تونسمقالات

القروض على الشرف في تونس… هل تمثل نقطة تحول في دعم الاستثمار وتحقيق التنمية الشاملة؟

إصلاح مالي يفتح آفاقاً جديدة

أثار صدور الأحكام المتعلقة بالقروض على الشرف بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية اهتماماً واسعاً لدى الأوساط الاقتصادية والمالية، باعتبارها خطوة جديدة تهدف إلى تسهيل النفاذ إلى التمويل لفائدة أصحاب المبادرات ورواد الأعمال، وخاصة من يملكون أفكاراً ومشاريع واعدة لكنهم يفتقرون إلى الضمانات التقليدية التي تشترطها المؤسسات المالية.

ويرى مراقبون أن هذه المبادرة قد تشكل بداية لمرحلة جديدة في السياسات العمومية الداعمة للاستثمار، إذا اقترنت بحسن التنفيذ، والشفافية، والمتابعة المستمرة.

منطق جديد يقوم على الثقة

يقوم نظام القروض على الشرف على مبدأ منح الثقة لصاحب المشروع، مع تقييم جدوى مشروعه وقدرته على النجاح، بدلاً من الاعتماد فقط على الضمانات المادية.

ويعتبر خبراء الاقتصاد أن هذا التوجه يعكس تحولاً في فلسفة التمويل، من تمويل قائم على الضمانات إلى تمويل يستند إلى الكفاءة والابتكار وروح المبادرة، وهو ما قد يفتح المجال أمام آلاف الشباب وأصحاب المشاريع للدخول إلى الدورة الاقتصادية.

هل تكون البنوك شريكاً في التنمية؟

يبقى نجاح هذه المبادرة مرتبطاً بدور البنوك والمؤسسات المالية. فالمطلوب اليوم ليس فقط توفير التمويل، وإنما تقديم المرافقة والاستشارة والمتابعة، لأن نجاح المشروع لا يعتمد على رأس المال وحده.

فالعديد من التجارب الدولية أثبتت أن المؤسسات الصغرى والمتوسطة تحقق نتائج أفضل عندما تستفيد من التأطير المالي والإداري والتقني، إلى جانب التمويل.

ومن هذا المنطلق، قد تتحول البنوك إلى شريك حقيقي في التنمية، إذا اعتمدت مقاربة تقوم على دعم المستثمر ومرافقته، لا الاكتفاء بمنحه القرض.

المال قوام الأعمال… ولكن ليس وحده

لا شك أن التمويل يمثل حجر الأساس في إطلاق المشاريع، إلا أن الخبراء يؤكدون أن النجاح يرتبط أيضاً بحسن التصرف، ودراسة السوق، والتخطيط، والتكوين، والحوكمة الرشيدة.

لذلك، فإن نجاح القروض على الشرف يتطلب منظومة متكاملة تضم البنوك، وهياكل المرافقة، وخبراء المحاسبة، ومؤسسات التكوين، حتى تتحول المشاريع الناشئة إلى مؤسسات قادرة على النمو وخلق الثروة.

هل تساهم في الحد من الفقر والبطالة؟

يعول كثيرون على هذه الآلية الجديدة في تمكين فئات واسعة من تحسين أوضاعها الاقتصادية، خاصة العائلات التي عانت من ضعف الموارد أو من صعوبة الحصول على التمويل.

وإذا وُجهت القروض نحو مشاريع منتجة ومستدامة، فإنها قد تساهم في خلق مواطن شغل جديدة، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وتحسين مستوى الدخل، والحد من البطالة، لاسيما في الجهات الداخلية.

غير أن المختصين يؤكدون أن تحقيق هذه الأهداف يظل رهين جودة اختيار المشاريع، ونجاعة المتابعة، والالتزام بسداد القروض.

دور المشرّعين ومنظمات رواد الأعمال

تحظى هذه المبادرة باهتمام عدد من أعضاء مجلس نواب الشعب، إلى جانب منظمات رواد الأعمال والفاعلين الاقتصاديين، الذين يتابعون مراحل تنفيذها ويعملون على تقديم مقترحات وتوصيات من شأنها تعزيز نجاعتها.

كما يؤكد هؤلاء أن تبسيط الإجراءات الإدارية، وتسريع دراسة الملفات، وإرساء آليات تقييم شفافة، تعد من أهم عوامل نجاح هذه التجربة.

نحو اقتصاد أكثر ديناميكية

لا يمكن اعتبار القروض على الشرف حلاً سحرياً لجميع التحديات الاقتصادية، لكنها قد تمثل إحدى الأدوات المهمة ضمن رؤية أشمل للإصلاح الاقتصادي، تقوم على دعم الاستثمار، وتشجيع المبادرة الخاصة، وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات المالية.

ويرى خبراء أن هذه المبادرة، إذا رافقتها إصلاحات تشريعية ومالية، وتحسين لمناخ الأعمال، ومرافقة حقيقية للمشاريع، فقد تساهم في إحداث تحول تدريجي في الاقتصاد الوطني، ودعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وتعزيز ثقافة المبادرة والإنتاج.

بين الأمل والمسؤولية

تمثل القروض على الشرف فرصة جديدة أمام رواد الأعمال والشباب الحاملين لأفكار مبتكرة، لكنها في الوقت نفسه مسؤولية مشتركة بين الدولة، والبنوك، والمؤسسات الداعمة، والمستفيدين أنفسهم.

فالرهان الحقيقي لا يكمن في توفير التمويل فقط، بل في تحويل هذا التمويل إلى مشاريع ناجحة، ومؤسسات منتجة، وفرص عمل مستدامة، بما يرسخ مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويعزز ثقة المواطن في السياسات الإصلاحية، ويفتح صفحة جديدة نحو اقتصاد تونسي أكثر تنافسية واستدامة.

مقالات ذات صلة