منوعات

د. هلا السعيد تكتب : حين ننتظر معاً… ونغيب عن بعضنا

وصلتني صورتان؛ تختلفان في المكان، لكنهما تتفقان في المعنى، وتكشفان واقع حياتنا اليوم.
الأولى في صالة انتظار بمطار؛ أطفال وكبار، أشخاص من أعمار وثقافات مختلفة، لكن المشهد واحد: الجميع يحمل هاتفًا، والأطفال ممسكون بأجهزة الآيباد، رؤوس منحنية، وعيون غارقة في الشاشات.
توقفت عند الصورة طويلًا. لم تكن مجرد لقطة عابرة، بل مرآة صادقة لحياتنا اليومية.
مشهد مزدحم بالناس… لكنه فارغ من التواصل.
في الماضي، كانت صالات الانتظار مساحة للحديث، لأسئلة الأطفال، لضحكات عفوية، للتعارف، أو حتى للصمت المشترك الذي يحمل دفئًا إنسانيًا.
أما اليوم، فنحن ننتظر معًا جسديًا، لكن كلٌّ منا يعيش في عالمه الخاص.
المنظر الثاني: مشهدٌ مؤلم… وصادق.
نذهب يوم الجمعة للغداء في أحد المطاعم، فنجد كل طاولة تضم عائلة كاملة؛ الأم، الأب، والأبناء… لكن الجميع ممسكون بالهواتف، عيونهم إلى الشاشات، ينتظرون تجهيز الطعام.
لا لغة حوار، لا ضحكة مشتركة، لا سؤال حقيقي، فقط صمتٌ رقميّ ثقيل.
هنا يتسلّل السؤال بهدوء موجع: لماذا خرجوا من المنزل أصلًا؟
خرجوا بأجسادهم لا بأرواحهم، طلبًا للتغيير، لكنهم حملوا معهم العزلة ذاتها.
كأن المكان تغيّر، لكن الغياب بقي واحدًا.
الأسرة لا تُقاس بعدد المقاعد حول الطاولة، بل بعمق الحضور الإنساني.
وجبة بلا حديث ليست اجتماعًا، وجلوس بلا تواصل ليس دفئًا.
الأخطر أن هذين المشهدين يبدوان عاديين، بينما ينحتان فجوة صامتة في العلاقات، خصوصًا مع الأبناء الذين يتعلمون أن الصمت هو اللغة، وأن الشاشة أهم من الوجه.
التكنولوجيا لم تدخل حياتنا بهدوء، بل تسللت إلى تفاصيلنا الصغيرة، وسرقت منا لحظات كان يمكن أن تتحول إلى ذكريات.
الأطفال في الصورتين ليسوا مختلفين عن غيرهم، يجلسون قرب آبائهم، لكن بلا حوار، يحملون أجهزة تفوق أعمارهم، ويتعلمون مبكرًا أن الترفيه يأتي من شاشة، لا من إنسان.
لسنا ضد التكنولوجيا، فهي سلاح ذو حدّين.
إن أحسنّا استخدامها، فتحت أبواب المعرفة، وسهّلت التعلم، وقربت البعيد.
لكن إن أسأنا استخدامها، عزلتنا عن بعضنا، وأضعفت مهارات التواصل، وسرقت من أطفالنا أهم ما يملكون: الطفولة والتفاعل الإنساني.
ما يؤلم في الصورتين ليس وجود الهواتف، بل غياب النظرات، غياب الحديث، وغياب اللحظة المشتركة.
كبرنا ونحن نلعب مع بعضنا، نتشاجر ونتصالح، نحكي ونستمع، أما كثير من أطفال اليوم، فيتعلمون الصمت الرقمي قبل أن يتقنوا لغة الحوار.
الآن أصبحنا نمنح أبناءنا الأجهزة بدافع الراحة أو لإسكات الملل، وننسى أن كل دقيقة صامتة هي فرصة ضائعة لبناء علاقة، أو تعزيز ثقة، أو زرع قيمة.
هاتان الصورتان، للأسف، تعبران عن خسارة:
خسارة للتواصل، خسارة للطفولة، وخسارة للإنسان فينا.
جمعة واحدة بلا هواتف… قد تعيد للأسرة ما لا تعوضه ألف رسالة.
توصيات لاستعادة ما فقدناه:
• اجعلوا للتواصل أولوية: خصصوا أوقاتًا خالية من الشاشات ولو قصيرة للحوار الحقيقي.
• كونوا قدوة لأطفالكم: فالطفل يقلّد السلوك أكثر من سماع النصائح.
• عَلِّموا أبناءكم أن التكنولوجيا وسيلة لا بديلًا: نستخدمها للتعلم، لا للهروب من الواقع.
• أعيدوا إحياء اللحظات البسيطة: حديث، لعبة، سؤال، ضحكة… تصنع فرقًا كبيرًا.
• تذكروا أن الحضور أهم من الاتصال: التواصل الإنساني لا يُقاس بسرعة الإنترنت، بل بصدق الوجود.
أخيرًا… لن نستطيع إلغاء التكنولوجيا، لكننا نستطيع إعادة التوازن، وحماية إنسانيتنا قبل أن تذوب الكلمات والضحكات في صمت الشاشات، وقبل أن تصبح لحظات الحياة الحقيقية مجرد صور مرّت… دون أن نعيشها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى