أخبار العالم العربيمقالات

وقف النار بين إيران ولبنان: مناورة نتنياهو أم إعادة تموضع إيراني؟

 

*بقلم: ناجي علي أمهز*

يسود المشهد السياسي الحالي سيل من التحليلات والشائعات حول أسباب وقف إطلاق النار على جبهتي إيران ولبنان، إلا أن التدقيق المتجرد يكشف أن معظم ما يُنشر يفتقر للدقة ويمتلئ بالشوائب. فالحقيقة لا تكمن في ضغوط داخلية لبنانية، ولا في مجرد رغبة واشنطن بإنجاح اتفاقات إقليمية، بل في تقاطع معقد بين مناورات بنيامين نتنياهو والحسابات الإيرانية العميقة.

 

لم يكن قرار نتنياهو بالموافقة على وقف إطلاق النار رضوخاً لا للامريكي ولا لسير المعارك، بل كان مناورة استخدم فيها نفوذه في واشنطن لخداع الجميع. لقد راهن نتنياهو حتى الساعات الأخيرة على تحقيق “انتصار رمزي” يقدمه للرأي العام الإسرائيلي في “عيد الاستقلال”، وتحديداً عبر احتلال مدينة بنت جبيل.

ومع فشل القوات الإسرائيلية في تحقيق هذا الإنجاز الميداني، واقتراب موعد الاحتفالات، وجد نتنياهو نفسه مضطراً للذهاب إلى وقف إطلاق النار؛ خوفاً من أن يقضي الإسرائيليون عيدهم في الملاجئ تحت رحمة القصف الإيراني والصاروخي. لقد دفع نتنياهو بالرئيس ترامب نحو هذا المسار عبر “وسائط معقدة”، مخفياً نقطة ضعفه حتى على الامريكيين انفسهم: إما نصر كامل قبل “الاستقلال” أو وقف للنار يضمن استقرار الجبهة الداخلية أثناء الاحتفال بعيد الاستقلال.

 

على المقلب الآخر، قدمت ايران تضحيات كبيرة للطائفة الشيعية في لبنان عندما ربطت طهران مصيرها وشعبها بـ “شيعة لبنان”. يدرك العقل الإيراني اليوم أن الطائفة الشيعية في لبنان تمر بأزمة وجودية لم يسبق لها مثيل، حيث تعاني من عزلة داخلية وعربية ودولية خانقة.

المفارقة المؤلمة التي لاحظها المراقبون هي غياب التعاطف الدولي أو التحرك الشعبي الغربي مع معاناة شيعة لبنان رغم مرور لاكثر من عاميين من التنكيل بالشيعة من قبل الة الموت والدمار الاسرائيلية، على عكس ما حدث في غزة التي انتفض العالم لأجلها. هذا الفراغ في الدعم الخارجي يعود لغياب الشخصيات الشيعية الفاعلة في الغرب، وتجنب المغتربين الشيعة للأضواء خشية العقوبات، مما ترك الطائفة مكشوفة تماماً عالميا.

 

أما داخلياً، وصل الانقسام اللبناني حول الشيعة إلى نقطة شديدة الخطورة ليس فقط سياسيا وشعبيا. ولعل ظاهرة “العملاء” الذين تواصلوا مع العدو الإسرائيلي مقابل مبالغ زهيدة تعكس عمق الأزمة؛ حيث طرحت علامات استفهام حول ما إذا كان الكره السياسي قد تحول إلى منعطف وطني ينذر بانفجار داخلي بان يتعامل لبناني مع العدو الاسرائيلي ضد ابناء وطنه.

 

هذا الضغط الميداني والاجتماعي على شيعة لبنان هو ما دفع إيران لخفض سقف شروطها؛ فواشنطن وتل أبيب أدركتا أنهما لا تستطيعان كسر إيران عسكرياً، لكنهما “أمسكاها من ذراعها التي تؤلمها”، وهي حزب الله وبيئته.

 

في كواليس التفاوض، وافقت طهران على الشروط الأمريكية مقابل تنازلات متبادلة، وبقي ملف “اليورانيوم المخصب” الذي حُسم بإيداعه لدى روسيا، مقابل ضمانات روسية بتزويد المفاعلات الإيرانية بالماء الثقيل للأغراض السلمية.

 

أما تأخير التوقيع النهائي، فيعود – بحسب المعطيات – إلى انتظار موافقة مرشد الجمهورية السيد مجتبى خامنئي، حيث ان الحصول على موافقته مباشرة يحتاج الى وقت للوصول اليه واطلاعه على مجريات التفاوض وما تم التوصل اليه.

 

فقد قامت ايران مؤخرا وبسبب الحرب وحجم الاختراق التقني الى فصل الوحدات عن بعضها وهناك اماكن للوصول اليها تحتاح الى اكثر من 24 ساعة بسبب الانفصال التام عن تقنيات التواصل حتى البدائية منها, وهو ما حصل مع وحدة الصواريخ التي بقيت تقصف اسرائيل لساعات بعد إعلان الاتفاق.

 

الاتفاق سيوقع ونحن أمام مرحلة انسحاب إسرائيلي ونهضة عمرانية في جنوب لبنان والضاحية بضمانات فرنسية وأوروبية، مع تواجد لقوات دولية وعربية لضمان خلو الجنوب من السلاح. لكن هذا لا يعني نهاية الأزمة، بل بداية “مخاض عسير للشيعة”.

 

تتجه الأنظار نحو تكرار سيناريو 1976؛ فكما دخلت قوات الردع العربية سابقاً وانتهى الأمر باجتياح اسرائيلي ترحيل منظمة التحرير وحل الاحزاب المسيحية الكبرى واعتقال وتهجير اكثر من 300 الف مسيحي، يخشى أن يتكرر المشهد مع المكون الشيعي بأسلوب مختلف وأقل تكلفة دولية.

 

إن الطائفة الشيعية اليوم، أمام هذه المتغيرات الكبرى، مطالبة بتغيير جذري في خطابها السياسي وتقنياتها الإعلامية، لأن القادم يتطلب حكمة توازي حجم التحديات الوجودية، حيث يبدوا ان القرار بانهاء الدور الشيعي قد اتخذ ولكن بالف طريقة وطريقة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى