«من اليابان إلى مصر».. كيف احتفى الشعر العربي بالهايكو في معرض القاهرة الدولي للكتاب بدورته الـ57

علاء حمدي
شهدت قاعة الندوات المتخصصة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته السابعة والخمسين، ندوة بعنوان «التوتر الجمالي في الهايكو العربي المعاصر.. مقاربة عبر الحواس»، بحضور الشاعر حسني التهامي، والناقد والروائي سالم محمود سالم، وأدارتها الدكتورة شيرين العدوي.
وقالت الدكتورة شيرين العدوي، خلال الندوة، إن معرض القاهرة الدولي للكتاب يظل صرحًا ثقافيًا مهمًا، يجمع بين مختلف أشكال الإبداع، مشيرة إلى أن الاحتفاء بفن الهايكو يعكس قدرة المشهد الأدبي العربي على استيعاب التجارب الشعرية العالمية وإعادة إنتاجها برؤية محلية معاصرة. وأضافت أن الهايكو يُبقي الحواس مستيقظة، ويفتح نافذة على اللانهائي عبر الكلمات المكثفة والصور الشعرية الدقيقة.
وأوضحت العدوي أن الهايكو فلسفة للحظة العابرة، حيث «الأقل هو الأكثر»، مؤكدة أنه ليس قالبًا شعريًا فحسب، بل حدث لغوي يقتنص اللحظة الوجودية، ويعكس التوحد مع الطبيعة والانحياز للحظة الآنية، في بحث دائم عن الخلود. وأشارت إلى أن الهايكو مرّ بمراحل تطور في الإبداع الياباني قبل أن يصل إلى الإبداع العربي.
وتابعت العدوي أن الهايكو بدأ يظهر في الشعر العربي في صورة تجربة مشتركة، حيث يكتب شاعر الجزء الأول من القصيدة، ويكمله شاعر آخر على النسق نفسه، وهو الجزء الذي تطور لاحقًا ليصبح ما نعرفه اليوم بفن الهايكو.

ومن جانبه، قال الشاعر حسني التهامي إن الهايكو بدأ يزحف تدريجيًا إلى الشعر العربي، والمصري تحديدًا، مشيرًا إلى حرص منظمي المعرض على الاحتفاء بهذه التجربة رغم ما تواجهه من معاناة، مؤكدًا أن أي فن جديد يحتاج إلى صراع ووقت حتى يترسخ ويثبت حضوره.
وأضاف التهامي أنه تناول خلال الندوة نماذج لقصائد من اليابان، إلى جانب نماذج مختارة من مختلف الدول العربية، للاحتفاء بتجاربها، مشيرًا إلى الشاعر الياباني ماتسو باشو، الذي تتجلى في شعره صور مثل وميض البرق، وصرخة مالك الحزين التي تشق الظلام، ومع كل هبة ريح يتغير موضع الفراشة على الصفصاف.
كما استعرض التهامي نماذج من شعر الشاعر حمدي إسماعيل، من قصيدته: «في المترو الأحداث جارية بصيغة الماضي»، وأخرى مثل: «في المتحف الكبير يستقبلون العالم»، إضافة إلى تجربة الشاعر عادل عطية، في مقاطع منها: «عام جديد ومقعد شاغر للفرح في الذاكرة»، و«منضدة الكتاب وريح خفيفة تقلب ما تبقى من النهار». واستكمل التهامي عرضه بالإشارة إلى تجارب شعرية من المغرب وفلسطين والسعودية وعدد من الدول العربية الأخرى.
وفي السياق ذاته، قال الناقد سالم محمود سالم إن الشاعر حسني التهامي أسهم في إدخال فن الهايكو إلى الوطن العربي، ولا سيما مصر، مشيرًا إلى أن ديوانه يمثل تجربة مهمة في البحث عن ملامح جديدة للشعر العربي. واعتبر أن الهايكو فن صعب، يتطلب آليات فنية دقيقة وقياسات واستنباطات معقدة.

وأضاف سالم أن البحث في الهايكو يحتاج إلى جهد وعناء من الباحث، معربًا عن أمله في أن يرى هذا الجهد في كتاب يكون مرجعًا للدارسين والباحثين. وأوضح سالم أن الهايكو فن مشتق من اليابان، ويتبع نمطًا صوتيًا محددًا (خمسة مقاطع في السطر الأول، وسبعة في الثاني، وخمسة في الثالث)، ويتميز بالاختزال والإيجاز، مع استحضار مشاعر عميقة دون الالتزام بالقافية.
وأكد أن جمال الهايكو يكمن في الإيجاز الشديد والعمق الرمزي، إذ يرمز للطبيعة ويعتمد على لحظة زمنية وجيزة ومكثفة. وأشار سالم إلى أن هذا الفن ظهر في اليابان منذ القرن السابع عشر، كوسيلة للتعبير عن المشاعر الجياشة بلغة مركزة، موضحًا أن تجربة الهايكو العربي المعاصر، كما في عنوان بحثه «التوتر الجمالي في الهايكو العربي المعاصر.. مقاربة عبر الحواس»، تعتمد على المفارقة والدهشة، واستخدام الكثير بالقليل، وخلق لحظات تنوير مفاجئة، وكسر الأفق المعتاد، بما يثير التوتر الجمالي لدى المتلقي.
وتابع سالم أن بعض الشعراء يستخدمون تقنية «القطع» في الهايكو الياباني، حيث لا يوجد رابط نطقي مباشر بين المقاطع، ومن خلال هذا الانفصال يتولد العقل الجمالي، ويُخلق الجسر الإبداعي بين العناصر الشعرية. ولفت إلى أن الجمال يمكن إدراكه من خلال عدسة المشهد، موضحًا أن التوتر الجمالي يشبه رقصة الغناء، بوصفه صورة لإعادة النظر في الحركات الكونية المنعكسة في التجربة الشعرية. وأضاف أن فن الهايكو يتقاطع مع الحواس الخمس، إذ يتيح كسر الحواجز بينها، والوصول إلى تجربة شعورية مكثفة وعميقة، تجمع بين الإدراك الجمالي والإحساس اللحظي.
واختتم سالم حديثه بالإشارة إلى أن التوتر الجمالي يدل على التراكم أو الشرخ الناتج عن التقاء صورتين متناقضتين، حيث يؤدي خلق هذا التوتر إلى إحداث فجوة أو قطع في النص، تظهر في مسافة أو كلمة تفصل بين الصورتين، وتشكل انقطاعًا منطقيًا يدفع العقل إلى محاولة سدّه، ما يولد تجربة جمالية غنية ومكثفة لدى المتلقي.










