مقالات

حين لا يُقال النصر… يُصبح

 

 

 

في تلك الجهات التي تتعب فيها الجهات من تعريف نفسها، لا يُقال الكثير بصوتٍ عال. الأشياء هناك تُفهم من أرتباك الضوء على الجدران، من صمتٍ يعرف كيف يحمل أكثر مما يُقال، ومن زمنٍ يتقدّم بحذرٍ كأنه يخشى أن يوقظ شيئا” نائما” في الذاكرة. كأن المكان أختار أن يتكلّم بلغةٍ لا تُسمع، بل تُحسّ.

البيوت لا تسقط فجأة، بل تنسحب من نفسها تدريجيا”. نافذةٌ تفقد معناها، بابٌ يصير أقلّ يقينا” ، وغرفةٌ تنكمش حول ما تبقّى فيها من دفء. التفاصيل الصغيرة تصبح فجأةً أكثر صدقا” من أي مشهدٍ كبير: فنجانٌ لم يُرفع، مفتاحٌ لم يعد يعرف بابه، وستارة تتحرّك وكأنها تتذكّر. كأن الأشياء، حين تُحاصر، تتمسّك بوجودها أكثر.

وفي أماكن أخرى، يتحرّك الناس وهم يحملون ما لا يُرى. الوجوه هادئة بقدرٍ كافٍ لإخفاء الأرتجاف، والخطى ثابتة كأنها تتدرّب على النسيان. لكن شيئا” ما يرافقهم، ظلٌّ خفيف من مكان لم يغادرهم، حضور لا يحتاج إلى إثبات. يكفي أن تتأخر النظرة، أن يتقطع الكلام، ليظهر كل شيء دون أن يُقال.

أما أولئك الذين بقوا، فلم يكن في بقائهم إعلانٌ ولا ضجيج. فقط صمتٌ كثيفٌ يشبه القرار. كأنهم وضعوا الخوف في زاوية ما، لا لأنهم إنتصروا عليه، بل لأنهم أختاروا أن لا يمنحوه الكلمة الأخيرة. كانوا يتحركون على حافة الأحتمال، بين ما يمكن أن يحدث وما يحدث فعلا”، ويكملون، كأن الأستمرار نفسه فعل يتجاوز المعنى.

ثم، في لحظةٍ لا تُعلن نفسها، يتبدّل شيءٌ غير مرئي. ليس انتصارا” يُرفع كشعار، ولا حدثا” يُختصر بعنوان. بل شعورٌ خافت، يشبه عودة النفس بعد أختناق طويل. كأن المكان، الذي تعلّم أن يتحمّل، يكتشف فجأة أنه لم ينكسر. أن كل ما مرّ به لم يكن كافيا” ليمحو أثره. أن هناك شيئا” بقي، صامتا”، لكنه عنيد.

النصر هناك لا يأتي بصوت عال، بل يأتي كيقين داخليّ. أن ما كان يُراد له أن ينتهي، لم ينتهِ. أن الإنسان، رغم كل ما فُرض عليه، بقي قادرا” على أن يكون أكثر من جرحه. وأن ما صمد، في النهاية، لم يكن الحجر فقط، بل المعنى الذي يسكنه.

هكذا تُفهم الحكاية، دون أن تُروى كاملة. كأن المكان، بكل ما فيه، يهمس بفكرة واحدة. أن ما يمرّ عبر النار، لا يعود كما كان… بل يصير أقرب إلى البقاء.

هذا هو شعور العودة للجنوب

وهكذا هم أبناء بيئة المقاومة الأبطال

 

نضال عيسى

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى