العزم على ارتكاب جريمة إرهابية

بقلم د. جابر غنيمي
دكتور في القانون، قاضي، ومدرس جامعي
في القواعد العامة للقانون الجزائي لا تُعاقب “النوايا المجردة” (العزم الداخلي) طالما بقيت حبيسة النفس ولم تخرج إلى حيز الوجود.
ويُعدّ العزم (أو التفكير الجنائي) في التشريع التونسي لمكافحة الإرهاب — القانون أساسي عدد 26 لسنة 2015 مؤرخ في 7 أوت 2015 يتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال — جريمة قائمة بذاتها متى اقترنت بعمل تحضيري للتنفيذ، فلا يُعاقب على هذا العزم في حد ذاته إلا إذا اقترن بأي عمل تحضيري لغايـة التنفيذ (مثل: رصد مكان، جمع معلومات، إعداد متفجرات).
أسباب تجريم العزم على ارتكاب جريمة إرهابية
تمثل أسباب تجريم العزم على ارتكاب جريمة إرهابية في النقاط التالية:
-
السياسة الاستباقية: خطورة الجرائم الإرهابية وتداعياتها المدمرة على الدولة والمجتمع تجعل انتظار مرحلة “الشروع في التنفيذ” أو “تمام الجريمة” أمراً مكلفاً أمنياً، مما دفع المشرع للتدخل المبكر.
-
الخطورة الإجرامية: العزم المقترن بعمل تحضيري يعكس خطورة كامنة لدى الجاني وتصميماً فعلياً على الإضرار بالأمن العام، مما يبرز الحاجة لتوفير ردع قانوني استباقي.
-
حماية الحق في الحياة والسلامة: تغليب مصلحة حفظ النظام العام وحياة الأفراد على القاعدة الفقهية التقليدية بعدم تجريم النوايا البحتة.
الاتجاهات الفقهية بشأن التجريم
وينقسم الفقه الجنائي بشأن تجريم العزم على ارتكاب جريمة إرهابية إلى اتجاهين:
-
الاتجاه المؤيد (الموسع): يرى أن طبيعة الجريمة الإرهابية (التي غالباً ما تتم عبر وفاق إجرامي وتخطيط دقيق) تبرر تجريم الأعمال التحضيرية المرتبطة بالعزم، لقطع دابر الجريمة قبل وقوعها وتحقيق الردع العام.
-
الاتجاه المعارض (الضيق): يرى أن تجريم “العزم المقترن بعمل تحضيري” قد يمثل خرقاً لمبدأ الشرعية ومبدأ الفصل بين النوايا المجردة والأفعال، محذراً من إمكانية تظهير وتوسيع دائرة التجريم لتشمل أفعالاً غامضة أو تأويلات تعسفية لحرية الفكر والتعبير.
إن جريمة العزم على ارتكاب جريمة إرهابية تقتضي دراسة أركانها (المبحث الأول) وعقوبتها (المبحث الثاني).
المبحث الأول: أركان جريمة العزم على ارتكاب جريمة إرهابية
تقوم جريمة العزم على ارتكاب جريمة إرهابية على ثلاثة أركان أساسية:
الفرع الأول: الركن المفترض (الصفة الإرهابية للمشروع)
لا بد أن ينصب العزم والتفكير على مشروع إجرامي يقع تحت طائلة قانون مكافحة الإرهاب، أي تكون الجريمة المستهدفة ذات غاية إرهابية مثل الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر أو إلحاق الضرر بالمنشآت الحيوية أو خطف وسائل النقل وترويع المواطنين.
ولكي تكتسب أي خطة أو مشروع هذه الصفة، يجب أن يكون القصد من وراءها هو تحقيق أحد الأمور التالية:
-
إثارة الرعب: بث الخوف الشديد والهلع بين المدنيين أو مجموعات معينة.
-
إكراه السلطات: الضغط على الحكومات أو المنظمات الدولية للقيام بعمل ما أو الامتناع عنه.
-
الإخلال بالنظام العام: استهداف زعزعة الأمن والاستقرار أو الإضرار بالاقتصاد الوطني والبنية.
يجب أن يتضمن المشروع استخدام وسائل إجرامية وعنيفة، تشمل عادةً:
-
استخدام الأسلحة، المتفجرات، أو المواد السامة.
-
القيام بعمليات خطف، احتجاز رهائن، أو اغتيالات.
-
شن هجمات سيبرانية (إرهاب إلكتروني) تستهدف تعطيل شبكات أو بنى تحتية حساسة.
-
التخريب المتعمد للممتلكات العامة والخاصة أو الموارد الطبيعية.
وتمييز “المشروع الإرهابي” عن الجريمة الفردية العادية يكمن في وجود عناصر التخطيط الاستراتيجي، مثل:
-
وجود تنظيم أو جماعة: التخطيط لتنفيذ المشروع يتم عادةً عبر شبكة أو منظمة تتطلب تنسيقاً وتمويلاً.
-
سبق الإصرار والترصد: وجود تصميم مسبق ونوايا مدروسة لتحقيق أهداف المشروع على المدى القصير أو الطويل.
الفقرة الثانية: الركن المادي (مظاهر التعبير عن العزم)
في القواعد العامة للقانون الجنائي، النوايا والعزم المقترن بالتفكير لا عقاب عليه ما لم تخرج إلى حيز الواقع. لكن في الجرائم الإرهابية يتخذ الركن المادي صورة السلوك التحضيري أو المظاهر الخارجية التي تثبت انتقال العزم من مجرد فكرة حبيسة في النفس إلى مخطط جدي، ومن أبرز مظاهره:
-
التدبير والتحضير الفعلي: مثل رصد الأهداف أو معاينة المواقع المستهدفة أو وضع خطط التنفيذ.
-
السعي للحصول على الوسائل: مثل محاولة شراء الأسلحة أو مواد متفجرة أو الحصول على تمويل حتى وإن لم يتم الحصول عليها بالفعل.
-
التواصل الاستخباري أو التنظيمي: مثل تواصل المتهم مع تنظيمات إرهابية أو عناصر متطرفة عبر الإنترنت أو وسائل مشفرة لتنفيذ المخطط.
-
الالتحاق أو محاولة الالتحاق: مثل السعي إلى السفر إلى معسكرات تدريب إرهابية لغرض العودة وتنفيذ الجريمة.
الفقرة الثالثة: الركن المعنوي (القصد الجنائي الخاص)
تعد هذه الجريمة من الجرائم العمدية التي تتطلب قصداً جنائياً من نوع خاص، ويتكون من:
-
القصد العام (العلم والإرادة): أن يكون الجاني عالماً بطبيعة المخطط الذي يعزم عليه وأن تتجه إرادته الحرة إلى المضي قدماً في هذا المخطط التحضيري.
-
القصد الخاص (الغاية الإرهابية): توافر نية محددة لدى الجاني وهي إحداث النتيجة الإرهابية كإشاعة الرعب أو الإضرار بالدولة، حيث لا يكفي مجرد العزم على ارتكاب جريمة.
المبحث الثاني: عقوبة جريمة العزم على ارتكاب جريمة إرهابية
يُعاقب على العزم المرتبط بعمل تحضيري وفقاً لأحكام قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال بعقوبات أصلية وتكميلية، كما يعفى من العقاب في بعض الحالات:
الفقرة الأولى: العقوبات الأصلية
يُعدّ العازم مرتكباً للجريمة الإرهابية الأصلية، ويُعاقب بنفس العقوبات المقررة لها. وإذا كان العقاب المستوجب هو الإعدام أو السجن بقية العمر، يعوض ذلك العقاب بالسجن مدة عشرين عاماً، وفق الفصل 5 من القانون أساسي عدد 26 لسنة 2015 مؤرخ في 7 أوت 2015 يتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال.
الفقرة الثانية: العقوبات التكميلية
يتحتم الحكم بالمراقبة الإدارية على مرتكبي الجرائم الإرهابية المنصوص عليها بهذا القانون مدة لا تقلّ عن ثلاثة أعوام ولا تفوق عشرة أعوام، إلا إذا قضت المحكمة بالحط من هذه العقوبة إلى ما دون أدناها القانوني.
ولا يمنع ذلك من الحكم بكل العقوبات التكميلية الأخرى المقرّرة قانونا أو بعضها، وفق ما نصت عليه المادة 6 من القانون أساسي عدد 26 لسنة 2015 مؤرخ في 7 أوت 2015 يتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال.
الفقرة الثالثة: الإعفاء من العقاب
يعفى من العقوبات المستوجبة من بادر من المنتمين لتنظيم إرهابي أو وفاق، أو من كان له مشروع فردي يهدف إلى ارتكاب إحدى الجرائم الإرهابية المنصوص عليها بهذا القانون أو الجرائم المرتبطة بها، بإبلاغ السّلط ذات النظر بإرشادات أو معلومات مكّنت من اكتشاف الجريمة وتفادي تنفيذها، وفق ما نصت عليه المادة 8 من القانون أساسي عدد 26 لسنة 2015 مؤرخ في 7 أوت 2015 يتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال.









