من «الضابط الضفدع» إلى فراغ التشريع: لماذا يسبق الذكاء الاصطناعي القانون دائماً؟

قد تمرّ واقعة إدراج تقرير أمني أميركي ادّعاءً بأن ضابط شرطة «تحوّل إلى ضفدع» بوصفها حادثة طريفة، لكن قراءتها خارج إطار السخرية تكشف حقيقة أكثر إزعاجاً: الذكاء الاصطناعي يتقدّم بسرعة تفوق بكثير قدرة التشريعات على اللحاق به.
ما جرى في ولاية يوتا ليس خللاً تقنياً معزولاً، بل نتيجة مباشرة لفراغ تنظيمي عالمي يسمح باستخدام أنظمة توليد المحتوى في مؤسسات سيادية حسّاسة، دون معايير موحّدة للمساءلة أو الضبط القانوني. فالخوارزمية كتبت، والإدارة اعتمدت، وكاد التقرير أن يتحوّل إلى وثيقة رسمية، في ظل غياب سؤال بسيط: هل يسمح القانون أصلاً بذلك؟
عالمياً، لا يزال المشهد التشريعي للذكاء الاصطناعي مجزّأً وغير متكافئ. الاتحاد الأوروبي يقترب من نموذج صارم قائم على تصنيف المخاطر وفرض قيود خاصة على استخدام الذكاء الاصطناعي في إنفاذ القانون، بينما تعتمد الولايات المتحدة مقاربة أكثر تحرراً، تترك مساحة واسعة للتجريب قبل التقنين. أما في دول كثيرة، فالتشريعات إما غائبة تماماً أو محصورة في مبادئ عامة لا تواكب الواقع العملي.
في هذا السياق، تكشف حادثة «الضابط الضفدع» خللاً بنيوياً: استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج وثائق قانونية دون إطار تشريعي واضح يحدّد المسؤوليات. فإذا أخطأ النظام، من يُحاسَب؟ الضابط الذي لم يكتب التقرير بيده؟ أم الشركة المطوّرة؟ أم الجهة الحكومية التي اعتمدت التقنية دون ضمانات؟
تشريعات الذكاء الاصطناعي، حين تُطرح اليوم، غالباً ما تركّز على الخصوصية أو التحيّز أو الأمن السيبراني، لكنها تغفل سؤالاً جوهرياً: هل يجوز للذكاء الاصطناعي أن يُنتج “الحقيقة الرسمية”؟ في التقارير الأمنية، وفي محاضر التحقيق، وفي الوثائق التي قد تُبنى عليها أحكام قضائية، يصبح الخطأ الآلي خطأً سيادياً بامتياز.
الأخطر أن منطق “الكفاءة” و“توفير الوقت” يُستخدم لتبرير هذا التوسع، وكأن السرعة قيمة أعلى من العدالة، وكأن تقليص العبء الإداري مبرر كافٍ للتنازل عن التدقيق البشري. غير أن التشريع، بطبيعته، وُجد ليبطئ الأمور حين يكون التسرّع خطراً.
إن النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي لم يعد ترفاً فكرياً أو ملفاً تقنياً، بل ضرورة تشريعية وأخلاقية عاجلة. فالقوانين التي لا تُحدّد بوضوح أين يبدأ دور الخوارزمية وأين ينتهي، تفتح الباب أمام تآكل مبدأ المسؤولية، وهو أحد أعمدة دولة القانون.
الدرس من يوتا واضح: قبل أن نسأل كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي، يجب أن نسأل أين يُمنع استخدامه؟ وقبل أن نحتفي بذكائه، يجب أن نُخضعه لسلطة القانون لا أن نضع القانون في موقع التابع له.
في عالم يندفع نحو الأتمتة، يصبح التشريع المتأخر شكلاً من أشكال التفريط. وحين يسبق الذكاء الاصطناعي القانون، لا يتحوّل الضباط إلى ضفادع فقط، بل تتحوّل العدالة نفسها إلى تجربة غير مضمونة النتائج.










