أدوات الردع التقليدية.

 

وانطلاقاً من هذا المنظور، تغدو البيئة عنصراً من عناصر القوة الوطنية، ومصدراً محتملاً للصراع والتنافس في الوقت ذاته.

 

 

 

الشرق الأوسط كفضاء للأمن البيئي الهش

 

 

 

لم تعد أزمات الشرق الأوسط تُختزل في الحروب والصراعات السياسية فحسب، بل أصبحت البيئة نفسها أحد ميادين الصراع ومصادر التهديد للأمن والاستقرار. فالمنطقة تعيش حالة من الهشاشة البيئية المركبة، تتداخل فيها أزمات المياه والمناخ والطاقة والتحضر غير المتوازن مع النزاعات المسلحة المزمنة، بما ينتج واقعاً تتغذى فيه الأزمات على بعضها بعضاً.

 

وتبدأ هذه المعضلة من ندرة الموارد المائية التي باتت تشكل تحدياً وجودياً للعديد من دول المنطقة. فالعراق وسوريا يعانيان تراجعاً مستمراً في منسوب نهري دجلة والفرات، بينما يواجه الأردن واحداً من أدنى معدلات حصة الفرد من المياه عالمياً. ومع تزايد موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، تتحول المياه من مورد طبيعي إلى عامل ضغط اقتصادي واجتماعي وسياسي.

 

ويترافق ذلك مع توسع عمراني سريع وغير متوازن. فمدن كالقاهرة وبغداد وبيروت ودمشق تستقبل أعداداً متزايدة من السكان في ظل بنى تحتية عاجزة عن مواكبة النمو السكاني. ويؤدي هذا التوسع إلى استنزاف الأراضي الزراعية، وارتفاع مستويات التلوث، وزيادة الطلب على المياه والطاقة، بما يفاقم هشاشة البيئة الحضرية ويجعلها أكثر عرضة للأزمات.

 

أما في مجال الطاقة، فما تزال اقتصادات المنطقة تعتمد بدرجات متفاوتة على الوقود الأحفوري، سواء في الإنتاج أو الاستهلاك. وعلى الرغم من الاستثمارات المتزايدة في مشاريع الطاقة المتجددة في بعض الدول الخليجية، فإن الاعتماد الكبير على النفط والغاز يجعل المنطقة جزءاً من منظومة عالمية تسهم في تفاقم التغير المناخي الذي تعاني منه في الوقت نفسه.

 

وتبرز الحروب والنزاعات المسلحة كعامل مضاعف للأزمة البيئية. فالحرب لا تدمر البشر والبنى التحتية فحسب، بل تدمر أيضاً النظم البيئية. ويمكن ملاحظة ذلك في سوريا واليمن وغزة، حيث أدت العمليات العسكرية إلى تلوث مصادر المياه، وتدمير الأراضي الزراعية، وتراجع القدرة المؤسسية للدولة على إدارة الموارد الطبيعية. كما أن النزوح الواسع للسكان يفرض ضغوطاً إضافية على المناطق المستقبلة ويزيد من استنزاف مواردها المحدودة.

 

وفي المقابل، يؤدي التغير المناخي والتصحر إلى تعميق الأزمات الاجتماعية والاقتصادية. فموجات الحر الشديدة التي شهدتها دول الخليج والعراق خلال السنوات الأخيرة، والعواصف الغبارية المتكررة في العراق وسوريا، والتراجع المستمر في المساحات الزراعية في عدد من دول المنطقة، كلها مؤشرات على أن التهديد البيئي لم يعد احتمالاً مستقبلياً، بل أصبح واقعاً يومياً يؤثر في الأمن الغذائي والاستقرار المجتمعي.

 

ومن هنا يمكن الحديث عن “معضلة الأمن البيئي المركب” في الشرق الأوسط؛ إذ يضعف التدهور البيئي قدرة الدول على توفير الخدمات والموارد الأساسية لمواطنيها، بينما تؤدي الحروب وضعف الحوكمة إلى تسريع وتيرة هذا التدهور. وهكذا تدخل المنطقة في حلقة مفرغة يصبح فيها الأمن البيئي والأمن السياسي وجهين لأزمة واحدة، بحيث لا يمكن تحقيق الاستقرار دون معالجة التحديات البيئية، كما لا يمكن حماية البيئة في ظل استمرار الصراعات وعدم الاستقرار.

 

 

 

الحروب بوصفها عاملاً لإعادة تشكيل البيئة

 

 

 

لم تعد البيئة في الحروب الحديثة مجرد ضحية جانبية للصراع، بل أصبحت جزءاً من ميدان المعركة نفسه. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال حرب الخليج عام 1991، عندما أُحرقت مئات آبار النفط، فغطت سحب الدخان الكثيفة سماء المنطقة لأشهر، وتلوثت التربة والهواء والمياه. وقد كشف ذلك أن استهداف الموارد الطبيعية يمكن أن يتحول إلى أداة استراتيجية لإضعاف الخصم وفرض تكاليف طويلة الأمد عليه، فيما يمكن وصفه بـ”الردع البيئي السلبي”.

 

وفي المشرق العربي، أظهرت الحروب الممتدة في سوريا والعراق واليمن وغزة أن آثار النزاعات تتجاوز الدمار العمراني المباشر إلى تدمير البنية البيئية ذاتها. فقد تلوثت الأنهار ومصادر المياه، وتراجعت الأراضي الزراعية، وانهارت شبكات الصرف الصحي في العديد من المدن، كما أدى النزوح الجماعي لملايين السكان إلى ضغوط هائلة على الموارد الطبيعية والبنى التحتية في المناطق المستقبلة.

