نافذة على الوعي الإصلاحي من الفكر إلى الفعل

د.عبد الراضي رضوان عميد دار العلوم الأسبق يكتب..
إذا كان الوعي هو من يحدد معالم حركة التاريخ صعودا وهبوطا بفرض أسئلة الإصلاح ومسارات إجاباتها
فإن الإصلاح في أزمنة التراجع يستلزم حتمية استعادة ذلك الوعي مقرونا بإرادة التحدي وإيقاظ الروح في الضمير الفردي والجمعي من خلال تجديد وصل الإنسان بمركزه القيمي.
وربما يكون رمضان شهر الصوم هو المختبر السنوي لإعادة إنتاج هذا الوعي بما تستطيعه قوة الصيام الروحية من تحرير إرادة
الوعي الإصلاحي الذي لا ينمو في بيئة الاستسلام للاعتياد والمعتاد ، وإنما يتأسس على الإرادات الحرة القادرة على ضبط الشهوات والسيطرة على الرغبات ، ووضع أول لبنات الوعي الإصلاحي بإعادة هيكلة العلاقة الأزلية بين الإنسان وثلاثية ( الجسد ، الشهوة ، الزمن ) القابضة على تلابيب حركته الكونية وفاعليته الحضارية وسلوكياته الأخلاقية.
وبمجرد الانتهاء من إعادة هيكلة هذه العلاقة ووضع لبنة الوعي الإصلاحي سيمكن التخلص من أكبر عوائق النهوض ومسببات التخلف والتراجع ألا وهي اضطراب سُلَّم الأولويات بتقديم الهوامش على المراكز والكماليات على الجوهريات.
مما يمهد الطريق لانطلاق قوى ركائز الإصلاح والتجديد ذات التأثير الواسع في حركة الحياة والبناء ، وهما :
١. المسؤولية الفردية تجاه النفس بالالتزام بمقتضيات الأحكام التعبدية التكليفية ، وتجاه الاستخلاف في الكون والالتزام بمقتضيات عمارته وازدهاره ، وتجاه المجتمع بالتكافل والتضامن والتراحم ذلك الذي ينمي التجربة الشعورية المشتركة ( الصدقة ، الزكاة ، إفطار الصائم ، صلة الأرحام ) التي يتولد عنها الحس الجمعي والوعي الإصلاحي المجتمعي ذلك الشرط الضروري لنشأة ونجاح المشروع الإصلاحي الحقيقي الذي لايكتمل إلا إذا
تحول إلى سلوك دائم
ورؤية مستدامة وثقافة عمل برامجية .
٢. الهُوية
وهي القوة ذات التأثير المزدوج في بناء الإنسان حامل شعلة النهضة والإصلاح .
فهي تقوم بدور تحصين الذات ضد مخاطر مسخ الهويات والتفكيك الخشن لها الذي يُمارس بلا خفاء على هويتنا سواء بالشكل الإمبريالي الخارجي أو بأذرع الميليشيات الثقافية الطابور الخامس العامل في ثوب التنوير الزائف والحداثة المضللة أو في ثياب أكاذيب النقد الذاتي المستهدف هدم الثوابت الاعتقادية والتعبدية والأخلاقية جوهر الهوية .
كما تقوم الهوية بالتأكيد على إعلاء معالم الانتماء الجامع لمرتكزات الوحدة الأربعة :
– القِبْلة
– الزمن الشعائري
– المرجعية
– الأُخوة الإنسانية
وربما يكون دور الهوية بأبعادها الروحية الأبرز إلحاحا في لحظتنا الآنية هو مقدرتها على كسر هيمنة سطوة النموذج الاستهلاكي بثقافتنا المعاصرة في صورتها المادية المُعَظِّمة لغايات أربعة :
– تحصيل اللذات العاجلة
– تعزيز شهوة الفيضان الاستهلاكي
– القران التلازمي بين الرغبة والسعادة بجعل إشباع الرغبة معيارا للسعادة.
– إقصاء المعايير الأخلاقية عن ساحة الفعل الحياتي والركون إلى منطق السوق منطقاً ومعيارا للمعنى والقيمة ليتم تفريغ الروح تماما من قدرتها التحريرية.
وكذلك فإن قوى المسؤولية والهوية قادرة على تحويل مكتسبات الوعي الجمعي إلى فعل إصلاحي ذي فعالية مستدامة
من خلال :
– بناء شبكة وعي جماعي تقوم على منصات خطاب إصلاحية تقوم عليها المؤسسات الثقافية والتعليمية والدينية وكذلك مؤسسات المجتمع المدني
– تحويل الأفكار الإصلاحية إلى مبادرات تربوية ، ومشروعات تكافل اجتماعية ، ومقررات تعليمية ،
وبرامج عمل تنموية.