 

وفي هذا السياق، لم تعد السيطرة على الأرض وحدها هدفاً للحروب، بل أصبحت السيطرة على مصادر المياه وشبكات الطاقة والسدود والأراضي الزراعية جزءاً من أدوات القوة والنفوذ. كما أن التنافس على النفط والغاز والممرات التجارية والمضائق البحرية يؤكد أن البيئة والموارد الطبيعية أصبحتا من العناصر الحاكمة للصراعات المعاصرة.

 

ومن هنا تقترب هذه الظاهرة من رؤية ميشيل فوكو الذي رأى أن السلطة الحديثة لا تُمارس فقط عبر السيطرة على الأرض أو السكان، بل عبر التحكم بشروط الحياة ذاتها والموارد التي تضمن استمرارها.

 

 

 

قراءة جيواستراتيجية للبيئة كعنصر قوة في النظام الإقليمي

 

 

 

عندما صاغ هالفورد ماكندر نظريته الشهيرة حول العلاقة بين الجغرافيا والقوة، كان ينظر إلى السيطرة على الأرض والممرات الاستراتيجية بوصفها أساس النفوذ الدولي. أما اليوم، فقد أصبح مفهوم القوة أكثر تعقيداً، إذ لم تعد السيطرة على الجغرافيا وحدها كافية، بل غدت القدرة على إدارة الموارد البيئية داخل هذه الجغرافيا عاملاً حاسماً في تحديد مكانة الدول واستقرارها.

 

وتبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحاً في الشرق الأوسط، حيث تحولت المياه إلى مورد استراتيجي بالغ الحساسية. فالتنافس حول مياه دجلة والفرات، والجدل المستمر حول الموارد المائية في حوض النيل، يعكسان كيف أصبحت إدارة الموارد الطبيعية جزءاً لا يتجزأ من معادلات الأمن القومي.

 

وفي هذا السياق، تكتسب أطروحة توماس هومر ديكسون أهمية خاصة، إذ يرى أن ندرة الموارد الطبيعية تؤدي إلى زيادة احتمالات النزاع والهجرة وعدم الاستقرار السياسي. وتؤكد تجارب المنطقة صحة هذه الفرضية؛ فالتصحر وتراجع الإنتاج الزراعي وشح المياه عوامل أسهمت في تعميق الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، وأوجدت بيئات أكثر قابلية للتوتر والصراع.

 

ومن هذا المنظور، لم يعد الأمن البيئي قضية تنموية أو فنية تقتصر على وزارات البيئة والزراعة، بل أصبح قضية جيواستراتيجية ترتبط بالأمن القومي والاستقرار السياسي ومستقبل التنمية. فالصراع في المنطقة لم يعد يدور حول الحدود والنفوذ فقط، بل حول من يملك القدرة على تأمين المياه والغذاء والطاقة وإدارة الموارد النادرة في عالم يتجه نحو مزيد من الضغوط المناخية والبيئية.

 

 

 

نحو مفهوم جديد للأمن في الشرق الأوسط

 

 

 

تفرض التحولات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط إعادة النظر في مفهوم الأمن ذاته. فالتحديات التي تواجه دول المنطقة لم تعد تقتصر على التهديدات العسكرية أو النزاعات الحدودية، بل باتت تمتد إلى أزمات المياه والطاقة والتغير المناخي والتدهور البيئي، وهي تحديات قادرة على زعزعة الاستقرار وإضعاف الدول بقدر ما تفعله الحروب.

 

ومن هنا، لم يعد الأمن المستدام قائماً على حماية الحدود فحسب، بل على حماية الموارد التي تقوم عليها حياة المجتمعات واستمرارها. ويتطلب ذلك الانتقال من منطق الردع العسكري إلى تعزيز القدرة على الصمود، ومن إدارة الحروب إلى إدارة المخاطر والوقاية منها، ومن نموذج الدولة الأمنية التقليدية إلى نموذج الدولة المرنة بيئياً والقادرة على التكيف مع الأزمات.

 

كما يستدعي ذلك دمج البعد البيئي في عقيدة الأمن القومي، وإنشاء خرائط للمخاطر البيئية والاستراتيجية، وتعزيز الدبلوماسية البيئية الإقليمية، وبناء قدرات فعالة للتعافي وإعادة الإعمار بعد النزاعات، فضلاً عن إدراج الأثر البيئي ضمن معايير تقييم أي عملية عسكرية أو أمنية.

 

فالأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد يعني حماية الأرض وحدها، بل حماية شروط الحياة ذاتها وضمان استدامة الموارد التي يقوم عليها استقرار الدولة والمجتمع.

 

 

 

خاتمة

 

تكشف التجربة الشرق أوسطية أن الحروب لا تدمر الجيوش والبنى التحتية فقط، بل تعيد تشكيل البيئة والاقتصاد والقدرة المستقبلية للدول على البقاء. ولذلك لم يعد الأمن البيئي فرعاً من فروع الدراسات البيئية، بل أصبح أحد أعمدة التفكير الاستراتيجي المعاصر.

 

وفي عالم تتزايد فيه الحروب المركبة والتنافس على الموارد، قد لا تكون الدولة الأقوى هي الأكثر تسليحاً، بل الأكثر قدرة على حماية شروط الحياة داخل حدودها، وإدارة مواردها بكفاءة، وبناء قدرتها على الصمود في مواجهة أزمات المستقبل.

 

 

العميد د. بهاء حلال

 

العميد د. بهاء حلال
العميد د. بهاء حلال

كاتب ومحلل استراتيجي حاصل على عدة اجازات الماجيستير في العلوم الأمنية وإدارة الأعمال الدولية والعلوم الاستراتيجية والدبلوماسية و دكتوراه في العلوم السياسية – فرع العلاقات الدولية ، له عدة ابحاث عن تاثيرات الحروب على دول المنطقة.

مقالات ذات صلة